قال أعشى قيس في مطلع قصيدته في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: ألم تَغتمِض عيناك ليلة أرْمَدَا ... وبت كما بات السَّليم مُسهَّدَا فقال النحاة: إن (ليلة) فيه ليس منصوباً على الظرفية، لأنه يكون المعنى على ذلك ألم تغتمض عيناك في ليلة أرمد، وهو الذي يشتكي عينيه من الرمد، وذلك معنى فاسد، وإنما هو منصوب على أنه مفعول مطلق، والمعنى عليه: ألم تغتمض عيناك اغتماض ليلة أرمد، أي اغتماضاً يشبه اغتماضه، فحذف المصد المضاف إلى الليلة وأقيمت مقامه، فصار إعرابها كأعرابه
وقال صديقي العالم العلامة أبو رجاء في تعليقاته على سيرة أبن هشام: هذا الذي ذكره النحاة مبنى على ان (أرمد) صفة معناها الذي أصابه الرمد، والألف فيه ألف إطلاق، وعندي أن خيراً من هذا كله أن يكون قوله (أرمدا) فعلاً ماضياً مسنداً
إلى ألف الاثنين التي تعود إلى قوله (عيناك) وعليه يكون ليلة منصوباً على الظرفية. قال الفيومي في المصباح: (رمدت العين من باب التعب وأرمدت بالألف لغة) ويكون قد حذف تاء التأنيث من الفعل المسند إلى ضمير المثنى المؤنث
وقد تكلف صديقي أبو رجاء هذا الإعراب بناء على تلك اللغة التي ذكرها المصباح، وعلى أن الفعل المسند إلى ضمير المؤنث المجازي يجوز تجريده من التاء في ضرورة الشعر. ولو أن الأمر يقف عند هذا لسهل الخطب، ولكن المعنى الذي أراده الأعشى لا يتفق مع هذا الأعراب، وهو معنى متقرر عند الشعراء لا ينفرد به الأعشى وحده، وقد ورد في قول أمرىء القيس بن عانس الكندي:
تطاوَلَ ليلك بالأثمُدِ ... ونام الخَليُّ ولم تَرْقُدِ
وبات وباتتْ له ليلةٌ ... كليلة ذي العائر الأرمد
فالأعشى يريد هذا المعنى الذي صرح به أمرىء القيس، وهو ظاهر جداً في أعراب جمهور النحاة، ولا يريد الأعشى أن عينيه اغتمضتا في ليلة إرمادهما، لأنه لم يكن في موقف الشكوى من هذا، وإنما كان في موقف النسيب الذي يبتدأ به القصيد، وهذا ما قررته لطلابي في القسم العام بالجامع الأزهر عند موضعه من المفعول المطلق

