الأستاذ عزيز صديق قديم ، تربطني به روابط قوية منذ عهد الشباب الأول ، وقد عرفته كما يقولون ( ظهرا لبطن ) ، فما يكاد يختفي عني شئ من دخيلة نفسه ,وهو فوق ذلك رجل لا بطن له ، فان النظرة الاولى إلي وجهه تكشف ما في قرارة نفسه من طباع واراء ، فلست افاخر هنا بأنني قد عرفته كل المعرفة ، فذلك أمر يتيسر لمن أقل مني ذكاء ، وأقصر مني عهدا بمعاشرته .
والأستاذ عزيز أديب موهوب كما يقولون أيضا ، فله قصائد تجري فيها الشاعرية جريان الماء في الغصن الأخضر ، وهو يؤلف القصص ويكتب المقالات الأدبية في شتي الفنون ، من أدب قديم وحديث ، ومن فلسفة واجتماع وقد يعالج أحيانا مسائل العلوم في كثير من الجرأة ، ولكنه يفلح دائما وفي كل الأحوال في أن يفوز باعجاب قرائه ، سواء أكتب باسمه صريحا أم كتب باسم سواه . وقد نسيت أن أذكر أنه كثيرا ما يكتب باسم سواه ، لا لكي يتنكر على الناس كما يفعل العظماء ، بل لسبب آخر بسيط ، وهو أن بعض الذين يريدون أن تكتب أسماؤهم في الصحف يقصدونه ليكتب لهم مقالا أو قصة ويأخذ منهم أجره مقدما ، تاركا لهم نشرها في الصحف إذا استطاعوا ، ولا يهمه بعد ذلك أكان الاسم الذي يوضع عند ذيل المقال هو اسمه أو اسم أحد آخر سواه ، فان الذي يهمه من وراء الكتابة أمر واحد ، وهو ان يضع في جيبه بعض هذه النقود الخبيثة التي ما تكاد تستقر به حتى تتطاير وتضيع تاركة جيبه كما كان خاويا .
وقد عرف بين أصدقائه بذلك ، فكانوا دائما يتفكهون بحوادثه ، ويتذا كرونها في مجالسهم مع كثير من التهكم والممازحة ، وأما هو فما كان يزيد في الدفاع عن نفسه على أن يقول : " إنها محنة الأدب "
نعم فان للأدب لمحنة ، ولن تجد أديبا بجيب دافئ ، ومن قال غير ذلك فهو غير اديب . ذلك قول مجرب لا شك فيه . ومن شك في ذلك فليسأل أي أديب صادق ، نجده دائما مصدقا لما نقول . ولئن وجد احد أدييا له مال فليعلم علم اليقين انه ليس بالاديب ، ولا ينخدعن به , وإن كان ممن ذاع صيتهم ، وشهد لهم الناس جميعا بالنبوغ في الأدب والعبقرية في التأليف .
أقول كان الأستاذ عزيز لا يزيد في دفاعه عن نفسه على ان يقول : " إنها مجنة الأدب ، قانما بقسمه الذي قسم له ، ينتظر اليوم الذي يموت فيه لباقي جزاء العظماء من أهل الأدب الذين يموتون جوعا في حياتهم ، ثم تخلد أسماؤهم بعد زوال الحياة الدنيا ، وتبقى مسطورة في سجل العظماء .
كان الأستاذ عزيز يكتب في أكثر الصحف ، وفي أوسعها انتشارا بين القراء ؛ فاسمه وحده كفيل بقبول ما يكتب ، وذلك لأسباب عدة : أولها انه كان يقنع بالقليل ثمنا لعصارة ذهنه ، فكان يطير فرحا إذا حصل على جنيه أو جنيهين مقابل مقالة او قصة ؛ على ان ذلك القليل كان في غالب الآحيان يضيع عليه ، لان أصحاب الصحف كثيرا ما يصابون بمحنة الأدب ، فلا يقدرون على الوفاء بما عليهم للأستاذ ، وكان بعضهم أحيانا يؤثر أن يدفع أقساط ثمن الأرض التي اشتراها على أن يؤدي حقه وإن كان قدرا يسيرا .
ولهذا كان مع ذيوع اسمه وكثرة قرائه ، لا يذكر انه اجتمع في جيبه عشرة جنيهات معا في يوم واحد ، وإن اجتمع له مثل ذلك المقدار فإنما يجتمع لحظة ، ثم يدركه
الدهر بالتشتيت ، فلا يبقى له شملا مجتمعا حتى يجر عليه ذيل العفاء .
وقد أثر هذا كله في الأستاذ عزيز ، فأحدث له فلسفة خاصة به لا تشبهها إلا تلك الفلسفة العميقة الواقعية التي تميز سلفه العظيم ( جحا ) فلسفة عميقة بسيطة ، مرحة حزينة ، صادقة صريحة ، جادة ساخرة ، متكبرة متواضعة ، قد اجتمعت فيها الأضداد كلها ، ولكنها مع ذلك فلسفة صحيحة .
وقد امتلأ قلبه بهذه الفلسفة ، وكان ينطق بها في كل يوم وفي كل ساعة ، وينطق بها عفوا ، وهو لا يعرف الحنق ولا الحقد ، ولم يشعر يوما بأن الانسانية ظالمة أو أنها غير جديرة بالمحبة . فهو يأخذ الناس كما يجدهم بغير غضب ولا لوم . ولا اذكر مرة واحدة سمعته فيها ينزل عن مثله العليا الآثيرة عنده . فالحب الانساني عنده أسمي العواطف ، والكرم والايثار هما اللذان يميزان القلوب البشرية العامرة ، والصدق والوفاء اجمل شعار للكرام ، والكرامة اعز ما عند الانسان ، ولا يصح ان يغفر لاحد نزل عنها . فهو يقدس هذه المثل العليا وسواها من أعز المثل التي ورثتها لنا الأجيال الكريمة من خدام البشرية ؛ ولم يسمح لنفسه ان يسيء ظنه بها مع ما يقاسية بين حين وآخر من الخيبة ، وما يتعرض له من الخداع واللؤم في الناس .
ويعز على أن أذكر موضعا واحدا للضعف في خلق الأستاذ عزيز ؛ وذلك انه ما كان يحب أبدا ان يعرف الناس حقيقة أمره في مسائل المال ؛ فكان أشق الأشياء على نفسه أن يعرف الناس عنه أنه فقير أو أنه قد يمر به اليوم وليس معه قرش واحد . بل لقد كان يتكبر أن أعرف أنا عنه ذلك مع ما بيننا من المودة الوثيقة والارتباط بالمحبة منذ عهد بعيد . وكنت أعرف ذلك الطبع فيه ، فلم
أحاول أن أتدسس في أمره ، ولا أن أظهر له أنني على علم بما يعانيه من مشقة في تدبير معاشه ؛ ولعل ذلك كان يرضي كبرياءه ، فكان في بعض الأيام - وهذا نادر - يقص على من تلقاء نفسه بعض قصصه ، ويصرح لي بماحدث له من ضيق في بعض ساعات حياته ، ولكنه كان لا يذكر لي شيئا من ذلك إلا بعد أن يكون الحادث قد مضي حتى لا توجد شبهة في أنه يطلب لنفسه معونة :
ومن ذلك أنه جاءني ليلة وهو متهلل يكاد يرقص فرحا ، فضحكت له واستأنست بمرحه وتركت عملي واقبلت عليه ، فجعل يحدثني حديثه العذب ، وما احلى حديث الأستاذ عزيز في مثل تلك الحالة النفسية .
قال : أنت تعرف يا صديقي أنني لا أقدر أن أطلع أحدا على خاصة أمري .
فقلت له : أعرف ذلك ولا أوافقك عليه . فإن الصديق . .
وأردت أن أستمر في قولي فقاطعني قائلا : ليس هذا موضوع حديثي ، ولكني اردت ان امهد لك تمهيدا لقصة انتصار عظيم وقع لي اليوم.
فتبسمت في شئ من الخيبة وبلعت ريتي متأثرا من مقاطعته ، ولكن ارتياحى له غلبني فأصغيت إليه ونسيت ألمى . فقال :
- لقد اعتاد جماعة من أصحابي أن يقصدوني في قروض بين حين وحين ، وكنت أجد حرجا عظيما كلما قصدني أحدهم في شئ من ذلك . فماذا كنت استطيع أن أقول لصاحب إذا جاء يطلب مني قرضا ؟ أأقول له ليس معي ما تطلب ؟ .
فأحببت أن أرد عليه ، ولكنه أشار إلي كأنه يأمرني بالصمت واستمر قائلا :
- ليس من الممكن ان اقول لمن يقصدني إنني
لا أملك ما يريد . هذا شيء لا أقوي عليه . فإني بذلك اذيع بين هؤلاء شيئا من خاصة امري . وما حق الناس في ان أطلعهم جميعا على حقيقتي ؟ إنني إذا قلت لهم جميعا إنني لا املك شيئا كنت كمن يجعل للناس كلهم حقا في أن يسألوه كلما قابلوه : كم قرشا في جيبك ؟ هذا تدخل مشين في شئون الناس بغير شك ، اتظن انه من حقى ان اذهب إلي أحد معارفي وأبادره سائلا : كم جنيها في خزانتك ؟
ونظر عند ذلك إلى كالمستفهم ولكنه عند ما رأى أنني أهم بالجواب أشار إلي بالصمت ومضى قائلا :
- كان بعضهم يسألني أن أقرضه مقدارا كبيرا لا أحلم بأن يكون لي مثله . فأحار حينا حتى تشتد حيرتي وأفكر كيف أجيبه : أجيبه باسما بلهجة الاعتذار قائلا : ليس معي ؟ لا . لا . فهذا شئ ثقيل . فأضطر إلي ان أقول له : اسمع يا صديقي . نحن صديقان كما يكون الأصدقاء في الحياة ، ولكننا لم نتعامل من قبل . وأنا لا أريد أن أضيع مالي بأن أقرض أصدقائي . ثم لا أترك له فرصة للحديث بعد ذلك بل أتجهم له ، وقد أسئ . إليه في القول ، فيقوم عنى غاضبا ، وقد يقاطعني فلا اراه بعد ذلك . نعم يقاطعني وقد يعاديني . ولكن ذلك كله أهون على من أن أقول له " ليس معي " .
فتبسمت وقلت له : ولكن هذا عجيب ! . واردت ان استمر في إيضاح رأيي ، فقطع على الحديث قائلا : ولكن اسمع ليس هذا ما أريد أن أقوله لك . إنما هذا كله تمهيد لقصتي
فسكت ونظرت إليه بإهتمام وقد زاد شغفي بسماع قصته . فقال
- ولكني كنت احيانا اتعرض لسؤال صديق لا يطلب إلا القليل : جنيها اوجنيهين ، وقد يكون متواضعا فيسألني ان اقرضه نصف جنيه ، وهذا اشق على من طلب الكثير ، فان الاعتذار عنه اشنع وابلغ في كشف حالي . فكنت
عند دلك أرتكب أهون الأضرار وأجود بما معي مرغما .
وليس من العسير عليك أن تدرك أن هذه القروض كانت كلها تطلب لأمد قصير لا يزيد على أسبوع ، ولكنها جميعا لم ترد إلي هذه الساعة ، وقد مضي على بعضها سنوات عشر .
وسكت عند ذلك لحظة ، ولكني لم احاول أن أتدخل في الحديث اشدة شغفي بسماع قصته ؛ وفوق ذلك كنت أخشى ان يعود إلى مقاطعتى إذا أنا هممت بالكلام . وبعد حين قصير استأنف قصته فقال :
وكان أسمج هؤلاء الأصدقاء في طلبه رجلا تعرفه ولا أسميه لك . فلا يليق بي أن أعيب أصدقائي في غيبتهم . لم استطع أن أتخلص من هذا الصديق إلا اليوم ، وقد جئتك وقلي يفيض بزهو الانتصار الذي وفقت إليه : كان كلما جاء يطلب مني قرضا أقبل على بخطى وئيدة وهو عالي الرأس منتفخ الصدر متبسما كأعا يتنازل بزيارتى ثم يقول : إن إيراد العزبة قد تأخر على - لعن الله هؤلاء المستأجرين الذين لا يصدقون - كان موعدهم بالأمس فأخلفوا وقد طرأ على اليوم عذر في جنيهين . ثم ينتفخ فوق انتفاخه ، ويمط شفتيه ويقول كأنما هو يأنف من نزوله إلي الاقتراض مني : جنيهان اثنان اضطررت إلي اقتراضهما ، ولست أثق في صديق غيرك ! . ويأخذ بعد ذلك في أن يؤكد لي أنه لولا مالي عنده من المنزلة لما أقدم على الاقتراض مني . حتى أحس في آخر حديثه أنه إنما جاء ليتفضل على بذلك الطلب . وأحمد الله على انني كنت أجد معي في كل مرة ما أقرضه له ، فلم أضطر يوماً إلي أن أصدمه برد قاس كما كنت أرد غيره إذا لم أجد معى ما أعطيه .
وسكت الأستاذ عزيز عند ذلك لحظة أخري كأنه يستجمع حماسته ، وبدأ يتكلم بعد ذلك ؛ وما كان أشد دهشتى إذ وجدته قد انتقل إلى حديث آخر لا علاقة له بقصة صاحبه فقال : أتذكر صديقنا اليوزباشي محرم ؟
ولم أدرك قصده من ذلك السؤال ، ولكني أجبت بغير تفكير في شيء من الوجل فقلت : نعم أذكره
ثم شرد بي الفكر لحظة وذهبت بي الظنون مداهبها ، وساءلت نفسى : هل كان ذلك الصديق اليوزباشي أيضا ممن يقترضون من الأستاذ عزيز ؟
وهممت أن أنطق متعجبا ، ولكنه لم يمهلني وقال : - أتذكر يوم كان هنا مع جماعة من أصدقائنا القدماء وجعل يحدثنا عن الحرب ؟
فزاد عجبى من الأستاذ ، وظننت أن شيئا قد أصاب عقله فجعله يخلط في الحديث ، واعترتني رهبة اسكتتني فقال الأستاذ كأنه لم ينتظر إجابتي :
إنك لا شك تذكر يوم تحدث عن أساليب الحروب وأفاض علينا من تجاربه وعلمه لست أذكر من كل ما قاله إلا شيئا واحدا ، كلمة واحدة كانت بمثابة وحي هبط على ، فما زلت اذكرها بعد ذلك إلي اليوم . أتدري ماذا قال ؟
فتمتمت قائلا بغير وعي : لا أذكر . وهززت رأسى لأؤكد النفى ، وفي نفسى مخاوف وهواجس
فقال في بطء وهو يضغط على كل كلمة : لقد قال اليوزباشي محرم إن خير وسيلة للدفاع ان نسلك خطة الهجوم
فنظرت إليه فاتحا عيني واشتد بي الخوف ، فقال الأستاذ مستمرا :
- منذ ذلك اليوم تأكد لي صدق هذا الضابط الباسل ، فليس في الحياة انجح من الهجوم . الهجوم مع الأعداء ومع الأصدقاء ، عند الطلب وعند الرفض ، مع النساء ومع الرجال ، في حال السلم وفي حال الحرب ، في كل شئ وفي كل أمر ليس أنجح من الهجوم .
وسكت لحظة ، وبقيت ساكتا انظر إليه وقد امتزج الخوف بكثير من العطف والحزن ، ثم انطلق فجأة فقال :
- واليوم أتي إلي صديقي القديم الذي كنت أحدثك عنه ، وجاءنى يسير في بطء وهو على الرأس منتفخ الصدر مبتسما في تنازل ، فعرفت أنه جاء على عادته التي عودني .
فخفت دهشتي وعاودني الاطمئنان على سلامة عقل الاستاذ عند ما رأيته يعود إلى موضوع حديثه الأول . وعرفت أنه كان لا يزال يمهد لقصته . واستمر قائلا :
فلما رأيته عرفت لماذا جاء وأسرع إلى ذهني خاطر من الوحي الذي استمددته من صديقي محرم . وقلت لنفسي : لا شئ انجح من الهجوم . وأسرعت قائما نحوه في فرح ولهفة ، وقلت له : مرحبا بك ايها الصديق . إنك والله ابن حلال كما يقولون . أندري أنني كنت على وشك أن أحضر إليك ؟
فتردد قليلا وتوقف في سيره ونظر إلي في شئ من الفزع ، ولكنه تمالك نفسه وقال : " القلوب تتجاوب " . ثم جلس واستعاد ثباته واستعد للحديث . ولكنى لم ادع له فرصة . وزادني شجاعة وحماسة انني لم يكن معي عند ذلك مليم في جيبي وخشيت أن اضطر إلى الاساءة إليه إذا هو طلب مني قرضا فأفقده وهو عندى حبيب . فقلت له :
" اليوم ذهبت إلي شراء صفقة رابحة لا شك فيها . ودفعت كل ما معى من المال عربونا لها إنها صفقة رابحة تعود علي بأضعاف ثمنها . ولكن يبقى علي من ذلك الثمن عشرون جنيها ليس معي منها مليم واحد . وسيضيع العربون على إذا لم اقم اليوم بدفع ما بقي من ثمنها ، وذلك فوق ما يضيع على من ربح الصفقة السعيدة ؛ فهل لك يا صديقي في إعانتي ؟ ولست اقصد ذلك أن أسترد شيئا مما لي عندك وإن كان يبلغ أكثر من ذلك القدر . انى لاافكر فيمالى عند صديق مثلك وما كنت لأقصدك لولا أنك الرجل الذي أثق فيه ،
وجعلت أشعره كما كان دائما يشعرني بأنني متفضل عليه بذلك الطلب منه . فصمت ذلك الصديق ساعة ، ثم قال وهو يكاد يغص بريقه : إنني انتظر شيئا من إيراد العزبة اليوم ، وسأذهب حالا لأعود إليك بما يتيسر لي ثم قام مسرعا وهو يطمئنني على صفقتي ويؤكد لي انه عائد بعد ساعة قصيرة .
وسكت الأستاذ عزيز لحظة ، ثم نظر إلي مبتسما وقال :
- كان هذا في الصباح ، وبالطبع لم يرجع إلي حتي هذه الساعة من الليل . ولو عاد إلى لكنت بادرت وقهقهت في وجهه واعطيته ما يريد ، فقد جاءني بعد ان مضى عني إذن بريد يحمل لي خمسة جنيهات كاملة من مجلة "الكمال".
فتنفست نفسا عميقا ، وضحكت ملء صدري , وجلسنا نسمر في أعقاب الحديث حتى مضي عني الأستاذ وشيعته وأنا أردد حكمته في قلبي ولا أعي ما أقول حقا ليس أنجح من الهجوم .

