كانت بلاد الصين منقسمة إلى سبع دول ، تسمى إحداها (( كى )) . وكان فى هذه الدولة رجل اسمه " فونغ " من أسرة فقيرة ، ليس له مال ولا نشب ، ولا يجد الضرورى من الطعام لغدائه أو عشائه . وكان لهذا الرجل صديق مقرب عند الأمير ((مون تشان )) رئيس وزراء (( كى )) ، والمعروف بسخائه وإيوائه للضيفان . ففاتح الصديق الأمير فى شأن (( فونغ )) وسأله أن يسمح له بالإقامة فى قصره ، وقبل الأمير ذلك الرجاء . فلما ذهب فونغ إلى القصر سأله الأمير : (( أيها الضيف الكريم ، هل لك من حاجة تذكرها ؟ )) فأجاب : (( لا ، لست راغبا فى شئ ما )) فسأله الأمير ثانية : (( ياضيفى الكريم ، هل تجيد أى فن من الفنون ؟ )) فأجاب : (( يا أميرى الجليل ، إن ضيفك ليس بذى علم ولا فن )) . فضحك الأمير لحظة ثم تركه يقيم فى القصر . ورأى رجال القصر هذا المنظر فأحسوا أن الأمير يستهزىء بفونغ ، فلما جاء وقت الغداء لم يقدموا لهذا الضيف إلا الخضر غداء ، فتناول منها قليلا غير راض ولا مسرور . وفى يوم من الأيام وقف فى ساحة القصر مستندا على أحد عمده ، وأخرج سيفه من غمده ، وهزه يمينا وشمالا ، واندفع ينشد : (( ياسيفى الأبيض مد إلى غمدك فان أكلى خلو من السمك )) . وسمع رجال القصر هذا النشيد الحماسى ، وأخبروا به الأمير فقال لهم : (( قدموا إليه السمك كما تقدمونه لضيوف الدرجة الوسطى )) . وبعد أيام عاد (( فونغ )) إلى موقفه وهز سيفه وأنشد : (( يا سيفى الطويل ارجع
إلى غمدك ، فانى كما خرجت من القصر خرجت من غير عربة )) . فقال الأمير : (( أعطوء عربة حسنة مثل ضيوف القصر )) .
ركب (( فونغ )) العربة ، واتشح بالسيف ، وزار بيوت الأصدقاء ، وقال : الآن أكرمنى الأمير مثلما يكرم ضيوفه . وظل على ذلك أياما ، ثم عاد إلى موقفه وهز سيفه وغنى : (( عد أيها السيف فليس لى بيت )) . وعندما قال هذا غضب عليه رجال القصر وبرموا بطمعه وعدم قنوعه . ولكن الأمير سأله : (( ألك زوجة وأسرة ؟ )) فقال : (( ليس لى إلا أمى العجوز )) . فأنعم الأمير عليه وعلى والدته ، وكلف رجال القصر أن يعطوه بيتا ويقدموا له الطعام على الدوام . فقرت عينه بذلك واطمأن قلبه ، ولم يعد يهز سيفه أو ينشد أناشيده .
وبعد شهور أراد الأمير مراجعة دفاتر الديون . فسأل ضيوف القصر : (( من منكم يجيد الحساب فأنيبه عنى فى الذهاب إلى مدينة (سن) وجمع الدين من الناس ؟ )) فصمت الجميع إلا (( فونغ )) فانه أجاب : (( أنا أستطيع ذلك )) عجب الأمير لهذا ، وسأل حاشيته من هذا الرجل وما يعرفونه عنه فقالوا : (( إنه ذلك الرجل الذى كان يهز سيفه و ينشد النشيد )) . فضحك الأمير لحظة ثم قال :
(( لو كنت أعلم أن ضيفنا هذا عنده مثل هذه القدرة لقابلته بخير مما فعلت . وإنى لآسف على ما كان منى )) .
ثم أرسل فى طلبه ، فلما جاء قال له الأمير فى اعتذار ولطف : (( إننى منذ توليت منصب رئيس الوزراء لم أزل مضطرب القلب ، شارد النفس ، كثير الهموم والتفكير ، فالسياسة الدولية معقدة النواحى ، والتنافس يزداد يوما فيوما . لذلك لم تمنح لى الفرصة لمقابلة الأستاذ (( فونغ )) من قبل ، فاعذرنى ولا تؤاخذنى ، ولتسمح الآن بالسير إلى مدينة ( سن ) لجمع الديون من أهلها )) . فقال فونغ : (( بكل سرور ، وأنا خادم الأمير )) .
أمر الأمير رجال القصر أن يأخذوا العدة لتهيئة الموكب ، ومهمات السفر وأوراق الدين . ولما حانت ساعة الرحيل قال فونغ للأمير : (( أترى أن أشترى أى شئ بعد جمع الدين ؟ )) فأجاب الأمير مبتسما : (( اشتر ما تراه ضروريا مما ليس عندنا فى القصر ))
سار الموكب حتى وصل مدينة (سن) وأرسل (( فونغ )) رسله إلى المدينين يطلبون منهم أوراق الدين لمراجعتها ومعرفة صحتها ، وأخبرهم أنه بالنيابة عن الأمير سيسامحهم فلا يدفعون ديونهم ، وبعد جمع الورق أحرقه ، فابتهجت الجماهير ، وأخذوا يهتفون بحياة الأمير العادل فى حماسة وولاء .
وبعد أن قضى (( فونغ )) مهمته قفل عائدا إلى القصر ، وفى اليوم التالى لوصوله التمس من الأمير أن يقابله فى موعد حدده له ، فعجب الأمير كل العجب لسرعة رجوعه .
ولبس حلته الرسمية ثم قابله وقال له : (( هل جمعت الدين يا حضرة الفاضل ؟ )) فأجاب فونغ : (( لقد فرغت من المهمة )) فقال الأمير : (( إذا فلتشتر لنا الأشياء البديعة )) فقال فونغ : (( لقد كنت نصحت لى بأن أشترى ما هو ضرورى للقصر ، ولقد نظرت فإذا فى القصر النساء الحسان ، والتحف النادرة ، واللؤلؤ الثمين ، وفى الاصطبل كثير من الخيول الكريمة ، وعندكم العدد الوفير من الكلاب الثمينة ؛ ولكن شيئا واحدا مع الأسف ليس عندكم وهو المروءة ؛ لهذا سأذهب الآن لأشترى لكم المروءة وأعود )) . فقال الأمير : (( ما هذا ؟ وما معنى شراء المروءة ؟ )) فأجابه فونغ : (( إن مدينة ( سن ) ميراث لكم ولأجدادكم ، ولكنكم لا تحسنون العطف على الرعايا المساكين ، بل تعاملونهم معاملة التجار ، يستغلون الجماهير لفائدتهم ؛ وهذه خطة خاطئة . لهذا خالفت أمركم ، ولم أطلب من الناس دفع شىء ، بل أحرقت ورق الدين كله ، وتركت الجماهير هناك تهتف بحياة الأمير العادل )) .
فقال الأمير : (( الآن قد انتهت مهمتك فاسترح يا حضرة الأستاذ )) .
وبعد سنة قال ملك (( كى )) للأمير (( مون تشان )) : أنا لا يمكننى أن أستعمل وزيرا من وزاء الملوك الأولين فى هذا العصر ، فاستقل من منصبك لتتولى مدينة (سن) .
فأطاع الأمير أمر الملك واستقال من منصب رئيس الوزراء وعاد إلى مدينة (سن) ولم تكد أخبار قدومه تصل المدينة حتى خرجت الجماهير للقائه كبارا وصغارا ، وأقبلوا إليه من الضواحى البعيدة حتى غصت بهم الطرقات . وهنا التفت الأمير إلى (( فونغ )) ، ونظر إليه نظرة كلها رضا وسرور ، وقال : (( يا أستاذى العاقل ، لقد كنت تقول إنك تريد أن تشترى لى المروءة ، وكنت لا أفهم معنى ما تقول . فالآن آمنت كل الإيمان وأدركت فضل المروءة ومبلغ أسرها للقلوب )) .

