الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 115الرجوع إلى "الثقافة"

قصة عربية :, زنوبيا

Share

(كانت تدمر ( بيادية الشام ) عاصمة عظيمة لتجارة الشرق ، ذات ثروة طائلة ومدنية عالية . وكان أميرها أذينة فارسًا باسلا ، يحب صيد السباع ، ويستصحب امرأته زنوبيا في مخاطراته . وكانت زنوبيا سليلة بيت الإمارة في تدمر ، وتنتمي إلى كليوبتره ملكة مصر ، وتشبهها في جمالها وذكائها وثقافتها - ومرض أذينة من جرح أصابه في الصيد ، فساور زنوبيا قلق شديد ، لم تجد فيه سلوى إلا عند وصيفتها المسيحية ( لميس ) ، التي وصفت لها المسيحية وحببت إليها الاتجاه إلى الله ، فتفتح قلبها للمسيحية بعض التفتح . وعلمت في مناجاتها للفتاة بأنها تحب شابًا مسيحيًا في الجيش اسمه حسان ، فأرادت زنوبيا أن تمهد لها السبيل إلى زواجه . فلما شفي أذينة فاتحته في ذلك ، ولكنه أبى أن يزوجها منه خوفًا أن يتهم بأنه مسيحي . وجاءت إلى تدمر بعد شفاء أذينة أخبار خطيرة تفي بانهزام أمبراطور الروم ( فالريان ) ، وأنه أصبح أسيرًا ذليلًا مع الملك الفارسي المنتصر سابور . فثار أذينة وأراد أن يبادر بالذهاب إلى حرب سابور . ولكن زنوبيا ما زالت به حتى حملته على التأني ، وحسنت إليه أن يرسل هدية إلى سابور يستميل بها قلبه ، فأطاعها في ذلك وأرسل الهدية . وبقى في تدمر قلقًا ينتظر أنباء تلك الهدية ، فأحب أن يخفف عن نفسه ذلك القلق , فخرج إلى الصيد ، ولكن صدره المحرج دفعه إلى الإيقاع بأحد رفاقه ، وهو معن ابن أخيه ، لهدوة يسيرة بدرت منه . وجاءته الأنباء بعد ذلك أن سابور قد ألقى هديته في الفرات وسبَّه سبًا قبيحًا ، فعول على أن يتجهز لحرب فارس ، وأرسل يدعو أعيان تدمر ليشاورهم في الأمر) .

اجتمع جمع حافل ممن بعث إليهم أذينة على أثر وصول رسالة سابور إليه . وكان فيه علية تدمر وأشرافها , وأصحاب الولاية فيها والثراء ؛ فكان فيهم قواد الجند الذين تعقد لهم ألوية الحروب ، ونقباء التجار ، وشيوخ العشائر الذين كانت لهم رياسة قوافل التجارة الواردة إلى تدمر والصادرة عنها ، وأصحاب السقاية الذين يقومون على حياطة الماء النابع من عينى تدمر يقسمونه لري حدائق المدينة أو شرب أهلها والنازلين بها ، وأصحاب الرفادة الذين يعدون للجيوش ما يجب لها من سلاح أو مؤونة , وأصحاب السدانة الذين يخدمون الحرم - معبد الشمس وبعل - اجتمع كل هؤلاء وألقى إليهم أذينة ما بلغه من أنباء الحرب ، وبين لهم ما يحيط بهم وبمدينتهم من الأخطار ، ثم بين لهم كيف أراد أن يبعد عنهم خطر الغزو باللين والحكمة ، فأهدى ما أهدى إلى

سابور ليستلين قلبه ويبعد عنهم كيده ؛ ثم أفضى إليهم بما كان من سابور وإلقائه الهدية في النهر ، وأعاد عليهم تلك الرسالة الشديدة التي كانت جرحًا في عزة العرب جميعًا ، وامتهانًا لكرامتهم . فما انتهي أذينة من مقاله حتى ترددت أصوات الغيظ والسباب في جنبات المنتدى الفسيح الذي اجتمعوا فيه ؛ ولم تهدأ ثائرتها عند ما أشارت زنوبيا إلى القوم أنها تريد الكلام ؛ فقد كانت ثورة نفوسهم أعنف من أن يلينوا ، كعادتهم إذا بدت لهم أميرتهم الحسناء . فقام أذينة ورفع لهم يده مبسوطة كأنه يهم بإلقاء أمر عليهم في ساحة القتال ؛ فخشعت الأصوات شيئًا فشيئًا ؛ حتى استطاع آخر الأمر أن يسمعهم صوته فقال :

- اسمعوا ما تقول الأميرة . فلم تنس زنوبيا أن تنظر نحوه نظرة سريعة بابتسامة

عابرة كأنها تومئ إليه بشكرها ؟ ثم قالت بصوتها الأغن : - إن الغضب لا يجدينا شيئًا أيها الكرام من أعيان تدمر . فإن حولنا نيرانًا متقدة ، لا يطفئها إلا تفكير وحلم وتؤدة ، ولست أحب أن أكون لكم ناصحة ، فأنتم أبصر بأمور الحروب ، وما يجب لها من تبصر وعدة ، ولكني رأيت الغضب قد غلبكم ، وأخشى أن تفشو في الناس غضبتكم ، فيتحرك سرعانهم قبل أن تملكوا أزمة الأمور ، فلا يجدي بعد تدارك ما قد يندفعون إليه من البوادر ، ولذلك أرجو أن تتركوا الغضب وتقبلوا على ما أنتم فيه بالروية والاناة ، وهذا أخلق بكم وأجدى عليكم .

فلقيت كلمة الأميرة إعجابًا واستحسانا حتى أحس الشيوخ أنهم قد أساءوا في دفعتهم ؛ وجعلوا يمسحون لحاهم ويعبئون بها مطرقين كأنهم يستغفرون عن تلك الخفة التي لم يفطنوا إليها .

وجرى الحديث بعد ذلك في حماسة وشاركتهم فيه زنوبيا تجادهم وتراجعهم وإلى جانبها معلمها ( لونجين ) يميل نحوها بين حين وآخر ويناجيها بأحاديث قصيرة في صوت هامس وقضى الجمع الحاشد ذلك اليوم كله في جدله ومناقشاته حتى غابت الشمس ، ثم قاموا وقد وكل إلى رجل منهم أمر من الأمور يقوم على إعداده أو إنفاذه . وأخذ أذينة على عاتقه أكبر نصيب من الحمل ، فكان عليه أن يحشد الجيوش ويكاتب شيوخ القبائل ويبعث الرسل إلى المدائن والقرى لجمع المؤونة ، وأن يبذل الأموال في الناس ليصعدوا من فجاجهم إلى تدمر على كل ضامر وكل نجيب . ومضت بعد ذلك أيام بطيئة كان أذينة فيها شديد القلق لا يكاد يفتر عن حركة كأنما هو يستحث مرور الزمن . ثم أخذت الجنود تفد إلى تدمر زمرًا وفرادى حتى صارت أرباضها معسكرًا فسيحًا ، فضربت فيها الخيام مختلفة الألوان والأشكال كل جماعة ملتفة بخيمة زعيم ، تسمو فوقها

مشرفة عالية الدعائم بعيدة الأركان .

وأخذت تدمر تموج بالجند إذ يدخلون إلى أسواقها بعضهم يشتري زادًا أو عدة ، وبعضهم يلتمس متعة من خمر أو لهو قبل أن يشمر للحرب المقبلة ، وكانوا يبذلون المال عن سعة مما أغدقه عليهم الأمير الكريم أذينة من نفقته وعطاياه ، وكان تجار تدمر وأهلها يجدون في زحمة هؤلاء ، الجنود مرتعًا لهم خصيبًا ، ففتحوا لهم أبواب حوانيتهم وعرضوا عليهم السلع وتنافسوا في إرضائهم , بما هدتهم إليه تجربتهم الطويلة في معاملات الأسواق .

وكان هؤلاء الجنود أخلاطًا من أطراف بلاد العرب من نزار ومعد ومن الأوس والخزرج ، ومن أهل اليمن وأهل الشام ، بل لقد كان فيهم جماعات من الأزد وغطفان الذين كانوا يدينون لملك الحيرة عدو تدمر الذي يتربص بها الدوائر امرئ القيس بن عمرو بن عدي . فلقد هب العرب جميعًا لحرب سابور .

ولما تكامل اجتماع الجيش اللجب استعد أذينة للسير إلى الشمال ، واحتفل بالخروج احتفالًا لم تشهد تدمر من قبل مثله ، فمر بكتائبه المزهوة في الطريق الأعظم ، وكان يركب عربته الحربية الرائعة ، تجرها خيول أربعة عربية حمراء ؛ وقد جلست زنوبيا في جانب منها وعليها تاجها المكلل بالجوهر ، وهي في حلة حمراء أرجوانية تنظر في قلق وإعجاب إلى زوجها أذينة وهو واقف إلى جوارها في لباسه الفضفاض الذي يشبه رداء شيوخ الرومان ، ومن تحته دروعه الكاملة وسلاحه التام ، آخذًا بأعنة الخيول بيديه ، وعلى رأسه بيضة الحرب ، ومن تحتها يبدو جانب وجهه الأسمر القوي بأنفه الأقنى وذقنه المتين ، عليه لحية سوداء قصيرة ، لا يراه الرائي إلا صورة من صور إله الحرب ( مارس ) . وما زال في سيره حتى بلغ قوس النصر ، ثم مر بالحرم في التماس بركة شمس - بعل حتى خرج من باب

الشمس واتجه نحو الصحراء ، وعاد بعد ذلك مع الملكة إلى المدينة ، وبات الجيش تلك الليلة خارج المدينة .

خرج أذينة في اليوم التالي مبكرًا في السحر ، فلما طلعت الشمس كان مع جيشه يضرب في الصحراء نحو الشمال بعد أن ترك في تدمر كتيبة من الجيش لحراستها ، وجعل عليها القائد الشجاع ( ورد ) ومعه حسان المسيحي الباسل يساعده .

وصعدت زنوبيا إلى رأس برج القصر تراقب مشرق الشمس وتنظر في آثار الجيش وهو يتحرك باعدًا ، وكانت موزعة القلب بين الوحشة من فراق زوجها البطل العزيز ، والأمل في أن يعود بالنصر والمجد يسوق الأسرى ويحمل الغنائم .

وجعلت تتمثله وقد غلب سابور وأذله ، وصار عاهل الشرق وسيد العرب ؛ وكانت دموعها تجول في عينيها وهي تحاول أن تكتم الهزة العنيفة التي تهز صدرها ، حتى إذا ما غاب الجيش وراء الكثبان الصفراء تنفست نفسًا عميقًا وتهانفت بالبكاء ، ثم التفتت وراءها فرأت صديقها ومعلمها لونجين واقفًا يرمقها من بعيد ، فما وقعت عينها عليه حتى اضطربت إذ فاجأها على غرة ، فلم تقدر على مقاومة نفسها ، فأجهشت بالبكاء وخارت قواها . فأسرع لونجين إليها وأسندها فسارت متهالكة إلى جانبه ، حتى عادت إلى الايوان فارتمت على أريكة ، وتركت لنفسها العنان . فرأى لونجين أن يتركها حينًا وحدها ، فذهب إلى مكتبة القصر وجلس يقرأ ؛ وكان في ذلك اليوم مشتت الذهن لا يستقر عقله فيما يقرأ فجعل يعيد ما ظن أنه فرغ منه ، ثم لا يلبث أن يدرك أنه قد مر على السطور بعين غائبة الوعي ، فيبدأ في قراءة ما طواه حتى مل القراءة ، فرمى بالكتاب ومال برأسه إلى ظهر كرسيه ، وغلب في تأمل عميق .

ولم يدر لونجين كم قضى من الزمن في تأمله ، ثم صحا على مس يد رقيقة لكتفه ، فنظر فاترًا كأنه قد كره أن

يصحو من عالمه الخيالي . فرأى الأميرة واقفة عند رأسه محمرة العينين من أثر البكاء ، فأسرع قائمًا في شيء من الارتباك ، واكتسى وجهه حمرة شديدة ، ولكنه لم يستطع أن يخفي من عينيه بريقًا ينم عن سروره لهذه المفاجأة ، فسارت زنوبيا على مهل وهي في كآبة بادية ، حتى جلست على كرسي قريب منه وقالت كأنها تحدث نفسها :

- ما أشد وحشتي مما كنت أجد فيه الأنس والبهجة ! إنني أرى الفضاء ضيقًا والهواء ثقيلًا والنور خافتًا . لا أستطع أن أبقى وحدي ولا أجد الأنس في جماعة .

وهؤلاء الوصيفات ، لا يتحدثن إلا عن الطيب أو الحلى . أواه ؟ إن قلبي حزين !

فنظر إليها لونجين مرتبكا وقال : - لا تستسلمي لخواطر الساعة ، وتطلعي إلى الأمل الباسم .

فلم تلتفت زنوبيا إلى قوله ، ومضت في حديثها : - إن المرأة لا تستطيع إلا أن تكون امرأة .

كنت أحسب أنني قد سموت على النساء ، ولكنني اليوم عرفت نفسي . ما أنا إلا امرأة ، ما أنا إلا امرأة . فعلا الدم إلى وجه لونجين ولم يقل شيئًا .

فنظرت إليه زنوبيا ، وكأنها كانت تنتظر منه قولا ، فلما رأته صامتًا وجهت إليه الحديث :

- إنك بغير شك تقول في نفسك : " نعم ما أنت إلا امرأة . " . وهؤلاء الوصيفات كذلك كن دائمًا يقلن ذلك ؛ ولكنني أنا وحدى كنت أجهل نفسي . لقد كنت مخدوعة عن حقيقتي ، ولم أعرف سوى اليوم أنني إحداهن .

فقال لونجين في ارتباك : - مولاتي ؛ هي هزة الساعة . ما هي إلا هزة تمضي بعد قليل .

فأسرعت زنوبيا قائلة : - وما أدراك أنني أود أن تذهب عني هذه الهزة ؟ إنني كنت أظن نفسي قد تحررت من عاطفة المرأة ، وكنت أحسب نفسي بذلك ممتازة . كنت أظن أنني أميرة ، وأن ما عدا ذلك لا يهم في الحياة . كنت أتصور أن جدتي كليوبتره كانت مثلي الأعلى - ملكة قبل كل شيء ، جعلت الملك همها فتوسلت إليه بذكائها وقوتها وعلمها وجمالها ، وضحت من أجله بكل عزيز عند المرأة . استخدمت كل شيء في سبيل ملكها ، حتى الحب نفسه جعلته من أسلحتها لحماية ذلك الملك . ولكني أدركت اليوم أنني لن أستطيع أن أكون مثل جدتي . بل لقد بدأ الشك يدب إلى نفسي من أنني كنت أعرف حقيقتها . أتظن يا لونجين أن كليوبتره كانت كما كنت أحسب ؟ أتظن أنها كانت ملكة ولم تكن امرأة ؟

ثم نظرت إلى الرجل في تلهف واهتمام ، فزاد لونجين ارتباكًا وود لو أن تلك الأميرة الحسناء لم تحضر إليه في تلك الساعة لتجره إلى مثل هذا الحديث ، وأعاد النظر إليها فوجدها تنتظر منه أن يجيب فقال في تردد :

- إن الإله الذي خلق النفوس لم يخلق ملوكًا ولا أمراء ، ولكنه خلق رجالًا ونساء .

فأسرعت زنوبيا قائلة وفي صوتها رنة الأسف : - هذا ما بدا لي اليوم ياصديقي الأجل . كانت نظرتي في الحياة نظرة الجاهل الذي لم يصل إلى قرارة الحكمة . كنت أرى أذينة أميرًا كما كنت أرى الناس فأحسب كلا منهم كما تدل عليه ملابسه . كنت أرى الفارس فلا أعرف فيه إلا فارسًا ، والحكيم فلا أرى فيه إلا حكيمًا ، والوصيفة فلا أرى فيها إلا تابعة ، ولكني اليوم تنبهت إلى أن هؤلاء جميعًا قد يكونون غير ما حسبت ؛ قد تفتحت عيني قليلًا منذ أيام عندما كنت أحدث لميس . فرأيت في كلامها شيئًا يدل على أن وراء ظاهرها شيئًا آخر . شيئًا حيًا له رغبة وله قلب وله نفس . ولكني

لم أفطن إلى الحق كله . أما اليوم فقد تفتحت عيني لكل نور الحقيقة ، اليوم فقط عرفت .

وأطرقت عند ذلك لحظة وهي صامتة ، وكان لونجين ينظر إليها وهو مضطرب يعبث بطرف لحيته السوداء . وهو يتأمل أقوالها ، وفي قلبه شجون لايقوى على التنفيس عنها .

واستمرت زنوبيا فقالت وهي تنظر إليه : - وأنت أيضًا يا لونجين . أنت أيضًا بغير شك تحجب وراء هذا المظهر نفسًا تجيش ، قل لي شيئًا غير الحكمة ، فأني اليوم لا أريد غير أن أعرف الناس .

فنظر إليها مندهشًا مضطربًا وهو لا يدري ما قصدها وزاد ارتباكه فلم يجب فاستمرت تقول :

- إنني لم أعرف عنك إلا أنك رجل حكم علمتني وقرأت لي كتب الأدب والشعر والفلسفة . كنت أعيش معك ساعات في آفاق من الفكر والخيال . ولم افكر في يوم من الأيام أنك إنسان . كنت لا أراك إلا فكرة وعقلا وذكاءً . ولم أعبأ أن أفكر في نفسك وفي حقيقتك . حدثني اليوم عن نفسك فإن في ذلك الحديث ما يشبع تشوقي إلى علم جديد ، علم جهلته ولم أتنبه إليه من قبل . فنظر لونجين إليها مهوتًا وقال هامسًا :

- ما أنا إلا فكرة . ما أنا إلا كتاب ؛ فنظرت إليه الأميرة عاطفة وقالت في لهجة الاعتذار : - إنني اليوم عند أول عالم جديد تفتح أمامي : كنت أرى أذينة شريكا وزوجا وفارسًا ، ثم بدا لي أنه شيء آخر . هو جانب من وجودي لا علاقة له بالإمارة ولا بالزواج ولا بالحرب . حدثني عما تعرفه عن نفسك ، وقل لي كيف ترى المرأة ، لعلي أعرف كيف يراني أذينة . ألم تعرف المرأة يا لونجين ؟

فقال لونجين في صوت يشبه الأنين وكأنه ينطق بغير وعيه : - عرفتها . عرفتها يا مولاتي كما عرفت الرجل .

فأسرعت تجيبه في لهفة : - قل لي إذاً كيف أنت منها إذا أحببتها . فأطرق وهو يجيب وقال : - أهب نفسي لها . فقالت وكأنها لم تفهم :

- حدثني عن نفسك ، قل كيف تحس ، وكيف تفكر ، وكيف تعمل . قل لي إن كنت قد أحببت امرأة .

فنظر لونجين إليها وكأنه قد فك من عقال وذهب ما كان على وجهه من الاحمرار ، وزال عنه ما كان يعقد لسانه من الارتباك وقال في صوت متهدج :

- قد عرفت امرأة واحدة . عرفتها لأنني أحببتها . ووددت لو أن الحياة كانت شيئًا يعطى فأهديها إليها ، فهكذا الرجل أو هكذا أنا . لم يخلق الرجل إلا ليكون عبدًا ، وخلقت المرأة لتكون مالكة . الرجل يبيع نفسه من أجل الحب ، يبذل للمرأة كل شيء عنده ، يهب قوته وقدرته وحيلته ويسخر مهارته وقسوته وشجاعته ، ويهدي علمه وقته وحكمته . يبذل لها كل ذلك ويقنع منها بأن يحبها ولو لم تحس هي بذلك الحب .

كانت زنوبيا تنظر إليه وهو يتدفق في قوله متعجبة أن يكون ذلك الرجل الذي ينبعث في حديثه بمثل هذه الحماسة هو معلمها الحكيم الهادئ الذي لم تظن يوما أنه يخفي مثل هذه الحياة تحت مظهره الساكن . ولما انتهي من قوله بقيت لحظة في شيء من الدهشة ثم قالت باسمة : - ما كان أكبر جهلي بك يا صديقي الأجل ! إذ ظننت أنني كنت أعرفك . وإني أشكرك على أن أزلت عن نفسي ظلامها الكثيف .

ثم قامت وهي تتنفس وتقول : - لقد بعثت إلى نفسي سلاما ما كان لأحد سواك أن يبعثه . سأطمئن في غيبة أذينة على تكرار حديثك هذا . سأبعث إليه بروحي لكي يصاحبه ويؤنسه ، وسأحس وأنا هنا بنفسه كأنه إلى جانبي يبسط على حمايته . لقد

وصفت الرجل وصفا حبذا لو صدق . أما أنا فإني أصف لك المرأة التي تحب يا صديقي . أنت تقول إنها تحب لتملك الرجل . وأما أنا فأقول إنها تحب لأن الحب حياتها . هي تحتاج إلى الحب لكي تكون شيئا ما في الحياة . وإذا صح أنها تحب لتملك فما ذلك إلا لأنها تريد أن تملك ما ليس عندها ، ترد أن تملك ما تقوى به على الحياة . لقد بعثت إلى نفسي السلام بحكمتك أيها السيد الأجل ، فلأردد ما قلته الساعة كل يوم ، ولأترقب عودة الجزء الذي بعد عني وهو مني . وسأجعل هذه الذكرى تؤنسني حتى يعود .

ثم ذهبت بعد أن ألقت تحية إلى معلمها وهي ذاهلة الفؤاد ، وسارت عائدة نحو مخدعها مطرقة بطيئة الخطوات مضطربة القلب .

وبقى لونجين لحظة في مكانه واقفًا ينظر في أعقابها حتى اختفت عنه ، ثم ارتمى على كرسيه ، ووضع رأسه بين يديه ، وقال يناجي نفسه :

- أيها الحكيم الأبله , أيها الحكيم الشقي ! (يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية