الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 129الرجوع إلى "الثقافة"

قوانين الحرب

Share

الحرب فى ذاتها جريمة من أفظع الجرائم وأبغضها ، وليس فى وسع الشرائع البشرية أن تبررها . غير أن ثمة قيودا يخضع لها المتحاربون فى أثناء القتل والتدمير ، ويرجع خضوعهم هذا إلى أقدم العهود ، وقد كان له بعض الأثر فى تخفيف ويلات الحروب قديمها وحديثها ! والعالم المتمدن حتى فى هذه الحرب الضروس يقر بسلطان هذه القوانين ، وإن حاول التملص منها فى كثير من الأحيان . وآية ذلك أن الذين يخرقونها يحاولون أن يبرروا مسلكهم بأن يلقوا عليه ستارا من القانون ، وإن يكن فى كثير من الأحوال ستارا شفافا لا يخفى حقيقة ما وراءه عن العيون . وفى هذا المقال يشرح أستاذ القانون الدولى فى جامعة أكسفورد قوانين الحرب وما كان لها من أثر فى الحروب الحديثة ، ويوازن بين رأى الألمان ورأى أعدائهم فيها ، ويخص بالذكر حرب الهواء والحصار البحرى ، ولا يغفل مسائل القصاص ، وحقوق أهل البلاد المحتلة والمحايدين ، وإلى القارئ آراءه موجزة غاية الإيجاز :

يقول الانجليز إن الألمان فى الحرب الماضية قد اغرقوا سفن المحاربين والمحايدين من غير أن ينذروا هذه السفن قبل ذلك التدمير ، وإنهم بثوا الألغام العائمة فى البحار ، وأطلقوا المدافع على المدن المكشوفة الآهلة بالسكان ، واستخدموا الغازات السامة ، وصبوا النار من طائراتهم على السكان المدنيين ، وقتلوا الرهائن البلجيكيين ، وقالوا وهم يفعلون ذلك إنهم لم يخرقوا قوانين الحرب ، ولم يعتدوا على قواعد الأخلاق العامة . ويقول الألمان إن الانجليز فى الحرب الماضية نفسها قد ضربوا الحصار على ألمانيا فأماتوا الأطفال والنساء

جوعا ، وذلك عمل لا يقل فى قسوته وفظاعته عن القتل بالمدافع والطائرات .

وفى هذه الحرب تتكرر هذه الأعمال نفسها بشكل أفظع وأشد قسوة ، فالمدن العامرة مثل رتردام  تدمر فى ساعات ، والحصار البحرى شديد ضيق الحلقات . فهل ثمة ما يبرر هذه الأعمال ؟ إن الجواب عن هذا السؤال موقوف على الجواب عن سؤال آخر هو : هل هناك قوانين يتقيد بها المحاربون ؟ وما هى هذه القوانين وماشأنها عندهم ؟ يقول المتشائمون : إن (( قوانين الحرب )) كلمتان متناقضتان لا معنى لهما ، ولكن الحروب الماضية قد اثبتت خطأ هذا الرأى ، لأن المتحاربين كانوا يتقيدون بهذه القوانين إلى حد ما . لا ننكر أن بعضهم قد خرقها كما يخرق بعض الأفراد الشرائع العادية العامة ، ولكن ما من دولة قد أنكرت وجودها ، أو لم تعترف بسلطانها ، ومن ثم فقد كان لهذه القوانين أثر عملى لا شك فيه ، ويرجع تاريخ قوانين الحرب إلى العصور الوسطى حين كان للدين ونظام الفروسية سلطان قوى على النفوس قلل من فظاعة الحروب ووحشيتها (١) .

لكن الناس قد عادوا إلى التحلل من قيود القوانين الحربية فى أثناء الحروب الدينية التى دارت رحاها فى أوربة فى العصور الوسطى نفسها ، ثم ما لبثوا أن عادوا إلى صوابهم فى القرن الثامن عشر ، فخلت حروب نابليون من كثير من فظائع الحرب ووحشيتها .

غير أن قواعد الحرب فى تلك الأيام كان مرجعها إلى ضمائر المتحاربين وحدهم ، ولم ينص عليها فى معاهدات أو مواثيق دولية إلا بعد عام ١٨٥٠. ومنذ ذلك الحين أصبحت أصول القوانين الحربية جزءا هاما من القانون

الدولى العام ، واعترفت بها الدول فى مؤتمرات عامة أهمها كلها مؤتمر لاهاى الذى عقد فى عام ١٩٠٧، وقد أقر هذا المؤتمر عددا من المواد تنص على ما يجب مراعاته فى الحروب البرية ، واتفق فوق ذلك على أن ما لم تشمله القوانين المسنونة يكون مرجعه (( إلى المبادئ المستمدة من العادات المرعية بين الشعوب المتمدنة، وإلى المبادئ الانسانية ومبادئ الضمير العام )) .

للحرب إذا قوانين تقوم على العرف والعادات المرعية وأوامر الدين والأخلاق والمدنية والمروءة الانسانية . وقد يقول البعض إن قوانين الحرب تخضع للضرورات الحربية ، أى أن من حق المتحاربين ألا يتقيدوا بها إذا كان فى خرقها نجاة لهم من خطر الهزيمة ، أو كان التقيد بها يمنعهم من بلوغ الغاية التى يحاربون من أجلها . ولكن هذا القول يهدم قوانين الحرب من أساسها ، ويجعلها أشراكا يقع فيها العدو الشريف غير الحذر ، ومن حسن الحظ أن معظم الدول لا تأخذ بهذه النظرية .

اشترك في نشرتنا البريدية