الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 39الرجوع إلى "الرسالة"

كاظم باشا الحسينى

Share

حنانيك يا رب!! أفى الساعة التى يضطرب فيها البحر  ويحار المركب ويبعد المرفأ، يموت الربان ويختفى القطب؟! وفى الساعة التى يستحر فيه النضال بين حق العرب وباطل اليهود،  وبين إيمان فلسطين وطغيان الإنجليز، يسقط القائد ويهبط  العلم؟! وفى كل يوم تتجاوب أصداء الأسى فى أقطار العروبة  على بطولة تؤدى، أو زعامة تخلو، أو نبوغ ينطفئ أو ألفة  تفترق أو وحدة تشيت؟!

لا باس بالألم يجمع شتى القلوب على الإحساس المتحد،  وبالخطب يروض رخو المغامر على المقاومة الشديدة، وبالموت  يبعث ضارع النفوس إلى الحياة العزيزة، اما المدامع التى تجدب  المشاعر، والشدائد التى توهن العزائم، والمنايا التى تقبر  الأمانى، فإرزاء من الشر المحض والعذاب الخالص كابدتها  الأمة العربية واسفاه فى مصارع سعد وفيصل وكاظم!

روع العرب فى عيد التضحية والتلبية مصاب فلسطين فى حياة  نهضتها وسر وحدتها وروح ثروتها المغفور له موسى كاظم باشا  الحسينى، فضجت المآذن بالنعى، وفاضت الصحف بالرثاء،  واضطربت الألسن بالأسف، ونال الناس من الجزع الطبيعى  ما ينالهم حين يرون الركن يميل، أو النظام (١) ينقطع،  أو الدليل يغيب؛ وتساءلوا عن مصير فلسطين المعذبة بعد  شيخها الذى أخلصت جوهره السنون، أحكمت رأيه السن،  وشيعت قلبة العقيدة وأعلنت صوته النزاهة وقدست شخصه  التضحية، فجهل الحزبية، وأنكر الطائفية، وسل أحقاد الصدور،  وأذهب تنافس الأسر، وعبأ الأمةالمغزوة فى دار أمنها، ثم  قادها زهاء خمسة عشر عاما فى المفاوضات بلندن، وفى المظاهرات  والمؤتمرات بفلسطين، لا يقطعه يأس، ولا يردعه وعيد،

ولا يخزله طمع، ولا يقعد به عبء السنين التسعين عن قيادة  الشباب إلى صراع حام دام بين حق اعزل وباطل مسلح!!

لو كانت قضية فلسطين قضية رياسة وسيادة وغلب لكان  فى كل مكان سبيل إلى الخلاف ودليل إلى الفرقة، ولكنها  قضية الحياة والموت: وللحياة طريق تهدى إليها الفطرة،  وقافلة تدل عليها الطبيعة: فالأمر من هذه الناحية مختلف بين  فلسطين وبين العراق ومصر

ولا ريب أن المستقبل الذى يتمثل لشباب فلسطين فى  ابشع صوره سيذهلهم عن نعرة العصبية، ويلهيهم عن شهوة  الخصومة، فلا يرون إلا عدوا واحدا هو الواغل المقتحم،  ولا يستمعون إلا قولا واحدا هو قول زعيمهم الخالد وهو  يجود بنفسه:

"... قضية العرب فى فلسطين أمانة فى ذمتكم فجاهدوا  فى سبيلها، فإن فعلتم أرحتمونى فى قبرى"

عزى الله الأمة العربية اجمل العزاء عن فقيدها الغالى،  وأحيا فى خواطر أبنائها النبلاء مثله العالى، وجعل رضوانه  عليه ثواب ما بذل فى سبيله من ماله وجهده ونفسه.

اشترك في نشرتنا البريدية