الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 120الرجوع إلى "الثقافة"

كتاب من هنالك، لرسامة، نقله إلى العربية الدكتور بشر فارس

Share

من قرية محتلة في فرنسة الخامس والعشرين من نوفمبر ١٩٤٠ صديقي العزيز . . . آه من الملموس الخشين ، قد فتك بالرقة المفروضة في الأنامل ؛ فاعذر اليد إن خانها القلب . منذ يونيه المنصرم أراقب جلاء يذكرني بحوادث كنت أظنها طُويت بانطواء أخبار التوراة . والريب الذي كان يداخلني في صحة تلك الأخبار قد رقَّ ، قد فَنِي . . . الإيمان مرهون ببلاء النفس .

أنا باقية هنا ، وأختي معي : شمعتان لا تجدان من يستصبح بهما لغلبة الظلمة حتى على هزيل النور . نحن هنا حيث تجسم الماضي ، جسمه شبابنا وانبساطه أيام كنا نفر من باريس إلى الريف ، فرار العاشق المتعب ، لا فرار العاشق المقطوع . مضى الماضي ، وأما المستقبل فجملة مبهمة ، وتنبئنا البصيرة المفجوعة بأن مدة السأم مما يكتنفنا في تثبت وتزايد .

لا أقول إن أشكو الملل بمعناه المتعارف . لا أشكو بهذا المعنى الخاوي ففي قدرتي أن أتألم ، وإن بغى الألم ، وفي قدرتي فوق هذا : أستطيع أن أبتر اليوم المتطاول بفضل باقات من الذكر تعمر القلب والفكر ، ومواكب من المعاني وحركات النفس تناهض الخواء الذي هيأه " الكل " من حولي . والحق أن هذا الخواء أثقل ألوان التُّركان والجفاء : تركنا الذي كان تبقى ، ثم جفانا ما كنا نملك وهما .

حتى في هذا السكون المغتصب تبرز طبيعتنا قوة حيوية محاثة أبدًا : قد التوي الرسم على الأنامل ، وطاشت الخطوط ، وتداخلت الألوان ، كأنما الكون رقعة نبللها دموع ، فلا إنجاز عمل . غير أنه لجميل أن أفكر في " الصعود إلي الصورة التامة " بحسب ما تمثلها أرسطو : صعود لا يُقنعه أن ينظم السير المستدير ، بل يطمع أن ينبسط على أدية القرون حتى مستقبل غير منظور بُعده لنا وفينا . إنه لجميل أن لا يخلو رقود الطبيعة من نشاط الرؤى .

إني أحن إلى معملي في باريس ، في حي موبارناس ، حي الجد العابث . غادرت هنالك ألواحًا كنت خططت عليها أشكالا وصورًا ، وفي نيتي أن أعود إليها أتمها . . . أنت أدرى بمعاودات الفنان ؛ ويا بعد معملي الآن . وهبني رجعت إليه ، فهل أقوى على معالجة الألواح ؟ إن حديث النفس كان هادئًا عذبًا ، وأما اليوم فالنفس نهبى عراك كله ضجة : الأصوات ثقلت ، واللوامع انقلبت وساوس تطِن ، والإلهام مضرح باستصراخ الضحايا . . لتلحق تلك الألواح بالضحايا : هذه ثروتي أطرحها لأني أحب الآن أن أضرب في عالم الفن ، وبصري قد صفَّاه الشقاء وحدَّده الندم .

وعهدنا الذي فُرض علينا ، عهد فجيعتنا ، هذا الضغط الباطني الذي يُحير عروقنا ألا ينقض في الزمن الآتي ؟ هذا الضغط يهيج شهوة قد تجد منفرجًا على التدريج ؛ إلا أنه كثيرًا ما يخطر لي هل نُحكم الصنع بعد البلاء ؟ وما أدري لم أشك الحين بعد الحين في خصب تلك الفجيعة ، في قوة إثمارها ، فأعد نفسي للتسليم بأن الذي ترك لي من العمر إن هو إلا فناء تصدر الأجل المضروب

اشترك في نشرتنا البريدية