من قرية محتلة في فرنسة الخامس والعشرين من نوفمبر ١٩٤٠ صديقي العزيز . . . آه من الملموس الخشين ، قد فتك بالرقة المفروضة في الأنامل ؛ فاعذر اليد إن خانها القلب . منذ يونيه المنصرم أراقب جلاء يذكرني بحوادث كنت أظنها طُويت بانطواء أخبار التوراة . والريب الذي كان يداخلني في صحة تلك الأخبار قد رقَّ ، قد فَنِي . . . الإيمان مرهون ببلاء النفس .
أنا باقية هنا ، وأختي معي : شمعتان لا تجدان من يستصبح بهما لغلبة الظلمة حتى على هزيل النور . نحن هنا حيث تجسم الماضي ، جسمه شبابنا وانبساطه أيام كنا نفر من باريس إلى الريف ، فرار العاشق المتعب ، لا فرار العاشق المقطوع . مضى الماضي ، وأما المستقبل فجملة مبهمة ، وتنبئنا البصيرة المفجوعة بأن مدة السأم مما يكتنفنا في تثبت وتزايد .
لا أقول إن أشكو الملل بمعناه المتعارف . لا أشكو بهذا المعنى الخاوي ففي قدرتي أن أتألم ، وإن بغى الألم ، وفي قدرتي فوق هذا : أستطيع أن أبتر اليوم المتطاول بفضل باقات من الذكر تعمر القلب والفكر ، ومواكب من المعاني وحركات النفس تناهض الخواء الذي هيأه " الكل " من حولي . والحق أن هذا الخواء أثقل ألوان التُّركان والجفاء : تركنا الذي كان تبقى ، ثم جفانا ما كنا نملك وهما .
حتى في هذا السكون المغتصب تبرز طبيعتنا قوة حيوية محاثة أبدًا : قد التوي الرسم على الأنامل ، وطاشت الخطوط ، وتداخلت الألوان ، كأنما الكون رقعة نبللها دموع ، فلا إنجاز عمل . غير أنه لجميل أن أفكر في " الصعود إلي الصورة التامة " بحسب ما تمثلها أرسطو : صعود لا يُقنعه أن ينظم السير المستدير ، بل يطمع أن ينبسط على أدية القرون حتى مستقبل غير منظور بُعده لنا وفينا . إنه لجميل أن لا يخلو رقود الطبيعة من نشاط الرؤى .
إني أحن إلى معملي في باريس ، في حي موبارناس ، حي الجد العابث . غادرت هنالك ألواحًا كنت خططت عليها أشكالا وصورًا ، وفي نيتي أن أعود إليها أتمها . . . أنت أدرى بمعاودات الفنان ؛ ويا بعد معملي الآن . وهبني رجعت إليه ، فهل أقوى على معالجة الألواح ؟ إن حديث النفس كان هادئًا عذبًا ، وأما اليوم فالنفس نهبى عراك كله ضجة : الأصوات ثقلت ، واللوامع انقلبت وساوس تطِن ، والإلهام مضرح باستصراخ الضحايا . . لتلحق تلك الألواح بالضحايا : هذه ثروتي أطرحها لأني أحب الآن أن أضرب في عالم الفن ، وبصري قد صفَّاه الشقاء وحدَّده الندم .
وعهدنا الذي فُرض علينا ، عهد فجيعتنا ، هذا الضغط الباطني الذي يُحير عروقنا ألا ينقض في الزمن الآتي ؟ هذا الضغط يهيج شهوة قد تجد منفرجًا على التدريج ؛ إلا أنه كثيرًا ما يخطر لي هل نُحكم الصنع بعد البلاء ؟ وما أدري لم أشك الحين بعد الحين في خصب تلك الفجيعة ، في قوة إثمارها ، فأعد نفسي للتسليم بأن الذي ترك لي من العمر إن هو إلا فناء تصدر الأجل المضروب

