الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 112الرجوع إلى "الثقافة"

لماذا وكيف

Share

إلى أي حد يستطيع الإنسان مغالبة البرد والحر وسائر الأجواء  ، وهل في الحيوان من هو أكثر منه مقاومة لها ؟

إن كنت تقصد بمغالبة الانسان للأجواء استخدام حيلته واستعمال عقله، فبالطبع ليس في الحيوان من يدانيه فى ذلك ، وإن كنت تقصد أن يقالبها بمعدات خلقه وطبائع جسمه ، فهو من أضعف الخلائق مقاومة للأجواء، ومن أسرعها انخذالا لجائحات  الأرض والسماء. وليس في هذا القول ما يتنافى مع مكانة الانسان السامية التي يحتلها على رأس المملكة الحيوانية ، بل إن في هذا السمو بذرة الضعف ، وفى هذا الترؤس سيب الاعتدال . حتى الشيء الجهاد كما علا جرمه قل اتزانه وأوشك أن ينهار . والرأس أقتل من القدم

ومفصل القول أن الانسان إنما بلغ هذا السمو والترؤس بتعقد الجسم وتعدد أعضائه واختلاف وظائف هذه الأعضاء واشتباك تلك الوظائف وترابطها في نظام دقيق. والنظام كل زادت دقته وزاد حجمه و تشعبت ممالكه وكثرت مشابكه ، سهل الإخلال به كالآلة الكبيرة الكثيرة الأجزاء العقيدة الصلات ، يوقفها خروج مسيار من مكانه ، على أن الآلة إذا توقفت تعود سيرتها من الدوران إذا رد المسمار إلى مكانه في الآلة . ولكن الجسم  إذا توقف لا يعود إلى الحركة أبداً ، وسرعان ما تتألب عليه خلائق أخرى تطلب نصيبها من هذا الطعام السمين المخزون.

وهذه الخلائق المتألبة خلائق صغيرة ، وهي في معارض الخلائق تقع في الصفوف الأخيرة التي لا يؤية

بها، ويتخطاها البصر لصغرها  ولحقارتها ولبساطة تأليفها. ولكنها بسبب هذا الصغر وهذه الحقارة والبساطة وهبتها الطبيعة مقاومة لم تهبها إنساناً .

ومن أحقر هذه الخلائق الحقيرة، وأصغر هذه الخلائق الصغيرة، البكتريا، وهى لصغرها تحتمل من الحرارة ما لا يكاد يحتمله مخلوق، وتحتمل من البرودة ما لا يكاد يحتمله مخلوق. بل إنك تتجمدها بالثلج فتتجمد وتقف حركتها ، وتتمثل حياتها سنين طوالا ، ولكنها تعود إلى الحياة إذا خرجت من ثلجها ودلى" الجو حولها. وقصة الفيل الضخم الذي عثروا على جثته في ثلوج سيبيريا قصة معروفة : حفروا عن هذا الفيل الثلوج بعد أن ظل فيها وفينا آلاف السنين ، فوجدوا جئته منجمدة سليمة كاملة ، أو تكاد تكون كاملة وجدوها بلحمها وعظمها وشعرها ، فكانما فارقتها الروح من ساعات، وحماها من الفناء أن أسباب الغناء، وهى المخلوقات الدنيا ، قد اتجمدت هى أيضاً فجزت من أداء رسالة الفناء. ولكن هذه الجنة العظيمة ما ثبت أن دفئت وزال عنها انجمادها حتى دب فيها الفساد ، لأن البكتريا دفنت هي أيضاً وزال عنها انجمادها ، فأخذت تفعل فعلها وتقوم بوظيفتها التي تعطلت منذ آلاف السنين ، فهذه البكتريا تحيا الآلاف من السنين ، بينا الانسان يحيا العشرات ، فان عدا الثمانين أحوجت سمعه إلى ترجمان .

وهذه البكتريا وجدوها ايضا في قلب الفحم ببعض مناجمة ببلاد الرور . والفحم عمره ممتد إلى ملايين السنين . فهذه البكتريا عاشت فيه حين كان فيه حياة وكان فيه شمس وماء وهواء . وبقيت فيه لما تقطعت به اسباب الحياة ،

وبقيت تلك السنين الطويلة تتربص الفرص للحياة . فلما حانت اخذت في سبيل الحياة ، فنقسمت وتكاثرت كما كانت تتقسم وتتكاثر قديما .

ومثل البكتريا الحشرات : حبسوا عدداً من الذياب في قبابة من الزجاج ثم بردوا القبابة من خارجها بالهواء السائل فانخفضت درجة حرارتها في الداخل انخفاضاً كبيراً ، وتجمعت القبابات وتجمدت كتلة واحدة فصارت كقطعة الثلج . ولكن ما لبثت أن أدخل الدفء إليها حتى دبت الحياة فيها فتحركت ديباً ، ثم طارت تحمد العيش العائد بعد فواته. وما حمد إنسان عيشاً عاد بعد فواته أبداً، على الأقل في هذه الدنيا

ومن الحيوانات صنوف كثيرة تغالب الأجواء مغالبة كبيرة فإن غلبتها الأجواء عمدت إلى النوم ، تنامه أشهراً طويلة . وتنامه في الشتاء إذا غلب البرد. وتنامه في الصيف إذا قسا الحر. ونومها فيه الحياة ، ولكنها حياة ضعيفة خفيفة تكاد تفقد كل مظاهر الحياة وتشبه الموت.

قرأت مرة من رجل عالم أنه عثر على ثعبان تتلج وتجمد ، واستطال فكان كالعصا. فحمله وتوكأ عليه إلى بيته ، ثم وضعه في ركن البيت كما يضع العصا، ثم لم يحض زمن طويل حتى تثبت العصا ثم انهدمت وسقطت على الأرض ثم أخذت تدب دبيب الثعابين لما نالها دفء المكان

لغة الانسان مطبوع أم مصنوع ؟ وهل للحيوان لغة  ؟

لغة النحل ليست اللغات بالشئ الذي يولد مع الانسان كأنفه ولونه وسلامة هضمه او فتاده ، بل هي من ارث المجتمع ، بتعلمه المولود في نشأته كما يتعلم أمور الحياة الآخر بديهي انك لو أخذت طفلا مصريا فأودعته بيئة فرنسية الشب وهو لا يستطيع أن ينطق الضاد والظاء والمين ، ثم يكون اخنف النطق ، ولو اخذت طفلا فرنسا فأودعته بيئة

مصرية لنطق بكل ذلك وخرج كل منطقه من فمه دون أنفه ، ولو أخذت طفلا مدنيا وأودعته بيئة قرود لشب يصيت كما تصيت القرود . فاللغة من كسب الفرد في الجماعة ، وهي في الجماعات من كسب الأجيال . ويري العلماء أن الناس جاء عليهم دور في أدوار التطور الأولى لم تكن اللغات المنطوقة فيهم بالشئ المذكور . وقد فحص بعض العلماء جماجم رجال عثروا عليها في حفائر في الأرض لعصور ما قبل التاريخ رجاء أن يجدوا فيها الدليل على أن أهل تلك العصور لم يكونوا يستطيعون الكلام المنطوق ؛ ومهما يكن من أمر هؤلاء وما حصلوا عليها من نتائج ، فان اتجاههم هذا نذكره لتوكيد المعنى الذي نريده من أن اللغة الانسانية المنطوقة شئ مصنوع من ميراث الدهر ، يجري عليها ما يجري علي المواريث من قلة وكثرة ، وضيق واتساع ، وقد تتعاون الظروف ، أو في مكنة الفكر أن يتصور ظروفا تنعدم فيها لغات الكلم بالرة ، أو تتضاءل حتى تكون كالعدم ، دون أن تؤثر على مطالب الحياة الأولى من طعام وشراب ، ومن إنسال يمتد به الوجود ويتسلسل . وبين سكان هذه الأرض آدميون يعيشون في مجتمع لاتزيد أفراده على المئات يتكلمون لغات لا يفهمها مجاوروهم من أهل المجتمعات الصغيرة الأخرى . ولكن أي لغات هذه ؟ لاشك أنها لغات كأبسط ما تكون اللغات ، ضيقة كضيق حاجات هذه المجتمعات من أمور العيش .

إن لفظة اللغة تنصب أكثر انصبابها على لغة الكلام ، وهي لغة قد امتاز بها الانسان وحده ، مازه بها رثة مرنة وعضلات حلق مختلفة متسقة ، واحبال صوت فيه متقاصرة متطاولة ، ثم شفة ولسان تتألف جميعا على إخراج أنواع من أصوات عدة لا يكاد الحصر يحصيها . وحسبك من تعددها ان اللغة الواحدة بها ما يقرب من ثلاثين حرفا يحرك كل منها ثلاث حركات أو أكثر ، عدا ما يستطيع الفرد ان يحدثه في

نغماتها من رفع وخفض على درجات شتى ، وترقيق وتغليظ على درجات شتى كذلك ، ثم ما يستطيعه من تأليف بينها وصناعة ما تسميه بالكلمات وهى فى لغة العشر ألف مؤلفة .

فلغة الكلام لغة أصوات راقية معقدة ، آلتها حناجر راقية معقدة لحيوان راق معقد . حسها الأذن فهى لغة آذان

وإلى جانب هذه اللغة توجد لغة أخرى تعتمد على الحركات والاشارات ، وهى تحس بالعين ، ولهذا نسميها. لغة العيون . والانسان فى أدنى دركات الترقى تقل لغته الأذنية أى لغة الكلام ، وتكثر لغته العينية أى لغة الحركات والاشارات ، حتى قيل إن في القبائل الانسانية قبائل لا تستطيع أن تتفاهم في الظلام

على أن الإنسان في أرق مدنيته وأرفع ثقافته لم يتخلص بعد من لغة العين . راقب رجلا يتحدث ،  لاسيما حديثاً حارا مفصما بالمشاعر ، تجديده لا تفتأ مرفوعة مخفوضة مبسوطة مقبوضة ، ترسم في الهواء  المستقيمات والمنحنيات وما يخطر على بالك من أشكال وما  لا يخطر ، وانظر لها تندق على المنضدة اندقاقاً ، وانظر إلى  عضلات وجهه كيف تنبسط وكيف تنقبض ، وإلى عينه  وحاجبه كيف يضيقان ويتسعان . ومن الناس من لا يكفيه  التفاهم بالأيدى فيستعين بالأرجل توكيداً للكلم المسموع . وقد تتعطل لغة الكلام أصلا عند الانسان، وتحل مكانها  لغة الاشارة لغة العين. تسأل المريض : كيف حالك ؟  فيقطب من وجهه ويمد في شفتيه ، فتعلم أنه سيء الحال . وينظر الرجل إلى المرأة نظرة الطالب ، فترد عليه  بنظرة هي الرفض ، واللسان لم يتحرك والمجرمون في  بعض الأمم الحية لهم لغات كلها إشارية عينية ، تعددت  ألفاظها وكثرت معانيها حتى صارت ترقم وتدون . ولبعض قبائل الهند الغربية لغات بالاشارة أكثر اعتمادهم  عليها. والجيوش تتفاهم من بعيد بالرايات يحركونها

حركات مختلفات ، وبالمرايا يعكسون عليها ضوء الشمس أشكالا ، وكل هذه لغات عينية مدروسة . ولغة الخرس لغة أشكال يرحمونها في الهواء ، فهى لغة مين واللغة الهيروغليفية لغة أشكال فعى لغة عين . بل كل ما كتب في الكتب وحبر في الأوراق ، إنما هو لغة عين برغم اتصاله الوثيق باللغة المرقومة.

ولا يظن أحد أن لغة العين هي دائماً دون لغة الأذن قيمة أو أقل منها في الأداء . فالصورة الزيتية البديعة يرسمها لك الرسام فتحمل إليك من المعانى ما لا تحمله الكلمات . والنظرة الحبيبة تبعث بها إليك النفس الحبيبة فتعجز عن كامل وصفها عباقرة الشعراء . والنكتة على المسرح تسمعها عن المذياع فلا تقع من نفسك موقعها وأنت حاضر المسرح، وكثيراً ما تسمع الضحكات العالية تنطلق في الحاضرين فلا تفهم لها على الأثير معنى لأنها نكتة إشارة انتقلت إليهم بواسطة العين دونك

فهذا في الانسان . أما في الحيوان فلا شك أن الحيوانات لغة كالانسان ، هي لغة أذنية وعينية معا . ولكنها لغة بسيطة بمقدار بساطة تركيب هذه الحيوانات ، او على مقدار بساطة حاجات هذه الحيوانات في الوجود . أو على مقدار ما يجنح إليه هذه الحيوانات من اجتماع فمن الحيوان ما يعيش عيشة انفراد وانعزال لا يعرف السرب والتول والقطيع ، فهذا لا لغة له ، أو لا تكاد تكون له لغة . ومنها ما يعيش أسرابا أثوالا قطعانا ، فهذا له لغة ، لغة اصوات وللغة حركات . وها اتخذت هذه الأسراب والاتوال شكل المجتمعات ، وكان فيها من التعاون نصيب وافر كالذي يكون في المجتمعات ، زادت لغة أفرادها تصنفا واتساعا . ومن هذه الحيوانات النحل والتمل والزنابير . وأذكر أني قرأت قديما بحوثا في لغاتها غاب عني مكانها الآن . فالي فرصة أخري .

اشترك في نشرتنا البريدية