الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 130الرجوع إلى "الثقافة"

لوجه التاريخ :، عبد القادر حمزة باشا

Share

لفقيد مصر والشرق ، والصحافة والأدب ، والعروبة والاسلام ، عبد القادر حمزة باشا ، جوانب وضاءة ، من حق بعضها أن نظهر الكافة عليه .

و(( الثقافة )) إحدى مجلتين ترفعان لواء الثقافة ، فمن حقها أن نخصها ببعض ما نقدر عليه من هذه الدراسات .

عناصر التفوق فيه

وليس بالكشف الجديد تفوق الفقيد فى رعاية المنطق فى كل ما كتب ، وليست هذه الرعاية هى كل ما أعنيه حين أتحدث عنه من ناحية الأدب . فعبد القادر المنطقى عرفه قراء مصر والشرق ، من خلال حياته الصحفية ونضاله السياسى ، بحيث يصبح من تحصيل الحاصل التدليل على وجود موجود ، كشف وعرف ، ثم ذاع واشتهر .

أما الذى أعنيه فإظهار عناصر التفوق المنطقى فى نشأة الفقيد ، واستخدامه هذه العناصر فى دراساته التاريخية والأدبية ، ونتائج هذا الاستخدام من حيث التوفيق الذى أحله محله الرفيع بين رجال الفكر ، والتدليل على هذا كله بالنهج التطبيقى مما كتب ولم يشأ القدر أن يمد له فى الأجل حتى ينشره على الناس .

فما عناصر التفوق فى الرجل من حيث المنطق وقضاياه التى طبقها فساقك إلى الاقتناع بالنتائج التى كان يحصل عليها ، ولو خالفت رأيا لك ، أو ميلا منك ، أو عاطفة فيك .

عندى أن هذه العناصر يمكن ذكرها فيما يلى ، أو يمكن ردها إلى ما يأتى :         أولا - تكوينه الأصلى وما انماز به من السلامة فى

الأعصاب ، ومن التفكير قبل التعبير .

ثانيا - تبكيره بالتفكير العام ، وكان لا يزل طالبا فى القسم الثانوى ، واقتناعه يومئذ بأن بلاده فى حاجة إلى جهود شبابها ، وإقدامه على هدى هذا التفكير للقاء الزعيم الشاب مصطفى كامل ، وإيمانه بعد هذا اللقاء بأن الشباب لا يحول دون الجهاد ، واهتداؤه بالتجارب إلى التوفيق فى النتائج ، كلما اتجه إليها على مهل وعلى ضوء مقدمات بريئة من الأخطاء .

ثالثا - نشأته وأخذه فيها بأسباب الاناقة والنظام .     رابعا - اشتغاله بالمحاماة عن رغبة فيها مما مكن له من كسب القضايا بسلاح الترتيب المنطقى .

خامسا - نجاحه - بسلاح المنطق وحده - فى معارك ما كان يقوى على كسبها حزب كامل ، ونجاحه - بسلاح المنطق وبالعناصر الأربعة الفائتة - فى وضع كتابه التاريخى الأخير .

هذه هى العناصر الخمسة التى ارتفعت بالفقيد إلى مرتبة الحارس لدولة المنطق ، والتى أحلته فى الأذهان محلا أتاح لاسمه أن يقرن - منى ذكر - بفكرة هذه الحراسة أو الزعامة فى الجدل الهادىء الذى يشبع العقل ويرغم العاطفة .

فلنتناول هذه العناصر بالبسط ، لتلمس أثرها فى تكوين الفقيد ، غير ضنينين ببعض الطرائف التى يحب القراء أن يلموا بها فى دراسات العظماء ، والتى اعتبرها أدلة حاسمة فى إثبات هذا الأثر .

العنصر الأول

رجعت فى بحثى موضوع الأعصاب وسلامتها ، والتفكير ومحدوثه ، إلى نشأة الفقيد الأولى ، فتثبت من أمر له وزنه الوراثى ؛ ذلك أن الفقيد كان كثير الحلم ، هادىء الأعصاب سليم التفكير ، حريصا على مظهر الوقار ، متماليا عن المرح الذى يخشى أن يرادف الصغار ، من بداية النشأة ، وفى خلال الفتوة ، وفى أيام التلمذة ؛ فلما تثبت

من هذه الصفات فى تلك السن ، خيل إلى أن للوراثة دورا لابد أن تكون قد لعبته ، فعدت بالبحث إلى ما قبل مولد الفقيد ، فلم يخب ظنى ، وتثبت من أن والده - محمد بك عبد القادر حمزة ، وكان باشكاتبا لمديرية البحيرة - كان له نفس الصفات ، وكان يضرب بحلمه المثل ؛ ولكنه كان يختلف عن الفقيد فى النقيض ، أى فى حالة الغضب إذا غضب ؛ فالفقيد كان إذا غضب غضبة كبرى ، لم يبد لها أثر على صفحة وجهه إلا إذا اعتبرت تلاشى ابتسامته أثرا . أما والده لكان إذا غضب ثار ثورة هائلة . ولما كانت مقتضيات الغضبات لم تجد محلا للظهور إلا بعد اشتغال الفقيد بالنضال السياسى الذى سبقه التفكير فى الصالح العام فيبدو أن كثرة التجارب التى خصته بامتحانها المضنى  وحرج المهمة التى ألقتها الأقدار على عاتقه هى التى راضته على ألا يظهر مايطوى عليه الضلوع من غضبه إلا فى الوقت الملائم ؛ لأن رجلا مثله اختار السياسة عملا له فى بلد محتل ، تتعارض فيه التيارات ، ولا يباح للمواطن فيه غير قدر محدود من الحرية ، لا بد لبلوغ الأهداف من براعة خاصة ، ولاسلاح لهذه البراعة غير إخفاء ما يجدر بالسياسى إخفاؤه . . ويبدو أيضا أن الفقيد لابد أن يكون قد جرب إظهار الغضب فى غير أوانه فلم يوفق ، وجرب إظهاره فى أوانه فوفق ؛ فكان الـ ١ + ١ =٢  على التحقيق والـ ١-١ لا يساوى شيئا على التحقيق ؛ فكان هذا التفكير فيه بداية المشيئه بالقضايا المنطقية .

العنصر الثانى

وقد قلت إن التفكير عنده بدأ فى وقت مبكر ، وأحسب أن قراء (( الأهرام )) الغراء لابد أن يكونوا قد طالعوا الكلمة السريعة التى رقى بها الأستاذ أحمد حافظ عوض بك فقيدنا ، فعرفوا منها كيف ذهب معه - وكانا تلميذين - إلى مصطفى كامل ، ومن هذه الزيارة بدأ الفقيد يزاول الذود عن الصالح العام .

فى هذه الناحية كان القراء يرقبون المزيد من الصحفى الكبير حافظ بك ، بل من مؤرخ (( فتح مصر الحديث )) ، ولا يزال القراء يأملون أن يحدثهم الأستاذ الجليل - أطال الله حياته - حديث عبد القادر حمزة الطالب الذى كان لا يطيب له غير أن يقاسم بعض زملائه كل ما يسخو به والده عليه من نفقات غير قليلة ومن غير النفقات ، وأن يحدثهم الأستاذ الجليل حديث عبد القادر حمرة الوطنى الصغير فى ذلك الحين ، وكيف كان يفكر فى هدوء ويحسن التفكير ، ثم ينفذ فى جرأة الرجل الجسور ، شأن العظيم أو الكبير ، وأن يحدثهم الأستاذ الجليل حديث عبد القادر حمزة فى يسره وفى عسره ، وفى مختلف أدوار حياته السياسية والصحفية ، ليرى الناس حقائق الرجل الذى فقدوه ، وكيف نشأ منطقيا سليم التفكير ، ورجلا يواجه الصعاب بسلامة الأعصاب .

العنصر الثالث

وفى حديث العنصر الثالث - حديث الاناقة والنظام - لا تزال أيضا فى حاجة إلى المزيد من ذكريات حافظ عوض بك ؛ فالذى عرفته من بحوثى أن الفقيد كان فى  صدر شبابه كما ظل طوال حياته أنيقا تناهت إناقته ، ونظاميا محبا للنظام وللنظافة ، وتيد الخطى معتدل القامة جميل الطلعة وقور الحركة ، كان كذلك فتى وشابا ، وكان كذلك طالبا ومحاميا ، وصحفيا وسياسيا . وكان معنيا بوضع كتبه فى أماكنها نظيفة سليمة ، وباختيار ملابسه فى توفيق بين الاناقة والاحتشام ، وبإعطاء الدرس وقته ، والتفكير فى صالح بلاده وقته ، بغير خلط بين هذا وهذا ؛ حتى ليذكر زملاؤه - وخاصة الطالبين اللذين لازماه زمالة وصداقة وإقامة ، إتربى أبو العز (باشا الآن) وأحمد حافظ عوض (بك الآن) - أن الفقيد كان فى الترتيب أول مدرسته فى جميع مراحل دراسته . فحدث مرة أن أعلنت النتيجة فى إحدى سنى دراسة الحقوق فكان الثانى ،

فبكى بحرقة ، وكان بكاؤه لأول مرة فيما يذكر إخوانه . فلماذا بكى ؟

فى الجواب على هذا السؤال دليل جاسم على سلامة النطق عند الفقيد من أيام المدرسة . بكى لأنه بذل جهدا يؤهله لأن يكون - كما كان دائما _ بأول الطلاب ، وأجاب إجابات تؤهلة لان يكون (( الأول )) أيضا ، فإعلانه بأنه الثانى نتيجة ظالمة وغير مستقيمة مع مقدمات استذكاره ومقدمات جهوده .

هكذا قال الطالب عبد القادر حمزة ، فكان منطقيا . . حتى فى بكائه وفى ساعة غضبه ، ولعله أن يكون قد عاد ففكر فى أن البكاء لا يجعل من (( الثانى )) (( أول )) ، ولم يصلح وسيلة لرفع ظلم وقع . . فلم يعد إلى دفع المظالم أو المتاعب بالبكاء أبدا .

وقد أفاده تشبثه بالنظام وبالانافة فى كل أطوار حياته . وسترى فى فصل آخر عن أدبه وسياسته ونتاجه ، كيف أفاد من هذا النظام فى البحث عن المراجع ، والاحتفاظ بالقديم منها نظيفا يرجع إليه فى بهجة ويسر ، وأخيرا فى إدراك النتائج بريئة من الأخطاء .

العنصر الرابع

أما فترة اشتغاله بالمحاماة فقد هيأتها له الأقدار تمهيدا للرسالة وتمكينا له من أدائها . فالمحاماة تقوم على استخلاص النتائج الواضحة من المقدمات الغامضة ، وبين غموض هذه ووضوح تلك ميدان فسيح يصول فيه المحامى النابه ويجول ، لاثبات البراعة ولاظهار المواهب فى كل ما يكتب أو يقول ، وقد صال عبد القادر حمزة وجال ، وهاك بعض البيان :

كانت للفقيد ثلاثة مكاتب : أولها فى الأسكندرية بشارع محطة مصر ، وتاليها فى دمنهور بشارع المديرية ، وثالثها فى إيتاي البارود بشارع المحطة ؛ ولم يكد يمضى عليه فى المحاماة زمن قصير حتى عرف القضاء فى عبد القادر

الشاب محاميا متزنا هادىء الصوت قوى الحجة ، لا يعرف فى دفاعه لغوا ، ولا فى حركاته تهريجا ، وعرفوا أن الاصغاء إلى القدمات التى يبسطها ، والتحليل الذى يأخذ به ، والنتائج التى يخرج بها ، تدع القضية المعقدة وقد انحلت عقدها ، والمشكلة المظلمة وقد غمرها نور . . ونور كثير ؛ ومن هنا بدأت أرباحه القضائية فأرباحه المالية ، حتى قال أقرباؤه : إن دخله كان يحسب بالمئات ولا يعرف العشرات من الجنيهات فى كل شهر .

بيد أن الفقيد اتماز فى المحاماة ميزة كبرى لها أثرها فى بحثنا وراء قوة منطقه .  . تلك هى ما يسمونه فى عالم القضايا  (( المذكرات )) . فكان القضاء إذا أمر بتقديم (( مذكرات )) فى فضية من القضايا الموكل فيها الفقيد ، أجمع المحامون وكل ذى صلة بأصحاب القضية أنها (( مكسوبة )) .. وكان الحكم يحقق دائما ما توقعوه .

وهذه الملاحظة هى دليلنا الحاسم الثانى ، فالفقيد إذا ما خلا إلى نفسه وكتب . . فلا لغو ولا زهو . ولا تهريج ولا ضجيج . . وإنما هو المنطق بأخذ بعضه برقاب بعض ، فى تماسك وسلاسة وإشراق . . وينتهى إلى الغاية فى سهولة وبساطة ووضوح . . ولعل هذا الحادث فى تاريخه يلقى عليك كل الضوء وأنت تدرس منطقه بعد أن أصبح كاتبا ، وواجه النضال السياسى والخصومة الحزبية .

العنصر الخامس

أما العنصر الخامس وهو نجاحه - بسلاح المنطق وحده - فى المعارك التى خاضها ، ونجاحه - بسلاح المنطق ، والعناصر الأربعة التى أشرنا إليها - فى وضع كتابه التاريخى الأخير (( على هامش تاريخ مصر القديم )) ، فأدعه لحلقات بحوثى الآتية :

فإلى لقاء قريب فى ساحة الخلود الفكرى حيث أواصل الحديث من الفقيد الحبيب .

اشترك في نشرتنا البريدية