سيذكر أهل العباسية ليلة منتصف سبتمبر ما نبضت لهم قلوب . وسأذكرها خاصة كأشدهم ذكرا لها . ولا عجب فقد امتحنا تلك الليلة بتجارب الرعب والفزع . وابتلينا برؤية الموت سافرا ، وأحاط بنا جو الظلام والوحشية وكانت القاهرة قد ألفت ان تستيقظ في جوانب متباعدة من الليل على عويل الانذار بالغارات ، متقطعا منذرا بالشر ، ومتصلا مبشرا بالسلام ؛ ثم وقعت غارات الإسكندرية المفجعة ، وترامت بها الأخبار ، فحمل توقع الشر الناس على الآخذ بأسهاب الحذر من اللجوء إلي المخابئ العامة أو المخابئ الخاصة أو الأدوار التحتية ؛ وانقضت الليالي بسلام ، فاطمأنت النفوس ، وتراخت عن الحذر ، ولم تعد الحجرة التي أعددتها لاستقبال سكان بيتنا تستقبل أحدا منهم ، ولبثت خالية بستائرها السوداء الكثيفة ونورها الأزرق الخافت .
فلما كانت الليلة المشئومة ، استيقظت كالعادة بعد منتصف الليل على صفارة الانذار ، ففتحت عيني ولما افق من ذهول النوم ، وظللت ثواني لا افقه معني الصوت المدوي ، ثم أدركت ما هنالك . واستولي علي سخط لذلك النذير الذي يطير النوم عن اجفاننا ويرهف اعصابنا وبتركها فريسة المهاد ما بقي من الليل . ولبثت راقدا لا أحرك ساكنا ، وقد أخذت أسترد شيئا من أفكار اليقظة وأحلام الليل وخواطر يشوبها القلق . . . ثم تناهي إلى مسمعى صوت غريب ، فارهفت السمع ورفعت رأسي عن الوسادة في قلق ، وفي تلك اللحظة جاءني صوت أعرفه وأحبه من الحجرة المجاورة يهتف بي : " ألا تسمع ؟ . . هذا أزيز طائرة نعم وهو ما كنت منه في شك . ونهضت على قدمي ، ودلفت إلى النافذة وفتحت
أدرافها الزجاجية ، فسمع الصوت واضحا متزنا متصلا . . وانتظرت املا أن ينقطع . . أن يغيب في أفق من الآفاق . . ولكنه استمر في عناد بغيض مزهق للنفوس ، حتى خلت أن الطيارة تدور فوق البيت . . وجعلت اقلب ناظري في السماء ، فلا أري شيئا غير النجوم الساهرة . . والأزيز ينبعث من كل مكان ولا يمسك أو يخف أبدا . . وخطر لي ان يكون مصدره طيارات مطاردة ، وقوى الظن عندي سماع الآزيز سريعا عقب انقطاع الصفارة ، وراق لي الظن ، ورجوت - صادقا - أن يصح خبره . . وما عنم ان رن جرس الشقة ، فعلمت ان الجيران اقلقهم ما أقلقني ، وانهم اثروا أخيرا اللجوء إلى حجرة الغارات كما ندعوها ، وهرعت إلى الباب مستأنسا بإلقادمين ، وفتحته فدخل الشيخ سيد مواهب - وهو من ذوي المعاشات - وزوجه ، وحيياني ، ثم قال وهو يأخذ مجلسه المعتاد :
- كأن السماء ملأي بالطائرات فقلت له بلهجة انطوت على الرجاء : - لعلها طائرات المطاردة . فتمتم قائلا : " على الله " وقالت زوجه :
- الشتاء قريب ، ومغادرة البيت في الليل عمل شديد الخطورة ، فينبغي إقناع صاحب البيت بانشاء مخبا في الحديقة
وهممت أن أؤيد رأسها ، ولكن الأزيز اشتد وازداد وضوحا ، فنسيت ما أردت قوله ، وانتقلت إلي مخدعي ، ونظرت خلل النافذة إلى السماء ، فتراءي لي مشهد جديد ؟ رأيت الأنوار الكاشفة تجول في رقعة السماء بسرعة جنونية ، فتتماس وتتلاقي وتتقاطع ؛ فخفق قلبي وايقنت أن ما نسمع من أزيز صادر حتما من طائرات معادية تخبط في سماء القاهرة على هدى او على غير هدى . وقبل أن أتحول عن موقفي أضاء الآفق بنور خاطف وهاج ،
محا ضوء النجوم . . وكنت قرأت كثيرا عن مصابيح المغنسيوم التي تقذفها الطائرات لتهتدي على ضوئها إلي أهدافها ، فلم أشك في أن ما يثير الأفق واحد منها ، وساورني الخوف ، وتساءلت مضطربا : هل نبتلي ما ابتليت به الإسكندرية من قبل ؟ . . ثم سمعت صغيرا غريبا مبحوحا ، أعقبه على الأثر انفجار مروع اهتزت له الأرض وجاوبته الآلواح الزجاجية بطقطقة طويلة ، فجفلت إلي الوراء ، وتوالت الحوادث بسرعة فائقة
فدوي انفجار ثان وثالث ورابع ، وصكت الأذان أصوات غريبة مزعجة ، ثم انطلقت المدافع المضادة بكثرة وسرعة لا يتصورها العقل ، وانقلب الجو الهادئ إلي جحيم من النيران والزلازل والبراكين ، يقلقل النفوس ويكتم الأنفاس . وصرخت السيدة هاتفة : " هلموا إلى المخبأ " . ولكن زوجها هز راسه بعنف ، وقال بصوت متهدج : " بل نلبث حيث نحن داعين الله الرحيم . . الا ترين أن التعرض للجو مجازفة خطيرة ؛ " واطرد انفجار القنابل وانطلاق المدافع ، وجري الجيران نحونا مهطعين ، نساء ورجالا وأطفالا ، وتعالي الصراخ ، وهتف أناس :
" يالطيف . . يا لطيف " وسمعت شخصا يقول وقد رأي ضوء المغنسيوم فأساء فهمه : " لقد أشعلوا النار في العباسية كلها . . وهلكنا جميعا . . وعلى هذا النحو رأيت بعين لا تكاد تميز ما تري الوجوه المفزعة التي هرعت نحونا صارخة . وجاءت أخيرا السيدة التي تقطن الطابق الثالث رافعة طفلها الصغير بين يديها . وارتمت على مقعدها القريب من النافذة وضمته إلى صدرها لتسكن قلبه المذعور ، وهي في مثل حاجته إلي من يسكن قلبها . . ولم نحتمل الصراخ فصحنا بالصارخين ان يمسكوا ، وساد السكون الحجرة ، ولف الصمت المذعورين الذاهلين ، ولبث أشدنا احتمالا لا يتبادلون نظرات الحيرة وكأنهم يتساءلون : أما لهذا الهول من نهاية ؟
وكان بين الحضور سيدة مهاجرة من الإسكندرية ، بلغ بها التأثر مبلغه ، فانتابتها نوبة عصبية غريبة ، فأغربت في الضحك ، ضحكا جنونيا لا معنى له ، وذهبت كل محاولة لتهدئتها عبثا ، وأراد الشيخ مواهب أن يقرأ آية الكرسي ، فبدت نيرانه مرتعشة ، وصوته متهدجا : ومضى يتلو مبدأ الآية : " الله لا إله إلا هو " ولا يزيد ، وكانما انسيها نسيانا تاما ، وأما زوجه كلما احست هزة عنيفة استغاثت طالبة ماء ، فلا تكاد تفرغ كوبا حتى
تطلب آخر . وأسندت رأسي إلي يدي فوجدت راسي ساخنا ملتهبا ، وكان دمي جميعا قد تركز في دماغي . وكان أقصى ما أتمناه ساعتئذ أن تكب القذائف لحظة ريثمها اتمالك أنفاسي المتداركه المضطربة . . وبعد فترة يستحيل تقديرها على وجه صحيح بدات حدة الضرب تخف رويدا رويدا حتى لم نعد نسمع سوى طلقات منفردة هنا وهناك ، ثم ساد السكون . فتنفسنا الصعداء تري هل انتهت الغارة ؟ . . وهل ولت حقا الطائرات المغيرة ؟ . . وأبرز أحد الموجودين ساعته وقال بصوت غريب : " مضي نصف ساعة على سماع الانذار . . " نصف ساعة ! . . ونظرت
نحوه بحنق وموجدة . . رجوت والله أن يقول بضع ساعات . . وان الصبح أسفر أو كاد . نصف ساعة فقط ! كل هذا الدهر ثلاثون دقيقة . . تبا له ! ونظرت فيما حولى فإذا الجميع ملازمون أما كنهم والسيدة ما تزال محتضنة طفلها . ولكن لم يطل اطمئناننا ، فانطلقت قذيفة مدفع قريب ، اعقبتها طلقات اخرى شديدة ؛ فار تجفت القلوب مرة اخرى ، وايقنا ان الموت ما يزال محلقا فوق رءوسنا . وان طمأنينتنا وهم باطل . وفجأة اضاء الجو بذاك النور الوهاج الخاطف ، ونفذ إلى الحجرة كأنما حيطانها وستائرها السوداء من زجاج شفاف ، ومحا نور المصباح الآزرق الخافت . فلاح الهلع في الوجوه وارتسمت في الآعين نظرة تنذر بالهلاك ، وسمع الصفير
المبحوح هابطا تلاه انفجار شديد دكت له الدنيا دكا وزلزلت زلزلا . وأحدث أصواتا عنيفة في كل مكان . لعل أخفها وأهونها تكسر الزجاج خلف الستائر ، وسرت في بنيان البيت رعدة ، انتقلت منه إلى النفوس ، فضجت الحجرة بالصراخ ، ونهض الشيخ مواهب فزعا دافعا يديه ، كانما ليدفع بهما سقف الحجرة وصاح لاهثا : سقط البيت... سقط البيت . واختلط على الأمر
فلم أدر أتصدع البيت حقا أم ما يزال قائما . ولكني سمعت صفيرا جديدا خلته أدنى إلينا ، وقبل أن تبلغ القذيفة هدفها طقطقت ادراف النوافذ بشدة ، ولطمتني موجة هواء عنيفة كتمت على اثرها انفاسي ، فأحسست اختناقا ، ثم هزة قاسية وانفجارا يصم الأذان ويمزق شقاف القلوب ، فما ادري إلا والأرض تصدم وجهي ، وزكمت أنفي رائحة البارود الكريهة ، فاستولي على القنوط ، ودخلني مع القنوط استسلام غريب لا عهد لي
به . بل استهانة سافرة ، وقلت لنفسي فلتأت النهاية ، ولتأت سريعا . . ولبثت دهرا لا أدري كيف مر ، وقد ساد الصمت فداخلي شك في أني ما ازال على قيد الحياة ، أو أني على الأقل ما أزال سالما ورفعت رأسي قليلا ، لم اشعر بألم قط ، ولكن ليس معنى هذا اني معافى ، فأنا أعرف أن الأصابات الشديدة البالغة لا تحس الضحايا آلامها وقت حدوثها . ورغبت ان احرك أعضائي ، وان أمر بيدي على جسمي ، ولكن لم تسعفني شجاعتي ، وأشفقت من أن افتقد عضوا فلا أجده ، أو أن تغوص
أصابعي في السائل الساخن الذي يمسك علينا الحياة . . ولبثت ساكنا حتى يقضي القدر بما هو قاض ، ومن الوقت في صمت رهيب ، فلا صراخ ولاكلام ولا انفجار . وعاودني الالم ولواحقه من الخوف والقلق . . هل امني النفس بانقشاع سحابة الهلاك ؟ . . أم تسقط علينا الشهب من جديد ويعقبها صفير الموت ؟ . . ومر الوقت ثقيلا - وعلى حين غرة انطلقت صفارة الأمان . .
رباه . إنه شئ لا يصدق . . ما أحلاها . . ما أجمل ترتيلها . . ما اعذب سجعها . وصاح الشيخ مواهب : " صلوا على النبي " ، فصلينا من الاعماق ، حتى جارنا انيس منقريوس هتف بحرارة : " اللهم صل عليك يا محمد " وحركت أعضائي فتحركت ، ونهضت قائما لا أكاد أصدق . . رباه إنها الحياة تدب في من جديد ، إنه البعث من غير جدال ، فوالله ما عرفت قيمة الحياة كما ،
عرفتها في تلك اللحظة . . ولا لذتها ولا سعادتها ، وفاض قلبي بفرح سماوي ، طربت له اعصابي جميعا واندفع الناس في الثرثرة بغير حساب . لولا أن قطع علينا فرحنا سماع صرخة أليمة . فأمسكنا وتحولنا نحو مصدرها متطلعين ، فاذا بالسيدة تحتضن طفلها وتنظر إليه جزعة وتصيح : " اغيثوني . . اغيثوني . . انظروا إلي رأسه " . ودنوت منها ونظرت مع الناظرين ، فرأيت في وسط الراس فجوة مروعة يتدفق منها الدم كالنافورة ،
ويسيل علي حجرها احمر فانيا . فجنت المرأة جنونا ، وجعلت تلتدم وتشد شعر رأسها بوحشية . وركض شاب يدعو الأسعاف . ولكن الشيخ مواهب اقترب مني وهمس في أذني بصوت حزين : " وا أسفاه ! ليس ثمة فائدة ترجي من استدعاء الاسماف . . ولكني اعجب كيف أصيب الطفل المسكين " . . فلم تتحول عيناي عن رأس الطفل ، وقد لقني الخوف ورانت على صدري الكابة . وتساءلت متحيرا : كيف قتل الطفل ؟
لا شك أن شظية اخترقت النافذة أو الحائط واستقرت في رأسه ، وقد كان أبنا عرضة لهذا المصير المخيف ولكنها اختارت الطفل وثكلت امه التاعسة التى ما برحت تضمه إلى قلبها وتأبي أن تصدق انه مات . . وهكذا انتهت الغارة في مخبئنا الخاص . لقد كانت تلك الليلة تجربة قاسية ، ابتليت بها قلوبنا ومشاعرنا ، وكان ختامها مأساة تلك الأم التى ذبح وحيدها في حجرها . .

