الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 126الرجوع إلى "الثقافة"

ليلة سعيدة . . .، وذكرى حزينة !

Share

فى ليلة ساهرة باهرة ، مشرقة كليالى الرشيد ، ماجنة كأمسيات باريس فى ظلال حريتها الشهيدة . . .

هى ليلة (( مبرة محمد على )) منذ عامين ، بالسراى الكبرى بالجمعية الزراعية الملكية بالجزيرة العامرة . . . فى إيوان فنان ، يركن من المهرجان ، عشنا كما عاش أمراء (( ألف ليلة )) ليلة واحده .

كانت على باب الايوان سيدتان من عيون الفئة الرفيعة ، فى ثياب السهرة الهفهافة الفضفاضة ، فى يد كل منهما طبق من النحاس المنمق ، تمده إلى الداخل إلى الايوان والخارج منه ، تقتضيهما شيئا من الفضة فى سبيل

الخير ، والداخل والخارج يملآنه لوجه السنا والجمال !        وكانت الطنافس الشرقية الوثيرة الناعمة ممدودة حول الايوان ، والثريات الشرقية المتلألئة البلور تملأ الجو بهاء ورواء ، وعطور (( السوار دى بارى )) و(( السكندال )) و(( البورجوا )) و(( الفلور دامور )) تمتزج بأريج بخور الشرق المحترق فى الأباريق ، فتنشر فى جو الايوان نفحة من عبير الفردوس .

وغوانى القاهرة وربات مجتمعاتها وصالوناتها ، ووجوه القوم من شيب وشبان ، مستغرقون فى الطنافس استغراق الناسك فى عبادة الله ، والشيطان فى عصيانه .

وكانت فئة من زهرات المجتمع الحسناوات ، من ذوات العيون السود والمعسولة والزرق والشهب ، والفروع السوداء والكستنائية والذهبية ، فى ثياب الجوارى فى عصر الرشيد ، يدرن بأقداح القهوة فى رشاقة وفتنة على الحاضرات والحاضرين .

وكانت الحلقة التى تتوسط الايوان حافلة بأهل

الموسيقا والطرب ، وقد افتنوا بدورهم فى التزيى بأزياء الشرق المختلفة ، وبين طارف وتليد ، وبين عراقى وعربى ، وسورى ولبنانى ، ومصرى صعيدى ومصرى بلدى ؛ فكانت العيون فى أحلام ، والأحلام فى غيبوية من غفوات الجنة الموعودة .

وغنى من غنى ، ورقص من رقص ، وعزف من عزف ؛ فما أخذ بألباب القوم غير شاب وسيم المحيا ، تركى السمات ، مشرق الوجه ، حلو الابتسامة ، فيه شباب ورقة وجمال ، وفيه أمارات الأصل الكريم والدم العريق ؛ وهو لم يزل بعد فى نحو ربيعه العشرين . غنى . . . فكان فى صوته سحر وعذوبة وإبداع وحنان ، وكانت فى صوته غنة حلوة استلبت أفئدة الرجال والنساء ؛ فراح الجمع يتهامس : من يكون هذا الشاب المشرق الوضئ ذو الصوت البلبلى الساحر ؟ !

وكان الجالس إلى جانبى رجل عظيم ، له باع طويل فى العلم والأدب والسياسة والفن ، هو حضرة صاحب المعالى حسن صادق باشا وزير الدفاع ، وكان يومئذ وكيلا لوزارة المالية ، فسألنى : من يكون هذا الشاب ، فانه يبدو عليه مظهر أهل الفن كما نعرفهم ؟  فقلت لمعاليه : إنه (( أحمد الهمشرى ؟ الطالب بمدرسة المنصورة الثانوية ، وهو ابن المرحوم عثمان بك الهمشرى من وجوه القوم فى السنبلاوين .

فسألنى معاليه : ترى أيكون ذا قرابة من شاعر الشباب الفقيد ، المرحوم م .ع . الهمشرى ؟ قلت : إنه أخوه الشقيق !

فأثار معاليه كامن الشجن بما أثار من حديث عن شعر صديقى الحبيب ، م . ع . الهمشرى ، فقد كان رحمه الله رفيق طفولتى وصباى وشبابى على ضفاف المنصورة الحسناء ، وهو الذى قلت فى رثائه :

يا رفيق الصبا ، وهيهات أنسى

                     الليالى المخلدات الصفاء

يوم كان الزمان كالزهر فى الفج

                       ر ، وكنا عليه كالأنداء

يوم كنا نموج الماء ضحكا

                    فى ضفاف المنصورة الحسناء

لم نكن نعرف التواريخ إلا       من وعود الحسان عند الوفاء

      ومنها :

كنت ألقاك والحياة تجافيــ         نى ، وإعصارها يهد بنائى

فإذا ما سمعت ضحكتك العذ     بة أحببت بعدها أعدائى

وتمشى السلام فى جو نفس

                 وتطهرت من طويل عنائى

وقرأت الحياة فيك كتابا       شاعرى الآمال والآلاء

وشبابا هو الربيع الموشى      برقيق المنى وعذب الرجاء

حين تبدو و عروة الصدر فى ثو

                      بك تزهو بالوردة الحمراء

واحمرار الحياة يشعل خديـ   ك ونور الشباب فى لألاء

تطأ اليأس باعتداد الأمانى     وتذل الزمان بالكبرياء

وتغنى وتنهب العيش نهبا     شأن من ألهم اقتراب الفناء

    وكانت نهايتها :

ها أنا عدت للجزيرة وحدى

                   أتملاك خلف تلك المرائى

ومضت قبضتى تصافح يمنا

                    ك ، فصافحت قبضة من هواء

وتلفت باحثا عن أمانيـ

               ك ، فلم تهدنى سوى الأشلاء

غير أنى أراك فى شعرك الخا      لد روحا يهيم بالاسراء

وأرى طيفك المغرد بين ال      زهر والطير والربى والماء

فأقول : الخلود لله ، والل       ه يريد الخلود للشعراء !

                              ***

كان أحمد (( الهمشرى )) شقيق شاعرنا ، أنموذجا بارعا من نماذج جمال الرجولة ووسامة الشباب ؛ ميزه الله بفتنة أخاذة ، فكانت قلوب الفتيات فى (( رأس البر )) تخفق له فى كل صيف . وكان فى صوته حنان يجتذب فؤاد الفنان محمد عبد الوهاب ، الذى طالما دعاه وأولم له ليسعد بسماع غنائه .

وكان فوق ذلك رياضيا فذا ، دائم الفوز فى مباريات السباحة الصيفية بين رأس البر وفارسكور .

وكان فوق ذلك متأدبا ذكيا فطنا ، يحفظ الشعر ويرويه .

ما رأيت (( أحمد الهمشرى )) منذ تلك الليلة ، حتى طوح فى القدر إلى تلك المصحة الجافية النائية التى يحتضنها الجبل الأحمر بأطراف العباسية لأقضى هناك أكثر العام ، والتى قلت فيها :

أواه من عزلة كالسجن ، مغلقة

                    على جراح   وآلام   وأرزاء

ما هذه الجثث الملقاة فى سرر

                    أنصاف موتى على أنصاف أحياء

صفر الوجوه ، كأن السقم عفرهم

                    بحفنة من تراب القبر صفراء

للآه فيهم تراتيل منغمة

              تنساب من قصبات نصف خرساء

وما لهم من نهار فيه مرحمة

                      وما لهم ليلة ليست بليلاء

من يا ممرضتى الحسناء قدر لى

                 أن ألتقيك بأرض غير حسناء ؟

ماذا أتى بى هنا ؟ ما خطب عافيتى ؟

                    وكيف غال شبابى غائل الداء ؟

قد كان لى موعد فى الصيف مرتقب

                        على الشواطئ بين (( الرمل )) والماء

فما لذا الصيف يمضى بى على جبل

                        جهنمى اللظى فى جوف صحراء ؟

وأنت ؟ هل عطفك المبقى على رمقى

                           عطف المحبين ، أم عطف الأطباء ؟

إن كان ذاك ، فيا سعدى ويا فرحى

                            أو كان هذا ، فانى فى الأذلاء !

كانت (( ممرضتى الحسناء )) عزاء جميلا فى هذه العزلة الجافية ، كأنها زهرة (( الكامليا )) المائية ، عثر بها تائه فى صحراء جرداء .

وكانت لها ابتسامة حلوة لا تبرح شفتيها ، حتى كأنها مطبوعة عليهما .

بيد أنها طالعتنى ذات صباح ، ومحياها خلو من ابتسامته ، وقد تساقطت من عينيها على وجنتيها قطرات كقطرات الندى على أوراق الورد .

وعبرت أمامى متعجلة ، ثم اتجهت إلى النافذة تطل منها ؛ فتحاملت على نفسى وتبعتها ، وأطلت أتأمل ما تتأمل ؛ فإذا جثة مسجاة فى ملاءة بيضاء ، محمولة إلى غرفة المونى .

سألتها : من يكون ؟ فأجابت فى صوت حزين خفيض :     - أحمد الهمشرى . . . !

يا رحمتاه لهذه النجيبة التعسة الثاوية فى صومعة حزنها بالسنبلاوين . لقد فقدت فلذتى كبدها فى عام وبعض العام .        وأى فلذتين . . . ؟

اشترك في نشرتنا البريدية