الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 314الرجوع إلى "الرسالة"

مدينة قونية، (يا حاضرة مولانا)

Share

(بقية ما نشر فى العدد الماضى)

من عجائب الآثار وبدائع الصنعة مدرسة إينجه منارة (مدرسة  المنارة اللطيفة)  وأنا أعفى القارئ من وصفها وأكتف بما تنطق به  الصورتان المثبتتان هنا

ولا يسعنا أن نغفل جامع صاحب عطا  (صاحب آتا)  بناه  أحد وزراء السلاجقة الكبار فخر الدين على بن الحسين بن أبى بكر  المتوفى سنة ٦٨٤، وقبره فى إيوان داخل المسجد ومعه خمسة  قبور. وتدل الكتابة على مدخل الإيوان أنه بنى فى مفتتح المحرم  سنة ٦٨٢

وفى أطراف المدينة على مقربة من المزارع جامع صغر فيه قبر  العالم الكبير صدر الدين القونوى المتوفى سنة ٦٧١؛ وكان من  الأساتيذ فى علوم الدين والتصوف. وكان واسطة بين الشيخ  الأكبر محى الدين ومولانا جلال الدين. تزوج محى الدين أمه  ورباه وعنه أخذ جلال الدين فيما يقال. وله مؤلفات فى التفسير  والحديث والتصوف

ذهبت إليه وحيداً قبيل الغروب فما زلت أسأل حتى اهتديت  إليه فألفيته مقفلاً فسرت قليلاً وعدت فإذا رجلان جالسان بجانب  الباب أحدهما ضرير: فلما اقترب المغرب قلت: ألا يفتح المسجد؟  ففتحا الباب فدخلنا إلى مسجد صغير عطل من جمال الصنعة  والزينة فتقدم أحد الرجلين فألقى قبعته ووضع العمامة فعرفت أنه  الإمام، وتقد الآخر وعلى رأسه (كاسكت)  فأداره وأقام الصلاة  فصلينا المغرب وحدنا. وسألت عن ضريح صدر الدين فأشير إلى  نافذة تطل إلى الحديقة صغيرة فنظرت فإذا قبر بجانب النافذة فوقه  عريش من الكرم وبجانبه أشجار

ولم تقر نفسي دون أن أرى مثوى الصوفى العجيب الغريب  الذي اتصل بجلال الدين فحوله من الدرس إلى الخلوة، ومن أستاذ  درس إلى مريد طريقة، الرجل الذي أثار حوله الظنون والأيدى  حتى قتل فى إحدى الثورات عليه، فما زال جلال الدين يشيد  بذكره ويهيج به فى شعره حتى سمى ديوانه الكبير باسمه. ذلكم  شمس تبريزى (شمس الدين محمد بن على التبريزى) الذى يقول فيه  جلال وما أكثر ما قال فيه:

نه من تنها سرايم شمس دين وشمس دين ...  مى سرايد عندليب أزباغ وكبك أزكو هسار باسمه الوُرْق والعنادل تشدو ...  لست وحدى أنوح: (شمس الدين)

عزمت على زيارته فقيل إن المزار مغلق لا يفتح لأحد.  فاكتفيت بمشاهدة البناء على بعد. ثم لجّ بى التطلع فسرت إليه

ليلاً فجارت بى طرق متعرجة ضيقة فرجعت آسفاً وأعجلنى السفر  المبكر عن المسير صبحاً، وإن قدر لى الرجوع إلى قونية كانت  زيارة شمس الدين أول ما أفعل

-  ٤ -

وقونية مدينة كبيرة فى ولاية واسعة تسمى باسمها، وهى على  حافة صحراء كبيرة يمر بها نهر صغير ينتهي إلى بحيرة  غربيها. وهى على ٤٥٠ كيلاً من استنبول إلى الجنوب  الشرقى منها ويتصل بها سهل خصب جداً تكثر  خيراته إذا أصابه مطر جود، لأن نهرها وينابيعها  لا تفى بإروائها. وصناعة النسيج بها رائجة

وهى كثيرة المساجد بها زهاء ١٥٠ مسجداً  و٥٠ جامعاً. وأهلها معروفون بالدين والتقوى

وبها كثير من آثار السلجوقيين إذ كانت حاضرة  دولتهم فى آسيا الصغرى

وهى مدينة قديمة عرفت أيام اليونان والرومان.  ومن الأساطير التى تروى أن تنّيناً سلط عليها فكان  يبلع النساء والصبايا حتى قتله برسبوس بن جوبيتر    (المشترى)  فوضع أهلها على أحد أبوابها تمثالاً لهذا  البطل الذي نجاهم من التنين فسميت المدينة ايكونيوم  أخذاً من كلمة ايقون أى الصنم أو التمثال

إذا وقف الإنسان على ربوة علاء الدين رأى  أمامه ميداناً كبيراً فيه أنصاب حديثة للجمهورية  التركية، وأبنية ومساجد، وينتهى النظر إلى قبة مولانا  جلال الدين تبدو من وراء الأبنية وبها شوارع مديدة  واسعة. منها الجادة التى تمتد من الربوة إلى المحطة وفيها تمثال عظيم  للغازى ويرجى لها مستقبل عظيم. ولا ريب أنها كانت أيام السلاجقة  أعظم عمراناً وأكثر سكاناً

وقد زارها ابن بطوطة بعد زوال دولة السلاجقة واستيلاء  أمراء بنى قرمان عليها فقال:

(مدينة عظيمة حسنة العمارة كثيرة المياه والأنهار والبساتين  والفواكه وبها المشمش المسمى بقمر الدين - وقد تقدم ذكره -  ويحمل منها أيضاً إلى ديار مصر والشام. وشوارعها متسعة جداً  وأسواقها بديعة الترتيب. وأهل كل صناعة على حدة. ويقال  إن هذه المدينة من بناء الاسكندر، وهى من بلاد السلطان  بدر الدين بن قرمان وقد تغلب عليها صاحب العراق فى بعض

الأوقات لقربها من بلاده التى بهذا الإقليم

نزلنا منها بزاوية قاضيها ويعرف بابن قلم شاه، وهو من الفتيان  وزاويته من أعظم الزوايا. وله طائفة كبيرة من التلاميذ ولهم  فى الفتوّة سند يتصل إلى أمير المؤمنين علي بن أبى طالب عليه   السلام. ولباسها عندهم السراويل كما تلبس الصوفية الخرفة

وكان صنيع هذا القاضى فى إكرامنا وضيافتنا أعظم من صنيع  من قبله وأجمل، وبعث ولده عوضاً عنه لدخول الحمّام معنا

وبهذه المدينة تربة الشيخ الإمام الصالح القطب جلال الدين  المعروف بمولانا وكان كبير القدر. وبأرض الروم طائفة ينتمون  إليه ويعرفون باسمه فيقال لهم الجلالية كما تعرف الأحمدية بالعراق،  والحيدرية بخراسان. وعلى تربته زاوية عظيمة فيها الطعام  للوارد والصادر)

ولا أنس مسيرى فى قونية ليلة الوداع وانتحائى منتدى  قرب المحطة وجلوسى تحت أشجار هناك إلى نافورة كأن وسوستها  فى صمت المكان مناجاة أو حديث النفس

وبيننا يجول الفكر فى مشاهد قونية وتاريخها، ويطير بيني  وبين الوطن والأهل فى لمحات، انبعث المذياع مبلغاً رسالة مصر  كأنها جواب النجوى. ولست أدرى أعرف صاحب المنتدى  أنى مصرى فآنسنى، أو كان اتفاقاً أجاب حديث الضمير. وكثيراً  ما سمعت فى استنبول وقونية صوت مصر، لا سيما حين  تلاوة القرآن

اشترك في نشرتنا البريدية