أفواج عديدة من الرمل تتململ شيئاً فشيئاً، فوجاً بعد فوج، وتتحدث في أواخر الغلس
- الظلام يولي، هارباً، وعمود الفجر يكاد ينشق، عما قليل تشرق الشمس فلا يلبث قرصها أن ينقلب أتوناً يُصلينا نار السعير.
- سيان لدينا الليل والنهار. كل يوم ننتظر من الظلام عذوبةً تحت أنوار الكواكب الواهية. ولكن حرارة الشمس تظلُ مستودعة في كياننا فنلبث في اتقادٍ واضطرام يوماً بعد يوم، وليلةً بعد ليلة.
- إنما جعلتنا الأقدار متحاذيات متلاصقات لنفرش هذه الأرض ونكون منها الصدأة المحترقة. يتهموننا بأن لمسنا يشوي اليد والقدم شياً، ولكن ألسنا نعاني في كياننا المقدور علينا من عذاب السعير؟ وددتُ لو أن لي دمعاً أذرفهُ من فرط السآمة والحنق والألم!
- طالما شهدنا الخلائق تهبط علينا وقد أضناها التعب والوصب، فنفق الحيوان على صدرنا، ومات الإنسان بين يدينا، ووجد كل منها عندنا ملجأ طبيعياً يتلقاهما ويضمهما إليه. ونحن الجائعات الظامئات المتعبات على الدوام، ليس لنا من يرثي لحالنا ويسعفنا. نحن التائقات إلى التفلت من حالتنا الراهنة، ليس لنا أن نمضي في علو ما ونهبط في مستقر غير هذا. واتعبي من هذا الوجود القاحل في ديمومة السكوت والجمود!
- أو لا تتحركين وتنتقلين عند ما تطوك سنابك الخيل وأخفاف البعير أقدام الانسان ، لدن مرور هاتيك القوافل التي ما فتئت تطوينا منذ أن كان الدهر وليداً ؟
- ليست هذه هي الحركة التي ننشد. إن شوقاً عميقاً فينا يتلهف على حركة من نوع آخر.
- كم من حركةٍ مفاجئة خبرتُ عندما عصفت بي السموم في النهار أو الحرور في الليل! زعازع وأنواء انتزعتني في عنفٍ من مقري إلى مقرٍ آخر، فما كنت منتقلةً إلا من الرمضاء إلى الرمضاء حيث السعيرُ دائمٌ والأوارُ مقيم!
- وأنا تلقفتني العواصف غير مرة. فحطت بي يوماً عند ساحل البحر فامتزجتُ بالماء ورسبتُ في القعر. وأغفلني هناك زمناً الدهرُ الوسنان. ثم قذفت بي الأمواج على الشاطئ، فتناولتني الزوبعة الهوجاء، وردتني إلى مستقري في هذه البطحاء!
- وأنا كم حدت بي الريح إلى حيث الينابيع تتفجر والمياه تجري! إلى حيث الأرض كريمة والأشجار ظليلة، وقد نورت الأزهار هنا وهناك وهنالك على صفحة الروض،وتشابكت الرياحين بمثيلاتها من شذى النباتات فعبق الهواء بأريج العطور!. .
- لا تذكرَن الماء والعطر والظلال لرمال شقية قضى عليها بالمحل والاضطرام والصدى، لا ترهفن فينا أشواقاً تأبى التحقيق!
- أتوق إلى الذوبان في سائلٍ ما، ولو كان ذاياك السائل القاني الذي رأيناه أحياناً على جسد الإنسان أو الحيوان! ولكننا غير قابلات للجرح الذي يغسل قحلنا بنجيع الدماء، ولن نكون يوماً قمينات بابتسامة الحياة وعذوبة الحنان. قضى علينا بأن نكون دوماً في حكم الموتى، وقد حرمنا نعماً يجنيها غيرنا في جنة الأرض.
- أنكون في حكم الموتى ونحن نشتاق ونتعذب؟ ألا ليت كل قافلة عابرةٍ تسير بي إلى حيث ينيخ الركبُ! حيث الخيمة المضيافة والناس يضرمون النار ويأكلون، وينهلون الماء ويرتوون! وا حنيني إلى هناء المضارب! وا حنيني إلى كيانٍ قابل للريّ والارتواء!
- لو كان لي أن أرجو الوصول يوماً إلى تلك الحالة الراغدة لأعانني الرجاء على الاحتمال، وكان لي منه العزاء والسلوى! ولكننا في هذه البطاح الصماء البكماء، إنما وجدنا لنقطع كل صلةٍ بين الحياة والحياة!
- ويك! ماذا تقولين، نحن قاحلات جائعات ظامئآت مشتاقات، ولكننا وجدنا لنكون صلة بين الحياة ولباب الحياة!
- أولا ترين الفجر يتلألأ في الأفق سنياً؟ غبار دقيق من النور يتناثر حولي، كأنه سحيق من الذهب والبلور. هذا يوم عيد.
- لولا هذا اليوم وما ميّزهُ بين الأيام، ما كانت تلك القوافل العديدة، قوافل الحجاج التي نراها منذ قرون وقرون ذاهبةً آئبةً.
- لقد شهدتُ القوافل ذاهبةً آثبةً منذ أن خرجت على الصحراء رملاً، وتعرفت قوافل العرب الرحل وقوافل الغزاة والمحاربين والشعراء والعاشقين. وكم من حداء سمعتُ!
- تلك القوافل تعددت ألوفاً وألوف الألوف منذ أربعة عشر قرناً، وتبدل الغرض من ترحالها منذ أن انبثق من سويداء قلب الصحراء جحفل النصر العظيم. فصارت القوافل قوافل الذكرى والعبادة والسلام، تقبل علينا في عجاجة وردية من قصيّ الابعاد حيث يخيل ان الآفاق تتحرك، وتغادرنا في عجاجةٍ وردية لتتوارى وراء الآفاق التي تحنو على وديعتها الفريدة الغالية.
- أعرف تلك الوديعة، فقد ساقتني إليها الريح مرة! هناك مثوى ذاك الذي عرف الصحراء يلقي في أرواح الشعوب روحاً حيةً خالدة.
- فتى الصحراء! فتى الصحراء الذي اصطفاه ربهُ ليحمل الكتاب. فهجر دياره، وسلاحه كتاب فغزا به العالمين!
- الفاتح الذي لا يشبهه فاتح! إنه لم يغزُ البلدان والأمصار وكفى، بل غزا القلوب بسره، وفتح النفوس بسحره، يوم خروجه من الديار هو بدء تاريخ الهجرة. وها الناس على توالي القرون، وقد هاموا بجاذبيته النورانية، يهجرون ديارهم وخيراتهم ويقتحمون المفاوز والأخطار ليحجوا إلى البقعة الصغيرة العظيمة التي تجمع عندها معنى الديار والأوطان، وتركزت فيها ثقة اليقين وانبعث منها نور الإيمان!
- سيد الغزاة والفاتحين! إنه فتانا، فتى الرمضاء وفتى
الرمال! إنه جاء بمعجزة المعجزات فأخرج الخصب الخصيب من ديار القحط والجدب!
- فتى الصحراء العجيب، ذو العينين الدعجاوين حيث أودعت السماء نطفة الضياء! إن ذكراه لممتزجة بذكرانا!
- نحن الرمال لم يكن وجودنا عبثاً كما زعمنا في أجلنا المديد الأليم! نحن الجامدات، كنا مبعث الحركة والحياة! نحن القاحلات، كنا وما زلنا سبيل الهجرة الخصيبة.
أشرقت الشمس - شمس اليوم الأول من العام الهجري. من الرمضاء تتصاعد أشباح أثيرية تدور رشيقةً في نور النهار الجديد. وقد أصبحت أفواج الرمال القريبة والبعيدة كلها جوقة واحدة تنشد:
نحن الرمال القاحلة،
لا خصب يوازي خصبنا!
نحن الرمال الجامدة
هل من حياةٍ كحياتنا؟

