الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 173الرجوع إلى "الثقافة"

مشاكل السكان :، النسل والطبقات

Share

كنت أحسب أني ساكتفي بما تفضلت بنشره مجلة " الثقافة " القراء ، متعلقا بموضوع النسل . ولكن مقال الأستاذ ) إسماعيل مظهر بعدد الأهرام الصادر في ١٩١٢/١/١٠ قد فتح بابا جديدا للبحث في الموضوع نفسه . ولقد أحسست عند قراءة هذا المقال بإحساس غريب ، هو مزيج من الفخر والفرح والالم في وقت واحد . واحست إلي جانب ذلك بضرورة إجابة هذه الدعوة

الصادقة المثيرة التي يدعو إليها الأستاذ مظهر بك . وهي معالجة هذه الحالة الاجتماعية الناشئة من اندفاع الطبقة الفقيرة في ) إكثار نسلها وعددها . وغلو الطبقة العالية الغنية في تقليل نسلها وحفظ ثروتها . وما يستتبع ذلك من تسلسل الثروة وتقسيمها بين الطبقة الدنيا . واحتفاظ الطبقة العالية بثروتها كاملة . وما يترتب على ذلك من اتساع الفجوة بين الطبقتين

هذه هي الحقيقة الهائلة التى يضعها أمامنا الأستاذ مظهر في مقاله " حصاد المدنيه ، وهي حقيقة مخوفة مروعة حقا ، كان على رجال الاقتصاد أو رجال الاجتماع أو هما معا أن يبادروا قبل اليوم بزمن بعيد إلي حالها ومعالجتها ؛ فإن من أخطر الأمور على هذه الأمة أن نترك أفرار الطبقة الفقيرة الجاهلة يتناسلون كالآرانب ، حتى ليكاد عددهم يغطي على كل طبقة سواهم ، بل اصبحوا في الواقع سواد الأمة وغالبيتها . وإن كان مما يسر - ولعل ذلك يخالف رأي الأستاذ مظهر - أن يفهم بعض المتعلمين حقيقة لها قيمتها ، وهي أن العبرة في الذرية بالكيف لا بالكم . فالإثراء أو المتعلمون بالأحري قد قاموا

بواجبهم ، فعلينا ان نبين للفريق الآخر واجبه حيال نفسه ، وحيال ذريته ، وحيال أمته . وليكن مبدؤنا في تقريب الشقة بين الطبقتين أن نأخذ بيد الطبقة الفقيرة إلي مصاب الطبقة الغنية ، لا أن نأسر الطبقة الغنية علي النزول إلي الطبقة الفقيرة .

إنما إذا فهمنا فكرة الزواج على أساس أنه اقتران شخصين لانتاج شخص ثالث أكثر سعادة وأكثر حظا ، كما يقول نيقشه كان علينا أن نفكر قبل الزواج أو قبل الإقدام على النسل فيها يجب إعداده لهذا الطفل القادم الذي يحمل له الحب والاعزاز ، فإن كان ما أعددناه كافيا لسعادته سمحنا له بالخروج إلي الحياة ، وإلا وفرنا عليه وعلى أنفسنا الكد والتعب . وهكذا يجب أن يكون تفكيرنا منطقيا عمليا ، لا عاطفيا

انتقل إلي الحلول التي تكفل لنا بر السلام ، ذلك البر الذي ينشده الأستاذ مظهر بك ، ويناشد الجميع لإيجاد الطرق الموصلة إليه ، وإن أري ان ذلك لا يكون إلا عن طريقين :

الأول : طريق تشريعي ، أي بتدخل الحكومة في مسائل الزواج والنسل ، ويكون ذلك بالوسائل الآتية : ١ - تأخير سن الزواج : أي برفع الأسنان التي يسمح فيها للفتي او الفتاة بالزواج ، وبذلك تضيق الفترة المخصصة للتناسل والزيادة . وهذا التشريع ضروري ، لأن سن السادسة عشرة للفتاة والثامنة عشرة للفتي اسنان فجة ، يستحيل فيها نضح الزوجين جسميا أو ماديا . والحاصل

فضلا أن لا يقدم على الزواج في هذه السن المبكرة إلا البسطاء والسذج ، فإذا علمنا ان الزواج في سن متأخرة يكون دائما انجح وأكثر توفيقا منه في السن المبكرة ، وان الذرية تكون أقدر وأقوى على الحياة ، علمنا مقدار الفائدة التى يجنيها من وراء هذا التشريع . والغريب أن القانون

لا يسمح للرجل بمزاولة التجارة قبل سن الحادية والعشرين بينها يسمح له بالزواج في سن الثامنة عشرة ، كأن تدبير الأسرة وبناءها أسهل أو أيسر من مزاولة التجارة وإدارتها ! منطق شاذ ولا شك ، لأني سمعت أن أحد الملوك كان يقول إن سياسة المرأة أصعب بكثير من سياسة المملكة

٢ - تحريم التثنية في الزواج : أي عدم السماح للرجل بأن يجمع بين امراتين او اكثر . ولعل هذه العادة قد أنقرضت تماما في اوساط المتعلمين والمثقفين ، وإن كانت لا تزال باقية في اوساط الدهماء والبسطاء ، وبالأسف ان عددهم كثير . ولقد طالما سبب الزواج المتعدد مشاكل اجتماعية واخلاقية كثيرة ، فوق أنه فجوة واسعة يتدفق خلالها النسل بإندفاع .

٣ - شهادات الدخول : فيتقرر حد ادني للدخول ، لا يجوز لمن لم يتحصل عليه ان يتزوج ، وقد وجدت هذه الفكرة نجاحا في اوربا وقتا ما ، ولكنها فشلت تحت إلحاح العسكريين المطالبين بتضخيم عدد المجندين . وقد تكون في غير حاجة إلي هذا التشريع ، لو لم نكن شعبا مفرطا في تفاؤله ، مندفعا في عواطفه . إن من المفروض الا يقبل الانسان على الزواج إلا عند ما يتوافر له الدخل

الذي يكفل له ولامرأته الحياة الشريفة الناعمة ؛ ولكن الحاصل غير ذلك ، فان الكثيرين يندفعون بلا روية أو تعقل إلي الزواج ، بل أحيانا إلي التثنية في الزوجات ، بلا حساب أو اكثراث لأرزاقهم أو أفوائهم . ذلك الرزق الذي يتوهمون أنه يولد مع الطفل

الطريق الثاني : طريق اقناعي ، بواسطة الدعاية والنشر ، وهذا الطريق في رأي أبعد أثرا من الطريق الأول ، لأن الاقناع خير من الارغام ؛ ولكن مما يؤسف له ان كل اصلاح في هذا البلد لا بد أن يأتي عن طريق الحكومة والتشريع ؛ فتنظيم الصناعة والزراعة والحياة الاجتماعية

لا يتم ولا يترتب إلا بسن القوانين واللوائح ، وذلك شأن البلاد البدائية .

وقبل أن نرسم سبيل الدعاية علينا أن نعلل سبب إقبال الطبقة الفقيرة على النسل والتهافت عليه . . وعلة ذلك في رأي ما وضحه سينسر قديما من أن الانسان بغريزته متعلق بالحياة يتشبث بها ، والنسل وسيلته للبقاء والتغلب على الموت . فكلما كان الانسان أكثر اطمئنانا على حياته كان أقل تفكيرا في إكثار نسله ، والعكس صحيح . وهذا ما عناه الشاعر العربي قديما بقوله :

يغاث الطير أكثرها فراخا

                           وأم الصقر مقلاة تزور

فالأمن في الريف لا يزال حتى اليوم مرتبطا بمسألة النسل وكثرته ، أو ما يسمونه " العزوة " فالعائلة في القرية تكتسب هيبتها وقوتها حتى اليوم بكثرة أفرادها . فالرجل لذلك يلح في استغلال المرأة من هذه الناحية ،

والمرأة تترضاه وتشبع رغبته من هذا الطريق ، حتى تحافظ على ارتباطها . لان علاقة المرأة بالرجل في الريف متوقفة على استطاعتها إنتاج النسل ، وليس النسل على وجه الإطلاق ، بل الذكور على وجه خاص .

فالدعاية يجب أن تنتصب على محو تلك العقيدة البدوية القديمة الراسخة في عقول العامة ، ثم بتهذيب طبائعهم وغرائزهم عن طريق التعليم والتثقيف ، واخيرا بإفهامهم حقائق مسائل النسل بتفصيلاتها .

بهذا نستطيع أن نوجد التوازن بين الطبقتين العالية والسافلة ، وأن نقضي على الخطر الهائل الذي ينتظرنا من وراء ترك الحبل على القارب ، وإباحة التناسل بلاقيد أو شرط ، وهو الارتطام بمشاكل الفاقة المدفعة ،

والبطالة ، وانحطاط مستوي العيش ، وما يستتبع ذلك من اضطراب في نواحي حياتنا الاقتصادية والاجتماعية .

اشترك في نشرتنا البريدية