الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 114الرجوع إلى "الثقافة"

مشكلاتنا الإجتماعية الكبرى :, مشكلة الطلاق فى مصر

Share

في عام ١٩٣٩ عقد في القطر المصري ١٨٣٨٢٣ زواجا ، يقابلها ٥٧٩٩٩ طلاقا . أي أن نسبة الطلاق في تلك السنة كانت ٣٣ % على وجه التقريب ، وهي في الواقع نسبة مرتفعة جدا ومخجلة إذا قيست بنظائرها في الدول المتمدنة الأخرى ، فقد كانت في فرنسا ، بلد الإباحية المطلقة ٨.٦ % . وكانت في بريطانيا ١.٣ % وفي كندا ١.٩ %

ويبدو جليا من ذلك أن مصر - ولا فخر - أولى الدول في الطلاق . وإني لأعلم أن الكثيرين سيرجعون هذه الحال المحزنة إلى نظام الدين الاسلامي الذي وضع في الرجل وحده . تقريبا ، مفتاح الطلاق يستعمله وقتما شاء ، وحسبما يشتهي . وهذا الزعم إذا كان صحيحا إلي حد كبر فان ذلك من الناحية الشكلية فحسب ، لان هؤلاء الزاعمين يجهلون ، او يتجاهلون روح الشريعة الاسلامية السمحة ، وأهدافها الاجتماعية السامية . ذلك لأن كل قانون في الوجود - سماوي أو وضعي - يحيا بروحه ، ويحاسب بغاية الشرع منه . وإن كانت دماؤه تجري في شرابين نصوصه وحروفه وكل تمقيد لا حق في تفسيره ، وكل خطأ مقصود او غير مقصود في تطبيقه لاشك بقتلان هذه الروح ، وبعداته عن تلك الغاية

والطلاق بوجه عام ليس شرا محضا ، ولا خيرا محضا ، بل هو نظام اجتماعي وعمراني سليم ، لا غبار عليه وتحتمه الطبائع البشرية المفطورة على الاختلاف والتمايز فهو إذا ضرورة لا أكثر ولا أقل . وقد يكون أحيانا إجراء عنيفا ، ولكنه لازم كمبضع الطبيب . فنحن إذا ألزمنا

بدوام المعاشرة مثلا - زوجين استحكمت بينهما حلقات النزاع ، واستعصى عليهما الوفاق والهناء الزوجي ، تكون - ولا شك - قد ارتكبنا في حقهما ، وفي حتى الأجيال القادمة من ذريتهما ، بل في حق المجتمع كله ، جريمة أكبر من جريمة السماح لهما بالفراق !

إلا أنه لما كان الطلاق ضرورة قاسية ، وإجراء عنيفا في صميم كيان الأسرة التي يبني عليها وعلى امثالها المجتمع ، فإن الله حين اشترع نظام الطلاق جعلة في أضيق نطاق . والكتب الدينية حافلة بتفسير نصوص القرآن في حدود هذه الغاية . وعلى ذلك تكون فوضى الطلاق الفاشية بين المسلمين اليوم ليست معلمنا في الدين الاسلامي - كما يريد أن يشيع المبشرون ودعاة الاباحية . وإنما هي دليل قوي غليظ على ان المسلمين قد اساءوا استغلال دينهم السمح ، أو أخطأوا مراميه . فهذه الهمجية الاجتماعية لا يعقل ان يسوغها دين او منطق او عقل ، وهي كلها تكاد تكون مترادفات لمعنى واحد .

وقد روي عن رسول الله أنه قال : " أبغض الحلال إلي الله الطلاق ، وقال المرحوم شوقي بك في هذا الصدد كلمة بليغة مأثورة : " الطلاق حلال عليه بشاعة الحرام " . وفي أخبار الصحابة أنه جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، يبلغه انه يريد تطليق زوجته لانه لا يحبها ، فأبي عليه عمر ذلك وصاح في وجهه : " او لم تبن البيوت إلا على الحب ؟ فأين الرعاية واين التذمم ؟ " نظرا لما يعقب الطلاق من نكد العيش ، وسوء المصير ، واضطراب الحياة ، والتشرد في الطرقات ، وتعكير الصفاء فالطلاق

يهدم في لحظات قصار . قدر ما يستغرفه تحريك الشقتين . صرحا سامقا عاما انفق في بنائه وتعميره الكثير من الهد والمال والتفكير ، والمواطف الندية الرفيعة المبذولة عن طيب خاطر ، ولذة فاخرة

ومن المألوف ان الزوج الذي يمني بالفشل في زواجه الاول فلما يثق في المرأة بعد ذلك ، لأن الصدمة المدمرة التي تكون قد انتابته تبتلع جزءا كبيرا من عواطفه ، وتميت قسطا ضخما من احساساته الموجهة نحو المرأة ، فتمزق نسيج الحب الرقيق اللاصق بقلبه ، وتقوض الإطار الشعري الذي رسمه خياله بريشته السحرية غير المنظورة للعائلة ، والسعادة الزوجية ، والبيت النموذجي!.

فإذا قلبنا النظر في الطبقات التي يفشو فيها الطلاق ، استبانت لنا الخطورة التي تنطوي عليها تلك الحقيقة الاجتماعية الموجعة ، لأنها هي الطبقات التى تستطيع أن تخفف من اعبائها الزوجية بسهولة غير عابثة بجراثيم الفوضي التي تبنها في جوانب المجتمع والبيانات التالية تفسر هذا .

أولا - المدن والأسر المتحضرة :

تذكر الاحصاآت أنه في مدينة القاهرة وحدها بلغت نسبة الطلاق في العام الماضي ٤٣ % . ولو تركنا العاصمة وجدنا انها كانت في الإسكندرية ٣٥ % ، وفي دمياط ٢٤ % ، وفي المنيا ٢١ % .. . الخ

والشاهد أيضا أن الأسر المتحضرة أو الأكثر تحضرا صارت تسبق غيرها من الطبقات في مسائل الطلاق .

والسر في كل ذلك أنه في الدن الراقية ، وفي الأسر المتحضرة ، تزداد أخطار الفوضى الاجتماعية الناشئة من كثرة المساكن الضيقة المتقاربة ، والافراط في ألوان الاباحية وفنون الترف الجنسى ، والملاهي المفسدة للأخلاق ، والمجتمعات المختلطة الصاخبة ، والمحاكاة العمياء ، ووسائل

الرفاهة التي تركب في نفوس الأفراد خلقا رخوا . ومرونة مائعة .

ثانيا - الإسر القليلة الأولاد :

ودلت الاحصاآت أيضا على أن نسبة الطلاق ترتفع بين الأسر التي لم تنجب اطفالا قط ، ثم تهبط كلما كان هناك اطفال ، وتندرج بحسب عددهم . وليس ثمة صعوبة في إرجاع ذلك إلى ان الاطفال رباط روحي ومادي غليظ للأباء ، كما يتبين من الجدول الآتي :

لا أولاد 1938  40850 1939  42738 ولد واحد  9402 9997 ولدان 2715 3939 ثلاثة  1205 1303 أكثر من 3 1045 2322

ولا امتراء في أن الطفل الذي يعيش في كنف أمه المطلقة ، أو مع أبيه الأعزب ، أو تحت رحمة زوج امه أو زوجة أبيه ، لهو اشقي حظا من اليتيم الهانم على وجهه في الطرقات تلتقطه القلوب الرحيمة ، او تحسن إليه الا كف الندية السخية . فلنتصوره بين أبوين متباعدين يتجاذبانه او يتنصلان منه ، فيحار : ابهما يجب فيقبل عليه ، أو أيهما يبغض فيزور عنه !

ثالثا - طبقة الرجال

وثبت كذلك ان عدد الرجال الذين يحطمون أعشاشهم الزوجية بأيديهم ضعف عدد النساء اللائى يفعلن ذلك لان الطلاق أسهل على الرجل منه على المرأة في أغلب الأحوال ، وفي معظم الشرائع .

ثم إن للمرأة الشرقية اعتبارات خاصة تدعوها داعما إلي التريث في هجر زوجها إلى الابد ، وهذه الاعتبارات

منشؤها التقاليد التي تجعل حصول المرأة المطلقة على زوج جديد أمرا صعبا .

رابعا - بحسب من المطلقين :

لوحظ أن أغلب المطلقات بين سن العشرين والثلاثين . أما الرجال فيتروح اغلب بين الخامسة والعشرين والأربعين , لأن الرجل بعد هذه السن يفكر عادة في الاستقرار . ولذلك يبدأ " بارومتر " الطلاق في الهدوء . ولكن الغريب ان درجة هدوئه ليست واحدة بالنسبة إلى الجنسين ؛ فهي عند الرجال ابطأ منها بكثير عند النساء فبينما نجد عدد الرجال الذين اوقعوا الطلاق وهم بين سن الأربعين والخامسة والأربعين مثلا ٦٠٥٧ نجد عدد طالبات الطلاق في هذه السن ٣٠٥٦ امرأة فقط!

وأعجب من ذلك أن يبلغ الفرق أقصاه بعد السنين . فمدد المطلقين بين ٦٠ و ٧٠ كان ١٦١٦ رجلا بينما كان عدد المطلقات ٣٩١. اما من ٧٠ فأكثر فقد كان عدد الرجال والنساء على الترتيب : ٧٣٤ و ٨٦ .

ولعل هذا يفسر لنا بعض التفسير كثرة عدد الشيوخ المتصابين الذين أهرقوا ذكري زوجيات طويلة تحت أقدام عرائس صغيرات السن ، ناضجات الصبا !

خامسا - بحسب مدة الزوجية :

من بين ما سجلته الاحصاآت في هذا الصدد البيانات الآتية : مدة الحياة الزوجية  ١٩٣٧    ١٩٣٨   ١٩٣٩ أقل من شهر        ٢١٦٩    ١٩٣٣   ٣٠٣٠  من ستة إلي سنتين  ١٠٤٥٠  ١٠٤٣٥   ١٠٩٥٩ من ٥-١٠ سنوات  ٧٨٩١   ٧٦٤٩   ٨٠٣٣ من ٢٠ سنة فأكثر   ١٥٠٠  ١٦١٠   ١٦٩١

من هذه البيانات الطريفة يمكننا ان نستنتج بسهولة الحقائق الاجتماعية الآتية :

(أولا) إن أقل حوادث الطلاق تقع في الحياة الزوجية التي لم تعمر شهرا ، ويمكن إرجاع ذلك إلى كثرة المغالطات الموجعة التى تلابس نظام الزواج في مصر ؛ فمن الغش ، والخداع ، والشر ، وإكراه الاباء ، والجهل بشريك الحياة ، تتغذي سوق الطلاق ، وتعج سجلات الطلاق الشرعية بانفصام هذه الزيجات الواهية القصيرة العمر !.

(ثانيا) إن أكثر حوادث الطلاق واقعة في الحياة الزوجية التي مرت بسلام في العام الاول ، ولكنها انهارت في العام الثاني قبل اكتماله . وهي الفترة التي يكون فيها الزوجان على عتبة الابوة ، فيسهل الغراق قبلها على حين يصب أو تقو نتائجه بعدها .

(ثالثا) لوحظ كثرة حوادث الطلاق في الحياة الزوجية التي تتراوح مدتها بين خمس سنوات وعشر سنوات بدرجة مزعجة نسبيا . وهو الامر الذي لا يستطاع رده إلا إلى دوافع الانحلال الخلقي ، والطفرة الاجتماعية المجنونة التى طفرناها بعد الحرب الماضية .

هذه هي فصول صغيرة من التقويم الاجتماعي الخاص بالطلاق ، أوردناها في إيجاز ، حتى يتبين من خلالها كل مصلح اجتماعي ، وكل مشتغل بالمسائل الاجتماعية إلى أي مدى طويل من مزعج سارت اقدام هذه المشكلة الاجتماعية التى تنفرد بها مصر ، والتي اخذت فيها صورة شوهاء قضت على جمال التشريع الاسلامي ومتانة احكامه . فلعل أحد هؤلاء او أولئك تهزء الأريحية العمرانية والقومية إلى إنقاذ المجتمع المنكوب بهذه الويلات الصارخة . وفي مقال قال سنحاول ان نبين بعض ما يجب اتباعه في هذا الشأن .

اشترك في نشرتنا البريدية