معركة البحار أعظم معارك هذه الحرب وأشدها هولا ؛ وهى تجرى منذ بداية الحرب بلا انقطاع ، وتدخل اليوم فى دورها الحاسم ؛ وهى لا تجرى فى ميدان معين ، ولكنها تشمل جميع البحار بلا استثناء ؛ بيد أنها تتركز بالأخص فى شمالى المحيط الأطلنطى ، حيث تجتمع مواصلات بريطانيا الحيوية مع أمريكا ومع الأمبراطورية البريطانية ، وحيث تتدفق موارد الأمبراطورية وقوافل الاعانة الأمريكية تحمل السلاح والعتاد والذخائر إلى بريطانيا العظمى .
وقد أدركت ألمانيا منذ الحرب الكبرى أن العمل على تقطيع شرايين الأمبراطورية البريطانية بقطع مواصلاتها الحيوية هو أنجح السبل للتغلب على بريطانيا العظمى ؛ ومع أنها دخلت الحرب الكبرى بأسطول ضخم اشتبك مع الاسطول البريطانى فى عدة معارك بحرية كبيرة ، فإنها أتخذت من حرب الغواصات عمادها الأول لتحقيق هذه الغاية ؛ ودلت تجارب الحرب الكبرى على أن حرب الغواصات خطر على حياة بريطانيا يهددها بمنع وصول المؤن والأقوات إليها ؛ ولكنها استطاعت فى النهاية
أن تتغلب على هذا الخطر بمعاونة حلفائها ، ولا سيما أمريكا . أما فى الحرب الحاضرة فقد زادت معركة البحار هولا وخطورة ؛ ذلك أن الأمر لم يعد يقتصر على شر الغواصات ، ولكن الطائرت أصبحت إلى جانب الغواصات سلاحا خطرا على السفن لا يقل فتكا بها عن الغواصات ؛ فهى تتعرف أمكنتها وترشد إليها الغواصات ، وهى تمطرها وابلا من القنابل والطوربيد ، وتنثر الألغام المدمرة فى طريقها ؛ وقد خلق تعاولات الطائرات البعيدة المدى والغواصات فى مهاجمة طرق البحار على هذا النحو لبريطانيا العظمى مشكلة من أعظم المشكلات وأخطرها ؛ وزاد فى تفاقم هذا الخطر سيطرة ألمانيا على جميع شواطئ أوربا الغربية من شمالى النرويج حتى خليج بسكونية ، وأتخاذها قواعد للغواصات والطائرات المغيرة فى ثغور النرويج وهولندة ، ثم فى الثغور الفرنسية القريبة من المياه الانكليزية ، مثل برست ولوريان وسان نزير ولاروشيل وغيرها .
وتعتمد بريطانيا من جانبها فى مقاومة هذا الخطر الداهم على سفنها ومواصلاتها البحرية على نظام القوافل المسلحة . ويشترك فى حراسة هذه القوافل عدد كبير من الطرادات والمدمرات وسفن الدوريات المسلحة والطائرات ؛ وتعتمد على الطائرات بالآخص فى معرفة أماكن الغواصات
ومطاردتها والإرشاد عنها ، ثم فى مهاجمة قواعد الغواصات والطائرات المغيرة وتدميرها بلا انقطاع ؛ غير أن هذه الحراسة ليست إلا ضمانا نسبيا لسلامة القوافل البحرية ، نظرا لما يقترن بعدوان الغواصات من الأخطار الخفية المفاجئة ، وتعذر إعداد الحراسة دائما بصورة تتفق مع فداحة الخطر الذى تتعرض له السفن . ومن جهة اخرى فإن بربطانيا العظمى تعتمد فى مقاومة حرب الغواصات فى الحرب الحاضرة على الأسطول الانكليزى دون سواه ،
فاذا ذكرنا المهام الخطيرة التى يضطلع بها هذا الأسطول فى مختلف البحار ومراكز المواصلات الامبراطورية الهامة أدركنا فداحة التبعة الملقاة على عاتقه ، خصوصا لما تتطلبه مطاردة الغواصات من تجريد قوات كبيرة من المدمرات بلا انقطاع .
ولهذا كله كانت معركة البحار أعظم معارك هذه الحرب ؛ ومع أننا لا نستطيع أن نتتبع أنباءها بوضوح كما نتتبع أنباء المعارك البرية والجوية ، ولا نعرف من هذه الأنباء إلا ما يذاع عن مجموع الخسائر البحرية البريطانية ، كل أسبوع أو كل شهر مجملا دون تفصيل ، فاننا نستطيع أن نشعر بخطورتها ، وأن نقدر ما سيكون لها من آثار بعيدة فى تطورات الحرب ومصاير الفريقين المتحاربين .
وقد قلنا إن معركة البحار تتركز بالأخص فى شمالى المحيط الاطلنطى حيث تجتمع مواصلات بريطانيا الحيوية مع أمريكا ومع الامبراطورية البريطانية ؛ ولما كانت بريطانيا تعتمد فى الحصول على طعامها مما تتلقاه من وراء البحار ، وتعتمد فى جهودها لمواصلة الحرب بالأخص على الامدادات والموارد التى تتلقاها من أمريكا ومن مختلف أنحاء الامبراطورية ، فان حماية هذه المواصلات تعتبر بالنسبة لها مسألة حياة أو موت .
وترتبط بريطانيا مع أمريكا الشمالية بعدة طرق رئيسية تخترق النصف الشمالى من المحيط الأطلنطى ؛ أولها الطريق الشمالى الممتد من مونتريال إلى جلاسكو وليفربول ؛ وثانيها الطريق المتوسط ، وهو الممتد من هاليفاكس ونيويورك وبوسطن إلى ليفربول وسوثهامبتون ؛ وثالثها الطريق الجنوبى الممتد من جزر الهند الغربية - من كنجستون وبربادوس إلى برستول وسوثهامبتون ولندن ؛ ويتراوح طول هذه الطرق بين ثلاثة آلاف وبين أربعة آلاف ميل ،
وتقطعها السفن عادة فى خمسة أيام أو ستة ؛ وترتبط انكلترا بأمريكا الجنوبية بطرق أخرى تمتد رأسا بين ثغور البرازيل والأرحتين وبين لندن وليفربول ؛ وأما المواصلات الامبراطورية فانها تجرى الآن من زيلنده الجديدة واستراليا والهند بطريق مدينة الرأس(الكلب) ، هذا عدا ما يجرى منها بطريق البحر الأحمر إلى السويس .
ومجمع هذه الطرق الحيوية الخطيرة فى شمالى الأطلنطيق وعلى مقربة من المياه الانكليزية والارلندية الغربية هو اليوم أعظم مسرح لحرب الغواصات المدمرة ؛ وترى ألمانيا بالأخص من وراء ذلك إلى أن تفرض نوعا من الحصار على الجزر البريطانية يحول أولا دون تلقيها الأقوات والمؤن التى تقوم عليها حياة الشعب الانكليزى ، وثانيا دون تلقيها ما ترسله إليها أمريكا من الامدادات الضخمة من السلاح والعتاد لمعاونتها على مواصلة مجهودها الحربى .
ويعتبر هذا الحصار الذى تحاول ألمانيا فرضه على الجزر البريطانية بواسطة الغواصات والطائرات البعيدة المدى من جهة أخرى ردا على الحصار الذى فرضته بريطانيا العظمى على ألمانيا منذ بداية الحرب ، واستطاعت بواسطته أن تقضى على مواصلات ألمانيا البحرية مع الخارج قضاء تاما ، وأن تجعلها سجينة فى القارة الأوربية ، تعتمد على مواردها الخاصة وعلى ما تنتزعه من موارد الدول المغلوبة ، وأن تحرمها من أن تتلقى شيئا من الموارد أو المواد الأولية من وراء البحار ، إلا ما تستطيع تهربيه منها بواسطة بعض الدول المحايدة ، أو الممالقة لها ، وهو قليل لا يسد كل حاجتها .
وقد علمنا من تصريحات مستر تشرشل أن معركة الأطلنطيق قد وصلت فى الشهرين الأخيرين ذروتها من الشدة والهول ، وإن كانت قد دخلت فى دور أدعى إلى التفاؤل ؛ ولم تخف البحرية الانكليزية فداحة خسائرها فى
هذه الفترة ، وقد بلغت فى شهر أبربل وحده من السفن البريطانية والمتحالفة ما قيمته ٤٨٠ ألف طن يدخل فيها ما فقد فى الحملة اليونانية ؛ وبلغت فى شهور سابقة قرابة هذا الرقم ؛ وهى خسائر فادحة بلا ريب ؛ بيد أنه يلاحظ أولا أن أسطول انكلترا التجارى كان فى بداية الحرب زهاء أربعة وعشرين مليون طن ؛ وقد انضمت إليه عدة ملايين أخرى من الأطنان من أساطيل النرويج ودانماركة وهولندا والبلجيك ؛ هذا عدا ما استطاعت انكلترا وبلاد الأمبراطورية انشاءه من السفن الجديدة فى هذه الفترة ،
وعدا ما أحرزنه انكلترا بطريق الشراء من السفن الأمريكية ، وما ينتظر أن يتحول إليها من السفن الأمريكية وفقا لقانون الإعارة والتأجير ؛ وعلى ذلك فقد استطاع أسطول بريطانيا التجارى ، نظرا لضخامته ونموه المطرد حتى اليوم ، أن يتلافى الثغرات التى أحدثها فتك الغواصات والطائرات المغيرة ؛ وقد ذكر لنا مستر تشرشل أن لانكلترا دائما نحو ألفى سفينة تمخر البحار بلا انقطاع ، وأنه لا يوجد فى منطقة الخطر منها فى وقت واحد أكثر من ثلاثمائة سفينة ؛ وإذا كانت انكلترا قد استطاعت حتى اليوم بعد عشرين شهرا من حرب الغواصات أن تحافظ بمفردها على مواصلاتها البحرية ، واستطاع أسطولها التجارى أن يؤدى جميع المهام العسكرية والتجارية التى وكلت إليه ، فإنه ينتظر أن تغدو انكلترا أقدر على حماية مواصلاتها ، ويغدو أسطولها التجارى أقدر على تأدية المهام المطلوبة منه بفضل المعاونة الأمريكية ، وما ينتظر من اشتراك السفن الحربية والطائرات الأمريكية فى حراسة القوافل فى مياه الأطلنطيق فى نصف الكرة الغربى .
وما زالت انكلترا رغم ما تعانيه من فتك الغواصات تتلقى الأطعمة بانتظام ، وما زالت تتدفق عليها السفن القادمة من أنحاء الأمبراطورية ، والسفن القادمة من
أمريكا حاملة إليها العتاد والذخائر والمواد الأولية .
ومن جهة أخرى فان الجهود التى تبذلها انكلترا المكافحة الغواصات تتقدم يوما عن يوم ؛ ونحن لا نعلم الكثير عن نتائج هذه الجهود ، لأن البحرية البريطانية لا تريد أن تذيع عنها أنباء مفصلة قد تفيد العدو ؛ بيد أننا نعلم مما ذكره مستر الكسندر لورد البحرية الأول ، أن هذه الجهود تبشر بنتائج حسنة ، وأنه قد دمر عدد كبير من الغواصات الألمانية ، وخصوصا بعض الغواصات التى امتازت بشدة فتكها ؛ وأهمية تدمير الغواصات هى قبل كل شئ فى القضاء على بحارتها من الرجال الفنيين الذين يصب استبدالهم بسهولة .
يقول المؤرخ الانكليزى فرود فى حديثه عن سيادة انكلترا البحرية : (( خذ اسطولها التجارى ، وخذ الأسطول الذى يحرسه ، تنتهى أمبراطوريتها ، وتتساقط مستعمراتها كأوراق شجرة ذابلة ، وتغدو مرة أخرى جزيرة لا أهمية لها فى بحر الشمال ))
وقد تطورت أساليب الحرب تطورا مدهشا ، وظهرت الأساطيل الجوية المدمرة ، ولكن نظرية المؤرخ الانكليزى
ما زالت حقيقة ثابتة ؛ فما زالت الأساطيل البحرية تحتفظ بكل قيمتها الدفاعية ، وما زالت سيادة انكلترا البحرية التى يدعمها أسطولها الحربى أعظم سياج دفاعى يقيها شر الغزاة ، ومازال أسطولها التجارى المنبث فى ارجاء البحار السبعة شريان حياتها يمدها بكل ما تحتاج إليه .
وسوف تجوز انكلترا مراحل عصيبة أخرى من جراء فتك الغواصات ؛ وقد تطول معركة الأطلنطيق أشهرا أخرى تذهب فيها إلى قاع البحار مئات أخرى من السفن ؛ على أن حرب الغواصات التى تبلغ اليوم ذروتها ، لا يمكن أن تستمر بهذه الشدة إلى ما لا نهاية ؛ وما زالت انكلترا التى استطاعت أن تقاوم حتى اليوم هذا الخطر ، تؤمل أن تتغلب عليه فى النهاية ، كما تغلبت عليه فى الحرب الكبرى ، خصوصا بعد أن تقدمت وسائل الكفاح والمقاومة ، وبعد أن هبت أمريكا لتعاونها بكل ما وسعت من مواردها العظيمة . وقد نشهد فى القريب العاجل مرحلة أتم وأخطر من هذه المعاونة . فتدخل أمريكا الحرب إلى جانب بريطانيا العظمى .

