المستر جون درنكووتر نزيل مصر الآن من أقطاب الشعر الإنكليزى الحاضر وله عدة مجموعات شعرية وقطع مسرحية شهيرة، ولد سنة١٨٨٢ وبدأ حياته العملية كاتبا في إحدى وكالات التأمين. وهو الآن أستاذ الأدب الإنكليزى بجامعة برمنجهام. وأشهر مؤلفاته "إبرهام لنكولن". وهى قطعة مسرحية رائعة. ومنها مجموعة شعرية عنوانها "رجال وساعات" وهى أولى مجموعاته و"العصيان" وغيرها. وقد دعت الجامعة المصرية المستر درنكووتر ليلقى خمس محاضرات عن الشعر الإنكليزى. فألقى الأولى منها يوم الخميس ١٧ فبراير فى الجمعية الجغرافية الملكية، وموضوعها معنى الشعر
قال مستر درنكووتر: تقوم اليوم كثير من الصعاب الخطيرة والمسائل الهامة التى تزعج معظم دول العالم. وهذه المسائل تشغل عقول المفكرين جميعا. ولكن أحدا لم يوفق إلى حلها، بيد أنهم على يقين من أمر واحد: هو أن هذا الحل لا يحقق ما لم تتناول مسائلنا بروح متبادل من التفاهم وحسن النية، وهذا هو الجوهر، فالناس لا يود بعضهم لبعض سوى الخير، ولكن ذلك لا يتم إلا بالاحتكاك الشخصى: فإذا ما اقتنعنا بوجوب التعامل بتعقل، خفت متاعبنا.
"ورمز هذا الروح المشبع بالتفاهم وحسن النية: هو الشعر فالشعر يعنى بالأشياء الكونية الخالدة الخالقة، والشعر يبغض الظلم، وتبديد النشاط البشرى، وخيبة الأمل، وقد خلق للاحتشام، والتسامح، والاحترام المتبادل"
"فمما يشجع إذن أن يعمل شىء فى تلك الأيام العصيبة لتقوية التفاهم بين الشعوب. وهذا بلد (يعنى مصر) قد دعا شاعرا من بلد آخر ليأتى ثم يتحدث عن شعر بلاده، وهى بلاد ذات لغة وتقاليد، وذات أغراض سطحية أخرى، فهذا فى نظرى أمر وافر الحكمة؛ وإنى لفخور بأن أنتهز هذه الفرصة التي قد يعدها كثير من الساسة خارجة عن نطاق عملهم، ولكنى أراها عملا حرا كريما من أعمال السياسة"
ثم قال مستر درنكووتر: إنه سيحاول أن يبين فى محاضراته أمرين: الأول أن يلفت النظر إلى جمال الشعر الإنكليزي فى ذاته، والثانى أن يبين أن الخلافات السطحية بين الشعر الانكليزى والشعر المصرى (العربى) ليست فى الواقع أكثر من سطحية، وإنه عندما نتأمل الحقائق التى يعنى بها الشعر، نجد الحياة البشرية تضطرم فى نفس الشاعر، سواء أكانت بين الفلاحين المصريين أم بين الفلاحين الانكليز، أو بين طلبة جامعة إكسفورد وكامبردج أم بين طلبة جامعة القاهرة، أو شاعر أرلندى مثل يتس Yeats ، أو شاعر عربى مثل شوقى ثم قال أنه قرأ "مجنون ليلى" التى ترجمها مستر أربرى، فدهش إذ رأى مبلغ ما هنالك من تشابه بينها وبين ما يكتبه شاعر كمستر يتس.
"ولكن يجب أن أقول أنى لم أدهش، لأننا نعرف أن هذه هى طريقة الشعر، فالشعر لا يعرف الحواجز التى تقيمها بين الشعوب مصالح التجارة أو السياسة، بل تقيمها العادة والإقليم والشعر يذهب إلى أعماق الحياة ويرى أن أعماق الحياة لا تختلف بالنسبة لمختلف الشعوب، وأنها واحدة فى العالم بأسره"
"فإذا كنت أحدثكم فأرجو ألا تعتبرونى سائحا من بلد أجنبى، ولكن صديقا يتحدث باسم الشعر عن أشياء يجب الا يظن متأملاها أن أحدهما غريب عن الآخر؛ واسمحوا لى أن أكون جريئا، فأستميح عفوكم فى بيت لشاعركم شوقى
ولست أعتقد، بعد الذى غمرنى به المصريون من العطف، أننى رجل متعثر ضال.
ثم قال مستر درنكووتر: "ما هو الشعر؟ يمكن أن نقول: أنه "الفن" فالفن فى كل خواصه الجوهرية كالشعر سواء بسواء. والشعراء لا يخلقهم الشعر، ولكن الشعراء هم الذين يمدون العالم بعلم النظريات الشعرية، وإذن فالشعر هو فهم تام للتجارب، وإبراز هذا الفهم فى صيغ الألفاظ. وعقولنا جميعا مهما اختلفنا فى الجنس واللون والمركز والآراء والأطماع نستقبل جميعا فى كل وقت أسفارا ضخمة من التجارب، والمسألة هى كيف نفهم هذه التجارب
(البقية على صفحة 30)
(بقية المنشور على صفحة ٢٨)
والعقل القوى دائما سيد تجاربه؛ وهنا يتدخل الشاعر، فالشاعر لا يختلف فى النوع عن أقرانه، ولكنه يحتاج إلى فهم أعمق لهذه التجارب، وهذا الإجهاد، وهذه الرغبة، وهذه الضرورة هى المجد، وهى المأساة فى حياة الشاعر. هى المجد إذا استطاع أن يرضى هذه الضرورة؛ وهى المأساة لأن معظم هذه التجارب لا يمكن أن يحقق ويفهم.
والشاعر يعتبر أحيانا محسنا عاما؛ وهذا صحيح الى حد ما؛ ولكن الشاعر لم يكن قط باختياره محسنا خلقيا، فالشاعر حين يكتب لا يفكر فى فعل الخير؛ فهو يتفهم تجاربه فقط. واذا اعتقد الشاعر نفسه محسنا عاما، فانه يتعثر فى عمله. ذلك لأنه يفكر عندئذ فيما قد يراه الناس فى عمله، ويكتب تحت هذا الأثر، بدلا من أن يقول الحقيقة.
ثم قال: أن الشعر فى كل أمة يتأثر الى حد ما بالأقاليم والمناظر وما اليها، وأن مناظر الخريف الإنكليزية وتناثر أوراق الشجر، والسماء الشهباء، وفصل الكآبة، قد أثرت فى عقول ألوف وألوف من الأنكليز، ولكن رجلا واحدا لاحظها وفهمها؛ ثم أخرج منها أصدق صورة، وصاغ قطعة من أبدع ما فى الشعر الأنكليزى؛ وكان هذا الرجل شكسبير. وكذا البلبل وأغاريده، فقد نفذت الى ذهن فتى يقيم فى ضاحية لندن فاخرج عنها قصيدته الخالدة "نشيد الى البلبل" وكان هذا الشاعر كيتس.
"والفن كله هو التعبير عن التجارب؛ ولكن الشعر لا يعبر عنها إلا باللفظ . وذلك لأن الألفاظ تستعمل للتعبير عن كثير من الأشياء العادية. ولذا وجب أن يستعمل الشاعر الألفاظ بطريقة تجعلها حية دائما. والشعر أعظم من الشعراء، فهؤلاء يموتون، ولكن شعرهم يبقى دائما حيا صبوحا"

