أجلس في شدة هذا الشتاء ، وفي وحشة لياليه السود إلي طائفة من كتبى القديمة بعد أن انقطعت عني بسبب هذه الحرب كتب الافرنجة ومجلاتهم وجرائدهم ، فأنبش الموتى الخالدين في تضاعيف هذه الكتب ، واستمع إلي أحاديث عبقريين في الشعر والسياسة والأدب ، واستطلع آراءهم في الحياة ، وما أشد اختلاف هذه الآراء ، ما اعظم تفاوت المقاييس التي يقيسون بها الحياة . وأي لذة ابلغ من معرفة رأي كل واحد منهم في هذا الباب ؟
أربعة مجالس نثر فيها أصحابها آراءهم الخاصة في النعيم والسرور واللذة : مجلس في الجاهلية ، ومجلس في دولة بني أمية ، ومجلس في دولة بني العباس ، والرابع في الصحراوات
فما هو السرور في نظر فريق من شعراء الجاهلية ؟ أما طرفة فما الحياة عنده إلا مطعم هنئ ، ومشرب روي ، وملبس دفئ ، ومركب وطئ . وأما امرؤ القيس فلا يتم سروره إلا ببيضاء رعبوبة ، بالطيب مشوبة ، باللحم مكيوبة . وأما أعشى بكر فلا يكمل حبوره إلا بصهباء صافية ، تمزجها ساقية ، من صوب غادية :
فانظر إلي رأي هؤلاء الشعراء في الحياة ، انظر إلى الآفاق التي يسرحون فيها ويمرحون ، وأنت حر في أن تغبطهم عليها أو تلومهم
ولكن انحدر عن هذا الأفق قليلا ، وخالط بني أمية في دولتهم . أفتعلم أين كان يجد زياد نعيمه ؟ اسمع حديثه وقد سأل ذات يوم أهل المجلس : أي الناس أنعم ؟ قالوا : معاوية قال : فأين ما يلقي من الناس ؟ قالوا : انت . قال : فأين ما ألقي من الثفور والخراج ؟ قالوا : فمن ؟ قال : شاب له سداد من عيش ، وامرأة قد رضيها ورضيته ، لا يعرفنا
ولا نعرفه ، فان عرفنا وعرفناه افسدنا عليه دينه ودنياه !
فانظر إلي ضجر رجل مثل زياد من السلطان ، وهو داهية العرب ، الصالح لكل صغيرة وكبيرة ، الذي كان يقول : لو ضاع حبل بينى وبين خراسان لعرفت من اخذه . أفكنت تظن أن رجلا مثل زياد يمل من السلطان ؟ أم ان رجلا مثل معاوية تدخل عليه السآمة من الناس وهو الذي كان يقول : نحن الزمان ، من رفعناه ارتفع ، ومن وضعناه اتضع :
وإذا تركت زيادا وما يلقاه من الثفور والخراج ، وجئت يلي العباس في دولتهم ، وسألت أيا مسلم صاحب الدعوة عن السرور قال لك : ركوب الهمالجة وقتل الجبابرة . واللذة عنده إقبال الزمان وعز السلطان .
ثم غادر هذه الدولة وما نعمت به في قصور سقوفها من ذهب ، وحيطانها من رخام ، واضرب في صحراوات العرب ، في هذه الصحراوات التي لا نجد فيها إلا خشوبة العيش ووحدة الحياة ، فلا تطلع فيها الشمس على منظر جديد ، ولا تغرب فيها عن منظر جديد ، واسأل اعرابها عن السرور . واحد يقول لك : ليس البالي في الصيف ، والجديد في الشتاء ، وواحد يقول لك : ماء حار في الشتاء وبارد في الصيف
فانظر إلي هذا الزهد في الحياة ، يقتلهم الصيف بشدة حره ، فلا يشتهون فيه إلا الماء البارد ، ويقتلهم الشتاء بشدة برده فلا يتمنون فيه إلا الماء الحار :
ولكن ما الذي يستخرجه الانسان من هذه النظرات المختلفة في الحياة عامة ، وفي السرور والنعيم واللذة خاصة لا شك في أن الأمور في هذه الدنيا نسبية ، فما يسوءنا قد يسر غيرنا ، وما يحزن غيرنا قد يفرحنا ، فكل واحد منا ينظر إلى الحياة من وجه خاص ؛ هذا ينظر إليها من وجه يظنه حسنا فيتم سروره ونعيمه ، وهذا ينظر إليها من وجه يظنه سيئا ، فيغمره الهم والحزن وأكثر آلامنا التي نعانيها إنما هي صادرة عن هذه
النظرات المختلفة في الحياة ، فبعضنا يري الحياة حسنة . وبعضنا يراها سيئة ، وهي تجمع بين الحسن والقبح على السواء ؛ إنها تؤلف بين الاحزان والأفراح ، فمرة يغلب الحزن على الفرح ، ومرة يغلب الفرح على الحزن ؛ وهما يتعاقبان في هذه الحياة ، على نحو ما يقع في يوم غائم ساعة ، وصحو ساعة ، فبينما الغيم في السماء ، إذ تطلع الشمس فتشتته
ولقد أدرك هذا الأمر " أنانول فرانس " فقال : " إذا قال الناس : الحياة حسنة ، وإذا قالوا : الحياة سيئة ، فإنهم يقولون شيئا لا معنى له ، فيجب علينا ان نقول : إن الحياة ) إنما هي حسنة وسيئة معا ، لاننا لا نتصور فكرة الحسن والقبيح إلا بالحياة وحدها . والحق ان الحياة لذيذة ، كريهة ، فتانة ، رهيبة ، حلوة ، مرة ، إنها كل شئ ، ومثلها كمثل ثوب الوانه شتى ، واحد يري هذه الألوان حمرا ، وواحد يراها زرقا ، والاثنان يريانها
كما هي ما دامت ألوانها حمرا وزرقا ، وما دامت هذه الحياة مجمع الألوان كلها ؛ وهذا ما يحملنا على الاتفاق ، هذا ما يحملنا على الإصلاح بين الفلاسفة الذين يتناحرون فيما بينهم ؛ ولكننا جبلنا على صورة نريد معها ان تجبر غيرنا على أن يشعر وأن يفكر على نحو شعورنا وتفكيرنا ، إننا لا نسمح لجارنا بأن يكون جذلا إذا كنا محزونين "
تخطي في أكثر الأوقات فنحكم على الأمور بالقياس إلينا ، لا بالقياس إلي الذين صدرت عنهم هذه الأمور ، فيختلف حكمنا لاختلاف الآراء ؛ فلكل واحد منا رأي في هذه الحياة على قدر مزاجه وتربيته وبيئته وتفكيره ، وقليلا ما نجمع على رأي واحد في الكرم والبخل مثلا ، أو في الجاه والخمول ، أو في الحب ، او في الجمال ، أو في أي مظهر من مظاهر الحياة ، فقد يجود المرء ويكون جوده خطرات من وساوسه ، ويبخل ويكون بخله علة من علل نفسه ، فما يكون راحة لنا في الكرم قد يكون تعبا لغيرنا .هذا زياد ، و منزلته في بني امية على ما علمت ،
فانظر كيف كان ، تأتيه ساعة فيتعب فيها ذهنه من الثفور والخراج ، من مشاغل الدولة كلها ، فيتمني ابسط عيشة في هذه الدنيا ليجد فيها راحته . وما أظن أحدا من الناس في زمنه كان لا يتمني جاها مثل جاهه ، وعظمة مثل عظمته ، وسلطانا مثل سلطانه
وهذه " كليوباتره " كانوا يقولون فيها : إنها صغيرة القامة ، وإنها لم تكن جميلة . وربما كان في عصرها أجمل منها ، ولكنها كان لها حديث إنما هو السحر الحلال ، وكان لكلامها نغمه لها رنات مختلفة تذهب بالقلوب كل مذهب ، وكانوا يقولون : إن لها أنفا كبيرا حتى قال ) باسكال : لو كان انف " كليوباتره " اصغر لقلب وجه العالم . غير ان الوجه الذي انسي قيصر ملك الدنيا كما قال " أناتول فرانس " لم يشوهه أنف قبيح
فانظر كيف كان قبح " كليوباتره " في نظر بعض الناس ، حسنا في نظر قيصر . ومن كل ما تقدم يتبين لنا أن الحقيقة المطلقة في هذه الدنيا لا أثر لها . وإذا نزلت الحكمة على أحد بعد الأنبياء فقد نزلت على الشعراء ، فاسمع ما قاله أبو الطيب المتنبي :
راعتك رائعة البياض بمفرقى .. ولو انها الأولى لراع الأسحم
فقد اعتاد الناس ان يروا الحسن في الشعر الأسود ، والقبح في الشعر الأبيض ، ولو تعودوا ان يروا المحاسن في الشعرة البيضاء والمساوئ في الشعرة السوداء ما كان لاشتعال الرأس شيبا أثر سي في العيون .
أجل ، لا حقيقة مطلقة في هذه الدنيا ، فكل واحد منا يجعل للأشياء الصفات التى تناسبه ، كل واحد ينظر إلى هذه الاشياء من الوجه الذي يحبه ؛ فالحياة ليس لها صفة صحيحة ، ونحن الذين نجعل لها الصفات التي نريدها ، فالعاقل من يكون وجهها في نظره أبيض ناصعا ، فإنها أحقر من أن تكون سببا في همنا وتناحرنا .
) دمشق (

