- ١ - إن الملاحظات الانتقادية التى نشرتها في العدديين الأخيرين من الرسالة الضراء حول كتب (قواعد اللغة العربية) تغني عن شرح طويل لتحديد موقفي وتبين رأيى في المقترحات الواردة في تقرير لجنة التيسير
فبعد تسجيل واجب الشكر لوزارة المعارف في مصر، لإقدامها على تأليف لجنة خاصة لدرس وسائل تيسير قواعد الصرف والنحو، ولفتحها باب الدرس والمناقشة في هذه الوسائل، أرى من واجب الصراحة أن أقول: إنى قرأت التقرير الذي وضعته هذه اللجنة بشيء كثير من خيبة الأمل ... لأنى لاحظت أن المقترحات الواردة فيه ضيقة النطاق جداً، وليس من شأنها أبداً أن تؤدي إلى (تيسير) مهم ...
فاللجنة المحترمة لم تتطرق في تقريرها إلى شيء من المسائل التي عرضتها في مقالي الانتقادي، ولم تنتبه إلى النقائص المهمة والأغلاط العظيمة المندمجة في خطط التبويب والتعريف، ولم تقدم على إنعام النظر في طرق التقسيم والتصنيف ...
فأستطيع أن أقول إذاً، إنها لم تتخلص من النزعة العامة التي أشرت إليها وإلى أضرارها، ولم تخرج على المسالك الملتوية التي شرحتها وانتقدتها ...
فجميع الملاحظات الانتقادية المسرودة في مقالي عن (كتب قواعد اللغة العربية) تنطبق على أبواب (الصرف والنحو) التي اقترحتها اللجنة المحترمة أيضاً ... وفي الواقع أن اللجنة قد صرحت في تقريرها أنها قدمت اقتراحاتها كخطوة أولى في سبيل التيسير إذ قالت ما يلي: (وقد اتصلت اجتماعات اللجنة للنهوض بهذه المهمة التي وكلت إليها حتى انتهت إلى طائفة من الاقتراحات ترفعها الآن إلى الوزارة، لا على أنها المثل الأعلى لما ينبغي الوصول إليه من تيسير النحو والبلاغة، بل على أنها خطوة معتدلة موفقة في سبيل التيسير قد تتاح بعدها خطوات أدنى إلى التوفيق وأقرب إلى الكمال... )
فقد يقال - نظراً إلى هذا التصريح - إن النقوص والأخطاء التي كانت موضوع مقالي السابق، ربما كانت من جملة المسائل التى لاحظتها ودرستها اللجنة وتركتها إلى الخطوات التالية لاعتقادها صعوبة معالجتها في الخطوة الأولى من خطوات التيسير ...
غير أني اعتقد أن الخطوة الأولى يجب أن ترمي إلى معالجة (أهم المسائل من حيث مقتضيات العلم والتعليم، وأسهل الاصلاحات من حيث العمل والتنفيذ) كما اعتقد أن النقوص والأخطاء التي أشرت إليها أكثر خطورة وأسهل معالجة من الأمور التي اقترحتها اللجنة. فأقول بهذا الاعتبار أن معالجة هذه النقوص وهذه الأخطاء يجب أن تكون أول خطوة من خطوات التيسير والاصلاح
ولهذه الأسباب أتقدم إلى أعضاء اللجنة المحترمين برجاء خاص أن ينعموا النظر فى المآخذ التي عرضتها فى مقالى السابقين بنظرة متجردة عن تأثير الألفة المخدرة؛ ولا أشك في أنهم عندما يفعلون ذلك يسلمون بأن قواعد اللغة في حاجة إلى معالجة وتيسير وإصلاح من النقائص التي ذكرتها آنفاً قبل سائر النواحى ...
- ٢ - بعد هذه الملاحظات العامة التي أنتقد بها اللجنة لعدم تطرقها إلى الأبحاث المهمة يجب علي أن أنتقل إلى المسائل التى عالجتها اللجنة المذكورة فأبدى رأيى فيها ...
إننى أؤيد معظم آراء اللجنة ومقترحاتها، غير أنى أرى نقصاً في بعضها وخطأ في البعض الآخر
أولاً - حللت اللجنة أهم أسباب الصعوبة التى اكتنفت قواعد اللغة العربية فقالت:
(وقد لاحظنا أن أهم ما يعسِّر النحو على المعلمين والمتعلمين ثلاثة أشياء:
أولاً - فلسفة حملت القدماء على أن يفترضوا ويعللوا ويسرفوا في الافتراض والتعليل
(الثاني - إسراف فى القواعد نشأ عنه إسراف فى الاصطلاحات.
(والثالث - إمعان في التعمق العلمى باعد بين النحو وبين الأدب ...
(وقد حاولنا أن نخلص النحو من هذه العيوب الثلاثة، فبرأناه من الفلسفة ما وسعنا ذلك. ومحونا منه الافتراض والتعليل اللذين لا حاجة إليهما، وقاربنا بين أصوله وقواعده. فضممنا بعضها إلى بعض، كلما وجدنا إلى ذلك سبيلا)
إنني أشارك اللجنة في هذه الملاحظات، غير أننى أرى من الضرورى أن يضاف إلى هذه العوامل الثلاثة عامل آخر، ربما كان أفعل من جميعها في توعير المسالك وتوليد الاخطاء: هذا العامل هو النزوع إلى اعتبار مسائل الأعراب الغاية القصوى من دراسة اللغة، والاهتمام بالأحكام النحوية وبمواطن الأعراب أكثر من الالتفات إلى المعاني المقصودة ومواطن الاستعمال، كما شرحت ذلك وعللته فى مقالى الأخير. إننى اعتقد أن التخلص من هذه النزعة ومن نتائجها، من أهم الأسس التى يجب أن تبنى عليها محاولات التيسير والاصلاح ..
ثانياً - تقترح اللجنة ترك فكرة الجملة الاسمية والجملة الفعلية، وحذف تعبيرات الفاعل ونائب الفاعل والمبتدأ والخبر، واستبدال
هذه التعبيرات المختلفة بكلمتى الموضوع والمحمول (حسب اصطلاح المناطقة)
وأنا لا أرى في ذلك وجهاً للتيسير، بل أعتقد أن هذه الخطة تزيد الأمر صعوبة، كما أنها تخالف طبيعة اللغة العربية مخالفة واضحة ...
وذلك لأن تفهم المبتدأ والخبر، وتمييز الفعل والفاعل، أسهل بكثير من تفهم المحمول والموضوع وتصورهما. كما أن تقسيم الجملة إلى اسمية وفعلية أكثر انطباقاً على خصائص اللغة العربية :
إذ من المعلوم أن بعض اللغات محروم مما يشبه الجملة الاسمية، لأن كلمة جملة فيها تحتوى على فعل، ولو كان من النوع الذي يدل على الكينونة والصيرورة؛ غير أن اللغة العربية لا تدخل في عداد تلك اللغات، لأنها تساعد على تكوين جمل بدون أفعال؛ فتمييز الجمل الاسمية من الفعلية، ودرس كل منها على حدة، يكون أقرب إلى طبيعة اللغة العربية، وأوفق لمقتضيات أصول التدريس ...
ولا أرانى في حاجة إلى القول بأن درس كل نوع من هذين النوعين من الجمل على حدة، لا يعنى عدم إجراء مقارنة بينهما ... لأن التمييز بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية لا يمنعنا من لفت النظر إلى المشابهة الموجودة بين الفاعل والمبتدأ، من حيث المعنى ومن حيث الاعراب ... ولا أشك في أن الاقدام على مثل هذه المقارنات مما يضمن لنا الحصول على الفوائد المتوخاة من التقريب، دون أن يعرضنا للمشاكل التي تتولد من المزج والادماج ...
ثالثاً - تقترح اللجنة توحيد الاصطلاحات المتعلقة إلى بحركات البناء والاعراب، كما تقترح حذف الأعراب التقديرى والمحلى ..
إننى أحبذ ذلك كل التحبيذ؛ غير أننى أطالب بأكثر من ذلك فأقترح حذف الابحاث المتعلقة بحركات البناء حذفاً تاماً. لأننى لا أرى فائدة عملية أو علمية فى البحث عن هذه الحركات. ان حركة الحرف الأخير من الكلمة تكتسب خطورة كبيرة في المعربات، نظراً لتحولها حسب موقع الكلمة من العبارة
وعلاقتها بالكلمات التي تسبقها وتليها؛ وأما حركة الحرف الأخير فى الكلمات المبنية، فلا تمتاز عن حركات سائر الحروف امتيازاً يستوجب إنعام النظر فيها بوجه خاص .. فإذا عرف الطالب مثلاً - أن (اجلس) فعل أمر، وكلمة (علم) فعل ماض، وكلمة (منذ) حرف، وعرف في الوقت نفسه أن الحروف وأفعال الأمر والماضى من المبنيات ... فلا يجنى أية فائدة عملية، من ملاحظة حركة الحرف الأخير في هذه الكلمات؛ وربما استفاد من الانتباه إلى حركة الحرف الثانى أكثر من ذلك، لكثرة وقوع الخطأ فيها ..
فيكفي الطالب أن يعرف الكلمة، ويلاحظ عملها في العبارة دون أن يتوغل في تعيين حركة بنائها ..
فعندما نسعى إلى تمرين الطلاب على تحليل العبارات، يجب أن نطلب إليهم أن يعينوا نوع كل كلمة من كلماتها .. ويذكروا الوظيفة التي تقوم بها في العبارة كل واحدة منها. وأما إعرابها في المعنى المصطلح والبحث فى حركة حرفها الأخير، فيجب أن ينحصر فى المعربات منها.
وأعتقد أن هذه الخطة تخلص المعلمين والمتعلمين من إتعاب الذهن وإضاعة الوقت في أمور غير مجدية، وتضع حداً للملل الذي يغشى درس اللغة العربية في أكثر الأحيان . (بغداد)
