الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 166الرجوع إلى "الثقافة"

من أجل كلمة !

Share

طالت المنافسة بين الأسرتين القديمتين ، أسرة الهايسبرج وأسرة البوريون ، على السيادة الأوربية ، وانتشبت بينهما الحروب ، واحتدمت الملاحم في ميادين السياسة وساحات الوغى ، حتى أثخنتهما الجراحات ، ونال منهما الكلال والاعياء ، وفي اللحظة الأخيرة أدرك الخصمان العنيدان أن هذا الصراع العنيف لم يعد عليهما بطائل ، و أنه مكن الأسرات الناشئة من الظهور والاعتلاء

وخطر ببال ذوي الرأي من أمراء الأسرتين أن الانفاق بينهما وإزالة اسباب الخلاف خير من التمادي في الخصومة العقيمة وإذكاء النيران القديمة . ولمح السياسيون وميض هذه النزعات ، فأخذوا يعملون على تحقيق هذه الرغبة ، وكان في طليعتهم السياسي النمساوي الخطير كونتز والسياسي الفرنسي القدير شوازيل ، وكان الأول مستشار الملكة مارياتريزا ، والثاني كان صاحب الكلمة المسموعة والرأي المتبع في بلاط الملك لويز الخامس عشر .

ولكي يزداد الاتفاق بين الأسرتين قوة و دواما اتفق الرأي علي أن يتزوج ولي عهد فرنسا وحفيد الملك لويز الخامس عشر الأميرة الممساوية ماري انطوانيت ، وتمت مراسيم العقد وحفلات الزواج في سنة ١٧٧٠ .

وعند مجيء الآميرة ماري انطوانيت إلي بلاط فرساي كانت الملكة قد ماتت منذ عامين ، وكان المنظور ان ينتقل نفوذها إلي بنانها الثلاث كريمات الملك لويز ، وعن مدام ادلييد ومدام فيكتوار ومدام صوفي ، ولكنهن لم يكن راجحات العقل ساميات اللب ، بل كن على النقيض قصيرات الرأي مملات حاقدات ليس لهن أي تأثير على والدهن المتهالك على اللذات الحسية والشهوات الوضيعة،

ولم يرهب أحد مكانتهن ولم يرج إنسان نفعهن ؛ ولذا هان أمرهن ، وضعفت مكانتهن ، وكانت مدام دي باري آخر حظيات الملك لويز في أوج مجدها وقمة نفوذها ، وقد وقع الملك في قبضتها وكان زمامه في يدها تصرفه كيف تشاء . وكان الملوك والأمراء والأعيان يغدقن عليها الهبات ويتعلقونها ويتوددون إليها لأنهم يعلمون أنها تستطيع عزل الوزراء ومنح المناصب الكبيرة التي تدر المرتبات الضخمة ، وأن في استطاعتها أن تبذر أموال الدولة ونبتئ القصور حين تشاء .

وساء نجاحها الوزير شوازيل فأخذ يكيد لها ويغري بها الصحف والمجلات ، واتسع نطاق حملة التشنيع والهجاء ، فلم يثر ذلك غضبها . ولما قال لها كبير الشرطة : " لقد قبضنا ياسيدتي على رجل نذل يتغني بأبيات من الشعر بذيئة نظمت في هجائك ، فاذا تريدين أن نصنع به ؟ " أجابته : " دعه يغني لك هذه الابيات وتصدق عليه بعد ذلك بشئ يمسك رمقه" وامعن الوزير شوازيل في تحديها فازالت نفوذه ، واقتلعته من منصبه ، وجعلته عبرة لغيره .

وقد استرعى في بلاط فرساي نظر الاميرة ماري انطوانيت من أول وهلة ، فسألت أحد رجال البلاط : " ما وظيفة هذه السيدة ؟ "

فأجابها : " وظيفتها إمتاع الملك " ! فقالت ماري انطوانيت في بساطة ملحوظة : " إني أستطيع أن أحل محلها "  .

ولكنها علمت فيما بعد عن هذه السيدة ما فيه الكفاية . وكانت مجرد رؤية مدام دى باري تحزن الأميرات بنات الملك وتثير نقمتهن . وكانت الفضيلة التي أكرهتهن الظروف على التعلق فيها تدفعهن إلى التبرم بهذه الحالة ، وكان عملهن من الصباح إلى المساء هو تحت أثلة مدام دي باري ، وقد بذلن جهدهن في أن يحشرن ماري انطوانيت في زمرتهن .

وكانت التقاليد المرعية في البلاط الفرنسي تقضي بأن لا يبدأ الصغير الحديث مع الكبير إلا إذا بدأ الكبير الحديث . وكانت ماري انطوانيت تعد أ كبر سيدات البلاط مقاما ، لأنها حرم ولي العهد . وكانت مدام دي باري تنتظر أن تسمع من بين شفتي الاميرة ماري هذه الكلمة . وكانت ماري تضن بتلك الكلمة ؛ ونمى ذلك إلى علم الملكة مارياتريزا ، فأوصت وزيرها كونتز أن يرسل إلى وزير النمسا المفوض في فرنسا ( مرسى ) بأن يذكر ماري بواجباتها السياسية ، وأن ينصحها باظهار الرعاية لمن لهم مكانة عند الملك ، سواء كانوا جديرين بها أو لا ؛ ولكن ماري ظلت ملتزمة سياسة الصمت .

وكانت مدام دي باري تود أن تعترف لها ماري أنطوانيت وتشعر بوجودها ، وكبر عليها أن تتجاهلها هذه الفتاة الغريرة التي لا تكاد تجيد الحديث باللغة الفرنسية ، و أن تستهين بها ، وتجعلها أضحوكة لرجال القصر ، ومضغة في أفواه الحاشية .

ولكن ماري ركبت رأسها ومضت في سنتها ، ولم تكن مدام دي باري امرأة نكداء خبيثة شرسة ، أو مطبوعة على الدس والإيقاع ، وإنما كانت امرأة طروبا ، لا يضمر قلبها السوء ، ولا يعرف الحقد ، وكانت مأنوسة المحضر محبوبة القرب ، غاية في الملاحة والصباحة . وقد اتفق مرة أن زارت الوزير شوازيل لأمر من الأمور ،

فلمحها الملك لويز ، وكان لا يني يترقب فريسته ، ويطلب صيدا ، فاسترعي نظره جمالها الباهر وحركاتها الرشيقة ، وسعي وسطاء المسرات بينهما ، وكان الطريق معبدا ، فقبلت في سرور وارتياح أن تشغل المكان الذي خلا بوفاة مدام دى بومبادور منذ سنوات ، وتطلعت إلي الفرائد والحلى ، وكانت بهما مشغوفة ، وأحبها الملك ، وفتن بها من أول لقاء لأنها لم تتكلف شيئا ، ولم ترتد ثياب البراءة والقداسة لتتملقه ، وتترضي كبرياءه ، وإنما جرت على

طبيعتها ، وكشفت له عن حقيقة نفسها .

وكانت مدام دي باري تحب الاعتراف بقوتها ، والاستمتاع بمكانتها السامية ، وأن تلبس أفخر الثياب ، وأثمن الجواهر ، وأن تكون لها العربات الفخمة التي تجرها الجياد المطعمة ، ولم يضن عليها أسير هواها بشئ من ذلك ، فقد كانت عنده مستجابة الدعوات ، ملباة المطالب.

وتحلق رجال القصر وسيدات البلاط حول هذه المعركة المسلية القائمة بين المعتصمة بالصمت الشامخة المتعالية والأخرى التي يكاد يستطيرها الغضب وتنفجر الدموع من عينها ؛ فأيهما تكسب المعركة ، وتنتصر في النهاية ، ولية عهد فرنسا وملكتها المقبلة ، أو حظية الملك وفاتنة لبه ؟

لم تشهد فرساي مثل هذه المعركة منذ سنين . ولما اشتدت الحالة ، وتعقدت الازمة ، اهتم الملك اهتماما جديا بالموضوع ، وكان قد تعود أن يطاع بمجرد الاشارة ، ولكنه لقي معارضة لأول مرة من فتاة ناشئة بلهاء .

وكانت الخطة الواضحة القريبة أن يدعو إليه هذه الفتاة الشموس الحرون ، وأن يفاتحها في الأمر ، ولكن حتي هذا الساخر اللاعي السادر في لذاته كان فيه بقية من التردد ومراجعة النفس ، فلم يجترئ علي أن يأمر زوجة حفيده أن تتنازل وتخاطب عشيقته ، فحول المسألة إلى الناحية السياسية ، واستدعي السفير النمساوي  (مرسي)  عن طريق وزارة الخارجية ، وحضرت الاجتماع مدام دي باري ،

وأوضحت للسفير أن ماري انطوانيت قد أساءت معاملتها ، وأنها لا تنطوي لها إلا على الخلاص والتقدير ، وحار السفير في الأمر ، وتكلم كلاما عاما غامضا ، وتحدث الملك في صراحة عن ماري أنطوانيت ، فقال إنها صغيرة السن متوثبة الروح ، وانها قد زوجت من رجل لم يستطع

أن يسيطر عليها ، وانها أصبحت ألعوبة في يد عصبة من مستشاري السوء ؛ وأشار عليه ان يبذل جهده ويستعين بنفوذه فحمل ماري علي تعديل سلوكها . وقدر مرسى خطورة الموقف ، وأرسل إلي بلاط فينا رسالة مسهبة أوضح فيها بلمسات لطيفة من ريشته أن مدام دي باري لا تريد إلا ترضية يسيرة ، وهي أن تخاطبها ولية العهد بكلمة أمام الناس . وقبل أن يتلقى الرد زار ماري انطوانيت وخاطبها في الأمر ، وشرح حديثه بشيء من التهديد ، واشار إشارة خفية غامضة إلى " السم " الذي كان يستعمل في البلاط الفرنسي للخلاص من كل شخص في مكانة عالية غير مرغوب في بقائه ، وصارحها أن مثل هذه المسألة قد تحدث صدعا في العلاقات بين الهايسيرج والبوريون ، وتفسد ذلك الاتفاق الذي رمت إليه والدتها وجعلته هدف حياتها وأساس سياستها

وأخاف هذا الحديث ماري أنطوانيت ، وأثار شجونها ، فوعدته بأنها ستقول تلك الكلمة في وقت قريب ؛ فخرج فرحا مسرورا معتقدا أنه قد وفق في معالجة المشكل وإزالة أسباب الخلاف .

وذاع في القصر أن مارى أنطوانيت ستنطق بالكلمة المنظورة في ختام إحدي الحفلات المسائية . واتفق علي أن يبدأ السفير الحديث مع مدام دي باري ، ثم تجيء ولية العهد وتتحدث إليه ، ثم تنتقل من الحديث معه إلى مخاطبة مدام دي باري بالكلمة الموعودة ؛ ورتب الأمر ترتيبا دقيقا ؛ ولكنه لم ينفذ ، وخاب المسعى ؛ وذلك لأن الأميرات كريمات الملك تدخلن وأبين ان تنتصر مدام دي باري عدوتهن انتصارا علنيا ، فلما أقبلت باري على البهو وأخذت تنثر التحيات ، وتوزع الابتسامات ، وكانت تطيل الحديث عمدا مع بعض الحاضرين ؛ وكادت تتم الدورة ، ولم يبق بينها وبين مرسى ومدام دي باري

إلا سيدة واحدة ، وإذا بمدام أدلييد تسرع إليها في اللحظة الحاسمة - وكانت أشد بنات الملك حقدا على مدام دى باري - وقالت لها بلهجة الآمرة : " لقد حان ميعاد الانصراف ، وسنذهب إلي مخدع شقيقتي فكتوار لننتظر قدوم الملك ". وكانت مفاجأة لماري أطارت صوابها ، وأفقدتها شجاعتها ، ولم تسعفها البديهة بشيء تخاطب به مدام دي باري ، فعادت أدراجها مرتبكة غير عالمة بما تفعل ، ولم تنطق الكلمة الموعودة ، وفسد التدبير وساء الموقف ، وتحرجت الأزمة ، وطرب الناخفون في الشر ودعاة الفتنة ، وغضب لويز الخامس عشر لغضب حظيته ، وقال للكونت مرسى بمرارة : " يظهر أنك لم تصنع شيئا ، ولا بد أن أسعفك وأهينك " . واشتد

غضب مدام دي باري ، وتداعت أركان الاتفاق بين النمسا وفرنسا ، واستهدف سلام أوربا للخطر ، وأخطر السفير البلاط النمساوي بخطورة الأمر ، وفداحة الخطب ، ولم يبق إلا أن تتدخل ماريا تريزا بنفوذها ، لأنها هي الوحيدة التي تستطيع كبح جماح هذه الثائرة ؛ واضطربت الملكة وساورها القلق ، وقد حرصت في باديء الأمر على أن تبعد ابنتها عن المسائل السياسية ، وتجنبها مزالقها ، لأنها كانت تعلم سوء أحوال فرنسا الداخلية ، ولا تود أن تحمل ابنتها أوزارها ، وفضلا عن ذلك كان يشغل بالها في تلك الأيام أمر عام ، وهو تقرب فردريك الاكبر ملك بروسيا وكاترينا الروسية من البلاط النمساوي !

وكانت هي تكره فردريك وتخشى شره ، ولا تثق بالملكة كاترينا ، وكانا يرميان من وراء التقرب من النمسا إلى استدراجها إلى الاشتراك فى تقسيم بولنده ، وقد استطاعا أن يجتذبا إلي رأيهما السياسي كونتز والملك جوزيف ابنها ، ولم يكن ضميرها مطمئنا إلي هذا التقسيم المشئوم لاعتقادها أنه عمل ظالم ، وأنه جريمة منكرة ؛ وساءها

أن يرضي ذلك ابنها الطموح ، وان يؤيده ويشد أزره صنيعتها كونتز الذي رفعته من الحضيض ، وأنالته المجد والسلطة ؛ وكانت تشعر بخيبة أمل شديدة ، وتود أن تعتزل الملك ، لولا شعورها بالتبعة الملقاة على عاتقها ، وخوفها على مصير الامبراطورية ؛ وكانت قد اضطرت إلي إقرار الاتفاق اضطرارا ، لالحاح ابنها وشدة ضغط وزرائها؛ وكانت تتساءل : هل يرضي هذا الاتفاق فرنسا ؟ وهل برتاح له لويز الخامس عشر بعد عقد الاتفاق وتوثيق العلاقات بين البوريون والهايسبرج ؟

و وافاها كتاب مرسي وهي تعاني هذه الحالات ، وتفكر هذا التفكير ، وعلمت من الكتاب أن الملك لويز جد مستاء ، وأنه اظهر استياءه للسفير النمساوي ؛ والآن بسبب امتناع ماري انطوانيت عن التحدث إلي مدام دي باري قد يثير تقسيم بولنده أزمة سياسية ويجر إلى الحرب ؛ وإذ كانت الأم قد ضحت بضميرها من أجل السياسة ، فهل تظل ابنتها ملكية أكثر من الملك ، ومحافظة على التقاليد أكثر من أمها ، وتمتع عن مخاطبة حظية اللك ؟

بادرت الملكة مارياتريزا إلي إرسال كتاب إلي ماري انطوانيت أشد لهجة ولم تشر فيه بطبيعة الحال إلى مسألة تقسيم بولندة ، أو غير ذلك من شئون الدولة ، وإنما ذكرتها أن من واجباتها إرضاء الملك ، والخضوع لمشيئته ، وليس في الأمر ما يمس الشرف ، ويزري بالكرامة ، ولا تطلب المسألة أكثر من كلمة عابرة وابتسامة بسيطة لتسوية الموقف وتصفية الجو .

فخضعت ماري انطوانيت ولان عصبها ، فقد كانت على عصيانها وتمردها لا تجسر على مخالفة أمها ، فصممت على التسليم ، وقبول الأمر الواقع .

وفي اليوم الأول من سنة ١٧٧٢ ظهر أثر ذلك التصميم على التسليم وإتقاء السلاح ، وانجلاء الموقعة من

انتصار مدام دي باري ، وأعد المسرح لشهود الحادثة ، واجتمع النظارة من رجال البلاط ونسائه ، ومرت سيدات البلاط على ولية العهد ، ومن بينهن مدام دي باري ، وحبس الجميع أنفاسهن ليسمعن الكلمة الموعودة ، فلما جاء دور مدام دي باري حولت الملكة وجهها إلي ناحيتها وقالت لها: "فرساي حافلة اليوم بالناس " ولم تستطع أن تقول أكثر من ذلك ، وكان لهذه الكلمة التافهة وقع عظيم في الدوائر السياسية ، والبلاطات الأوربية ، فقد خاطبت ولية العهد حظية الملك ، فحقنت الدماء ، وتحسنت العلاقات المتوترة بين فرنسا والنمسا ، وزالت العاصفة ، وصفا الجو ، وعائق الملك ولية العهد ، وشكرها الكونت مرسى متأثرا متهدج الصوت ، وتخطرت مدام دي باري في أبهاء فرساي تخطر الطاووس ، واشتد حقد الأميرات كريمات الملك ، وهاج البلاط وماج ، وهزمت ماري انطوانيت وانتصرت مدام دي باري .

وفي الحق أن هذه الكلمة التافهة التي أرسلتها ماري انطوانيت كانت بعيدة الأثر ، كانت هذه الملاحظة العابرة هي الخاتم الذي طبعت به جريمة سياسية من جرائم التاريخ الكبرى ، وكانت الثمن الذي تقاضاه الملك لويس الخامس عشر ليقبل تقسيم بولندة ، ولاول مرة قبلت ماري انطوانيت الهضيمة ، واعترفت بالهزيمة ، وخفضت رأسها الأشم الذي لم ينحن بعد ذلك إلا أمام المقصلة .

قالت ماري بعد ذلك لمرسى : " لقد ألقيت إليها هذه المرة بهذه الكلمة ولكنها لن تسمع صوتي مرة أخري". وصارحت والدتها بذلك ، وعبثا حاول مرسي والملكة ماريا بعد ذلك حملها على تغيير هذا السلوك ولكن لم يجد معها الارهاب ولا الترغيب.

ولم تكن مدام دي باري حاقدة علي ماري انطوانيت ، وإنما كانت مجروحة الاباء ، وقد التمست هذه الترضية

البسيطة لتضمد جراحها ، وخجلت بعد ذلك من انتصارها ، وكانت تعلم جيد العلم أن قوتها قائمة على قواعد غير مكينة ، فقد كان سيدها الملك متقدما في السن ، وقد تودي بحياته نوبة من نوبات الصرع ، وتصبح ماري انطوانيت ملكة فرنسا ، وتستطيع إرسالها إلى سجن الباستيل ، وكانت تتحري بعد ذلك أن تظهر في اجتماعات القصر المسائية ، وكانت ماري تتعمد إهمالها ، وهي تحتمل ذلك صابرة ولا تظهر ضجرا ولا حقدا ، وكانت ترسل لماري التحيات التي تعبر عن ولائها وإخلاصها ؛ وحاولت اجتذاب رضاها باطرائها عند الملك ، ولما لم يصلح ذلك كله فكرت في أن تقدم لها هدية ثمينة ، وكانت تعرف ولوعها باقتناء كريم الجوهر ، وثمين الحلى ،

وكاشفت إحدي الوصيفات بذلك وكلفتها بإبلاغ الأمر إلي ماري انطوانيت ، فلم تتنازل ماري إلي الرد عليها ، فقد صممت على الترفع عن مخاطبة المرأة التي أذلتها علانية ولو قدمت لها جواهر الأرض جميعها . وما حاجتها إلي كريم الجواهر ونفيس الحلي وهي ستلبس عما قريب تاج فرنسا الذهبي ؟ وتعزت مدام دي باري من ذلك بقولها : " ولية العهد تأبي مخاطبتي ، ولكن لا بأس لقد ملكت كل شئ غير ذلك".

لقد جمع بينهما القدر بعد ذلك في وحدة المصير المحزن ، فكلتاهما ماتت تحت المقصلة وذهبت ضحية الثورة الحاطمة.

اشترك في نشرتنا البريدية