الخميس " ٩مايو سنة ١٩٤٠ - سنسافر إلى فرزلند يوم السبت لزيارة جدى وجدتى ولتمضية يومين ، وذلك لو تمكن والدى ( الطيب البطرى) من مرافقتنا جاء عمى بيتر ليشرب القهوة معا بعد الغداء ، وقال إننا سنشارك فى الحرب على الرغم من كل ما يقال ، فأجاب أبى إنه جنون ، سألتهم أمى الكف عن حديث الحرب ، وقال عمى بيتر مما يدعو إلى الأسى ألا يهتم بما حدث ، واستكفى قائلا : اعتبروا مما حدث فى الدعرك والنرويج وكانت معه بطاقة مطبوعا عليها " ماذا نفعل ؟" يجب أن أكتب موضوع إنشاء للغد من ١٥٠ كلمة من حياة أراسمس , وكم أفى الذهاب إلى مدرسة لا يعلمون فيها اللاتينى .
الجمعة ١٠مايو - حدث شئ فظيع فى الليلة الماضية فقد بدأت الحرب ، وكان عمى بيتر على حق ، وأنا أكتب هذا فى مخبأ البارون ، ولا يوجد الكثير من المخابئ هنا ، ولكن البارون ومنرو كلايس وأبى انشأوا هذا المخبأ لنا ، وقد قال كل الجيران فعندئذ إن فى ذلك مضيعة للمال . واستيقظت قبل الفجر على أصوات انفجارات وصراخ الأهلين ، وأمرنى أبى بلبس معطف والاسراع ,
وكانت ألسنة اللهب تندفع نحو السماء ترافقها الأنوار الكشافة ، بينما تطلق صفارات الانذار بعف . وكان الملجأ مليئا بالناس يرتدون المعاطف فوق لباس النوم . وبدأت كينج ( أختى وهى فى التاسعة من عمرها ) تبكى ، فهمس والدى فى أذنها وقبلها . فكفت ثم نامت بين ذراعيه . وأعلن المذياع الحرب ، وأمر الجنود الاحتياطين بتقديم أنفسهم للسلطات العسكرية . وكانت القنابل تنهال علينا طوال الوقت ... بوم ... بوم ... ووضع أبى كينج فى أحضان أمى وخرج ، ثم عاد مرتديا ثيابه حاملا القناع الواقى وحقيبة ، وقبل وأمى وكينج بحرارة ، ورحل . وأوصته أمى أن يحترس لنفسه .
وعند ما نادى المذياع بانتهاء الغارة كانت الشمس تشرق على يوم صحو جميل ، فعدنا إلى منزلنا ، وكان على أمى أن تسرع بالذهاب إلى المستشفى إذ كانت رئيسة قسم الأطفال هناك ، وكان ابي يؤنبها لأرهاقها لنفسها فى العمل ، بينما لم يكن هناك ما يدعوها إلى ذلك ، لكن امى كانت تقول دائما إنهم فى حاجة إليها .
وكان القوم على طول الطريق يملأون الغرارات بالرمل والقاذورات يحمون بها بيوتهم . وعدت وكينج وبرندا ( الخادم ) إلي المخبأ عند ما عاد مجهير فان هلست قائلا طائرات هيكل
عادت ، وكان الصوت أفظع من المرة الأولى ، وأمسكت بيد كينج التى كانت تضغط يدى حتى آلمتها ، واهتزت الحجرة مرة إلى الأمام والخلف ، ثم أفرغ طفل ما فى أمعائه ، وعند ما انطلقت صفارات الأمان خرجنا ، وقد أصابت قنبلة منزل مجنهير شايمان ، وقال أحدهم إنه قتل ، وإن ابنته أصيبت وقد حملها رجال الاسعاف إلى المستشفى .
وعاد المذياع فقال إن الألمان يهبطون بالهابطات ، وطلب من الأمان السلم ، فأمرنا باستورأيزومر بالتطلع إلى السماء فوجدنا الفراغ الذى يعلو المطار مملوءا بمظلات بيضاء تهبط . وحوال العادرة عادت أبمى من المستشفى ، وقالت إنهم يرحلون الأطفال المرضى الى داخلية البلاد بعيدا عن القنابل ، وإنها ستعود المستشفى فى أقرب فرصة ، وإن عمى بيتر سيحضر إلى منزلنا وظللنا ملتفين حول المذياع الذي قال إن جنود المظلات الألمان يرتدون ثياب الجنود الهولنديين ، وإن بعضهم هبطا فى جنوب هولندا ، وهم في ثياب سوداء وقبعات عريضة ، وهي ثياب النفس الهولندين . فاهتز باستور أيزومر من الغضب ، وفكرت فى استاذى وفى موضوع الانشاء عن حياة أراسمس ، وتمنيت لو لم أكتبه ؛ فقد كان استاذى محارب ، لكن ربما لا تطول الحرب وهو لا ينسى قط .
وعادت أمى عند الغروب ، كما جاء عمى يبتر بعد العشاء بادى الحزن وقال إنه رأى جنود المظلات يهبطون بالمئات ، وإن الطائرات الأمانية تنزل الجنود فى المطار وهى تذهب وتعود كقطارات البضاعة . وقال البارون أن هذا مستحيل ، وكذب كل الرجال عمى بيتر لكنه قال إنه رأهم بنفسه ، ونامت كينج أخيرا ، وبدأت غرة اخرى ، وكان صوتها اكثر إزعاجا من الرعد ، مما سبب لى الصداع واضطراب المعدة . وجلست كينج فى فراشها خلال الغارة بين النوم واليقظة ، وطلبت وقف تلك الأصوات . وأخيرا عاد الصمت ، وتناول البارون يدى واتجهنا إلى زريبة الحيوانات :
وصار ينادى الجياد بأسمائها وبعض الأبقار . وأخبرنى أن الخوف جعل من الصعب حلب الأبقار . وكانت الجياد تصهل برقة فى صوت يشبه بكاء كينج خلال نومها . وقال عمى بيتر أننا لن نحتمل يوما اخر كهذا اليوم ، وبدا الأعياء والصمت على وجه أمى ، وكانت طبعا تفكر في أبى ، وإن لم تقل . إلا أنه يجب ألا يظهر علينا ، الخوف تشجيعا للآخرين .
السبت ١١ مايو - وهذا يوم سئ اخر ، فقد ازدادت الحرب فظاعة ، وقد أقبل النساء ونحن فى الملجأ ، وكان الناس أمس لا يدرون ما يفعلون . أما اليوم فقد كنا نملأ الغرارات بالرمل ونحفر الخنادق . وكان منظر الناس مضحكا وضعوا غلايات الماء فوق رءوسهم تحميهم من شظايا القنابل ، وقد رأينا عصر اليوم أول جندى من جنود الهابطات ، فقد نزل خلف ( زربية ) البارون ، فأخرج مجنهير فان هلست مسدسه ، وأسرع نحوه وأطلق الرصاص ثلاث مرات ، ثم عاد بادى الحزن ويداه
ترتجفان ، فقد كان كهلا طيبا لم يعتد قتل الناس . وألقت طائرة ألمانية منشورات ، وأحضر ماكس بلوك أحدها إلى المخبأ ، فقرأنا فيه إن الألمان جاءوا كأصدقاء ، وإنهم يأسفون لما يحدث ، لكن يجب حمايتنا من الأنجليز والفرنسيين ،
مما أضحك الجميع أولا ، ثم أثار غضبهم . وقال المنشور بأنه من الحمق الإستمرار فى المقاومة بينما هزمت البلاد تماما ، ثم سأل المنشور : لماذا نحارب أصدقاءنا الألمان ؟ وقال مجنهير فان هلست وهو يبصق .( أصدقاءنا الألمان ). ولم نر أمى طوال اليوم ، وسمعنا المذياع قبيل العشاء يقول إن غرب هولندا أغرق بالماء لكن الألمان يتقدمون باستمرار مستعملين زوارق من المطاط ، وقد أسقطت طائرة وجدوا بها كما قال المذياع جوادا طلبه القائد الألمانى لاستعراض النصر .
فيما بعد - نفس اليوم - بدأت أسوأ الغارات جميعا ، وقد امحى من الوجود أكثر من نصف منازل شارعنا ، وقد سقطت قنبلة ولم تنفجر بجوار المخبأ ، وذهب البارون وآخرون لاتلافها ، وبكى منرو هارتوج مما أثار أعصاب الجميع ، قتل هنتج كلايس ، فقد خرج لمشاهدة النيران الهائلة ولم يعد إذ نسفته القنابل ، كما قتل ثلاثة رجال وهم يحاولون إتلاف قنبلة لم تنفجر ,
وكان أحدهم وكيل مكتب البريد ، وكنت أحبه جدا ، إذ هو الذى علمني ركوب الدراجات . ومن المؤلم رؤية القوم الذين نسفت منازلهم ، إنهم لا يفعلون شيئا ، بل يسيرون بادبى الحزن .
وقد مات اثنا عشر شخصا من حينا أعرفهم جميعا ، لا سيما هتنج . وكان البعض يصلى طوال الوقت ، بينما يقف آخرون ، ويجلس الباقون محملقين . وصليت لأجل والدى ، وأرجو أن يكون الله قد سمع صلاتى علي الرغم من كل هذه الأصوات المزعجة ، وقد ذهب عمي بيتر إلى المستشفى للبحث عن أمى ، فقد تأخرت وبدأنا نقلق عليها وأعتقد أنه سيعثر عليها . وكانت كينج تتكلم فى نومها وتستيقظ من حين لآخر ، تسأل عما إذا كانت الحرب قد انتهت ، مسكينة كينج إنها صغيرة ولا تدرى ما يحدث ، وهو أفظع من أسوأ معركة فى السينما ، وكانت سيارات الاسعاف تروح وتغدو تحمل مئات القتلى ، مما دعانى إلى البكاء ولم يلاحظ ذلك احد لكثرة الأطفال فى المخبأ .
فيما بعد - عاد عمى بيتر دون أن يعثر على أمى لأنها ماتت ، ولم أصدق ذلك ، لكن عمى بيتر لا يكذب ، ولن نخبر كينج الآن ، وما زالت سيارات الاسعاف تعمل ، وليست لى طاقة على النوم أو الكتابة الآن .
الأحد ١٢ مابو - أكتب هذا فى الصباح ، بينما أنتظر وكينج عمى بيتر الذى سيرافقنا إلى زيلند ، إن أمكنا الرحيل . ولست أصدق أننا لن نرى أمى ثانية ، وقد قتلت أثناء ضرب المستشفى بالقنابل ، وقد حاولت الفرار من عمى بيتر عندما ساق لى النبأ المؤلم . . . حاولت الفرار إلى الشارع لمقاتلة الألمان . وظللت حادثا حتى منتصف الليل حينا سقطت القنابل ، فانهارت أعصابى
وصرخت وعضضت يد عمى بيتر واعتقد أنى جننت .
ولم تعلم كينج بعد عن أمنا ، وبدا عليها الأعياء ، وأفرغت ما فى جوفها ، فقرر عمى بيتر أنه يجب أن نرحل إلى إنجلترا . وقد مات كهلان مساء أمس أثناء إلقاء القنابل ، لكن لا منها ، بل بتأثيرها ، وقال البارون إن ذلك من حسن حظهما ، وجاءت برندا الآن بحقيابنا وعروس كينج الكبيرة ، وسألت كينج براندا عن موعد عودة أمنا ، وعما إذا كانت سترافقنا فى السفر .
فيما بعد - نحن فى دوردرشت الآن ، وهى تبعد بضعة أميال من منزلنا ، ولا يحتاج الذهاب إليها فى العادة إلي أكثر من نصف ساعة على الطريق الكبير الحديث المزدوج ، لكنها استغرقت منا اليوم ست ساعات فى سيارة عمي بيتر ( البويك ) , وقد غادرنا المنزل فى العاشرة صباحا ، وكدت أبكى ثانية ،بينما بكت كينج لأن أمى لم تحضر لتودعنا ، ولم يبد منزلنا قط أجمل مما تراءى عند رحيلنا ، على الرغم من نوافذه المحطمة .
كان الطريق مليئا بالناس بين راجل وراكب ، متجهين جنوبا بعيدا عن القنابل ، وقد جلس بعضهم على حافة الطريق وخلعوا أحذيتهم وراحوا يدلكون أقدامهم . وقد حضر بعض الأطفال فى العربات الصغيرة المملوءة أطعمة ومفروشات . وكان عمى بيتر يقود سيارته فى مهارة ، واليوم مشرق بديع ، ومما يدعو للأسى أن يحدث كل ذلك عند ما كنا نتأهب لأستقبال صيف جميل . وقد أركب عمى بيتر فى سيارته أربعة كهول .
وجاءت بعض الطائرات الألمانية حوالى الساعة الثالثة ، واندفعت خمس منها نحو الأرض حتى خلناها سنصدمها ، ثم أطلقت علينا مدافعها الرشاشة ، فاختبأنا جميعا تحت السيارة ، بينما استلقى الناس على الأرض وغاصوا فى الوحل . وظلت الطائرات فى غدو ورواح وهى تضربنا ، ثم رحلت ، فتبع ذلك هرج واضطراب شديد ، وقد جلست امرأة شابة تئن والدماء تنساب من ثقب فى رأسها فشعرت بدوار ، وشاهدنا على طول الطريق الجرحى والناس ما زالوا مستلقين على الأرض . وقد اضطر عمى بيتر مرة إلي النزول وإراحة ثلاث جثث إلي جانب الطريق حتى يتسني لنا استئناف السير ، وكم كان ذلك فظيعا ، وما أجبن الألمان الذين يقتلون الأهالى غير المسلحين ، وكم أرجو أن يسقط هؤلاء الألمان بطائراتهم فيموتوا ولا يروا وطنهم ثانية .
وعندما غدرنا الطريق الرئيسى رأى عمى بيتر طفلين واقفين متماسكين بادبى الجزع ، ولم يشآ الحديث أولا ، وكانت البنت فى طول كينج ، بينا كان الولد أصغر منها ، وحملهما عمى على الحديث بعد أن أغراهما بقطع الحلوى ، وسألهما عن أبويهما ، فقالا إنهما يظنان أنهما قد قتلا فسألهما عمى بيتر عن وجهتها ، فلم يفعلا إلا أن حملقا فيه ، فتنهد عمي بيتر وقال إن السيارة مشحونة لكن يجب زيادة أحمالها . وطوال الطريق إلى دوردرشت لم يقولا شيئا ، وظلا متماسكين ينظران إلى الأمام . أوقف جنودنا عمى بيتر عند حدود المدينة ، إذ لا يصرح
إلا للسيارات الحكومية بدخولها ، فذهب بنا عمى بيتر إلى مقهى صغير أعطى صاحبه نقودا وقال له : " أعط هؤلاء الأطفال شيئا يأكلونه ، ولا تدعهم يبعدون عن ناظرك حتى أعود ، وأنا ذاهب للعثور على باخرة إلى فلستجن" . فقال له صاحب المقهى : " لن تجد غيتك " . فقال عمى بيتر : " سأرغم تيس فورمان العجوز على العثور على واحدة " .
غاب عمي بيتر طويلا ، وعند ما عاد كان بادn السرور وقال إننا سنذهب إلى فلسنجن هذه اليلة ، وبدأ الطفل والفتاة الذين عثرنا عليهما يتحدثان بعد تناول العشاء ، وكانا من نفس مدينة دوردرشت ، وقد نسف منزلهم فى الليلة الماضية ، فأعطى عمى بيتر بعض المال لصاحب المقهى ، طالبا منه العناية بالطفلين حتى يعثر على من يعرفهما ، فأعلن صاحب المقهى قبوله المهمة ، وإن رفض أى مال أجرا على ذلك ، وفى الساعة العاشرة حان وقت الرحيل ، فسرنا فى الظلام ، وقد سقط عمى بيتر مرارا لضعف نظره ، وعند ما وصلنا إلي المرفأ وجدنا مئات الناس يرغبون فى الرحيل ، وبعد وقت طويل عثر عمي بيتر على صديقه وركبنا سفينة صغيرة .
الأثنين ١٣ مايو - استغرقت رحلتنا إلى فلستجن ساعات وسارت السفينة دون أنوار ، وكنت طوال الوقت أفكر فى أصدقائنا ، فقد كان من الظلم أن تكون فى أمان تام ، بينما هم ما زالوا معرضين للقنابل ، وأطلعت عمى بيتر على أفكارى ، فقال إننا أبعد ما نكون عن الأمان ، وقد فهمت سبب ذلك أخيرا . وكان علينا أن نمر تحت كوبرى موردجك ، حيث لا يزيد اتساع القناة على . ٥٠ ياردة ، وكان الألمان هناك بينما حارب الهولنديون طوال اليوم لاستعادته ، وأنا مسرور لأنى كنت نائما عندئذ ، ولم أعلم بذلك إلا فيما بعد . وقال عمى بيتر إننا لا نهرب ، بل نعمل ما فيه راحة كينج ، وكم سررت لأنه لم يدر إلى لأنى كنت احاول المساعدة ، وأحاول إثبات أنى لست فقط طفلا كبيرا كما بدوت عند ما أخبرني بوفاة أمى . وسنبحر إلى إن إنجلترا مساء غد ، وقد حجز عمى بيتر لنا أماكن في السفينة المبحرة ، وسننام عصر اليوم ، إذ لم ننعم بنوم هادئ منذ قامت الحرب ، أى من ثلاثة أيام ، ولو أن الفترة تبدو أطول .
الثلاثاء ١٤ مايو - هذه سفينة أكبر ، واضطررنا إلى الجلوس ، لكن عمى بيتر أخذ كينح بين ذراعيه ، وهى نائمة الآن . ( فيما بعد ) لقد نمت ساعات كثيرة ، وهاجمنى كابوس فظيع عن القنابل ، وعن قاذفة قنابل تطاردونى ، وكينج فى فزع ، ونحن مرتدون أحذية الانزلاق ونسقط دائما ولا يمكننا الهرب ، وشعرت بالبرد عندما استيقظت ، فوضع عمى معطفه الكبير حولى .
( فيما بعد ) سارت السفينة طويلا ، فسألت عمى بيتر عن موعد وصولنا إلى إنجلترا ، فقال : بعد وقت طويل ، لأنه يتحتم علينا السير فى طريق إهليلجى نتقدم ونتأخر لتفادى حقول الألغام ، ففزعت خوفا من أن نمس لغما فنغرق ، ولست أحسن السباحة ،
ولا يمكن لكينج أن تسبح أكثر من عشر خطوات ، فقال عمى بيتر إنه يحسن ألا أفكر فى ذلك ، فحاولت
فزعت عند ما سمعت انفجارا مروعا ، فقد مست السفينة التى تتقدم لغما فأنفجرت ، وحاولت سفينتنا إنقاذ الركاب من الماء , فلم يعثر القبطان إلا على القليلين ، لأنه رفض استعمال الأضواء الكشافة ، وكم كرهت الفكير فى هؤلاء القوم وهم يسبحون فى الماء البارد ، وأرجو ألا يغرفوا جميعا ، إن هذه الحرب تقتل الجميع ، وحالتى سيئة الليلة ، وربما سيصبنى دوار البحر ، لكنى أظن ذلك نتيجة الغارات والقنابل . وقد فأنى أشيد برقة كينج قيل مبارحتنا دوردرشت ، فقد أعطت عروسها الكبيرة إلى الطفلة الصغيرة ، وكانت كينج أنانية ، وأدعو الله أن يحفظ أبى ، فلا يمكننا أن نحتمل فقد أبينا بعد أن فقدنا أمنا .
الأربعاء ١٥ مايو - وصلنا إنجلترا فى الصباح ، وركبنا القطار إلى لندن وذهبنا إلى مكان يجب على اللاجئين قصده . حيث وجدنا الكثير من الإنجليز لمساعدتنا ، وبدا على بعض اللاجئين المرض . كما كان هناك أطفال بدون أهل أو أقارب أو أصدقاء . وأنا أكتب هذا فى الفندق الذى أخذنا عمى بيتر إليه ، وقد ذهب لإرسال برقية لعمى كلاس فى أمريكا ، وليزور القنصل الأمريكى . ويقول عمى بيتر إننا قد نذهب إلى أمريكا ولن يرافقنا .
( فيما بعد ) عاد عمى بيتر الآن بأخبار فظيعة ، فقد سلمت هولندا للألمان ويكاد عمى يبكى ، وأرجو أن يكون أبى بخير ، وأن يعود إلى عيادة حيواناته . وسألت عمى بيتر عما إذا كان يمكننا العودة الآن وقد انتهت الحرب ؟ فقال : إنه من المحال أن نعود ما دام الألمان هناك ، وقال : إن الموت أهون من معيش الهولنديين كالعبيد ، ولا أظن أن الألمان سيتمكنون من تحويل أبى إلى رقيق ، فان نفسه تأبي ذلك .
كينح مريضة جدا ، وقد أمر عمى بيتر بارسال لبن ساخن وبيض إليها هنا ، وحجرتنا كبيرة مرتفعة العمران ، والنوافذ مغطاة بستائر ثقيلة منعا لتسرب الأنوار ، وقالت كينج إنها تتمنى ألا يزعجها أي صوت الليلة . وتقول الصحف الانجليزية إن روتردام ضربت بالقنابل ضربا فظيما مرة اخرى اليوم ، وقد دمر ثلث المدينة ، ولست أفهم لماذا يرغب الألمان في إيذاء قوم لم يؤذوهم قط . وكان مما يحزن أمى أن تسمع هذه الأنباء ، فقد قابلت أبى هناك قبل الزواج .
الأثنين أول يوليو - نحن فى ليفربول فى انتظار باخرة إلى أمريكا ، فقد طلبنا عمى كلاس ، وظلت كينج مريضة أسبوعا فى الفندق فى لندن وقد عادها طبيب وقال إنها في حالة عصبية ، وكم كان رقيقا ، وقد رفض تناول أجره من عمى بيتر ، وقال إنها هديته إلى هولندا الشجاعة ، وقال عمي بيتر هذه هى أخلاق الأنجليز متى عرفتهم . والجميع يحملون القناعات الواقية ، وقد حصلنا على قناعتنا الآن ، ولها خراطيم طويلة ، وقد ارتدى عمى بيتر قناعه
أمس ونظر إلى نفسه فى مرآة ، وقال إنه لا فرق بينه وهو بقناع وبينه وهو بدونه فضحكت وضحك وقد سررت لضحكه , فقد استولى عليه الأسى منذ علم أن ربع جيشنا قد قتل . ولم نسمع شيئا من أبى .
لغتى الإجليزية تتحسن ، وإن كانت كينح تحصل على تمرين أ كثر منى إذ يزورها الجميع لمحادثتها ، وبليفربول الكثير من المقن ، ويسعدنا أن نذهب إلى ألمرفأ لمشاهدتها ، لأنها تذكرنا بهولندا العزيزة . ولم يتمكن عمى بيتر من توديعنا ، لأن هذا يخالف قوانين الحرب ، وقد أرسل لنا عامل التذاكر من يأخذنا للسفينة ، فيجب أن أكف عن الكتابة لمساعدة كينج وعمى بيتر فى حزم الأمتعة - الوداع يا إنجلتر فقد اضطررة إلى الرحيل عند ما بدأنا نحبك ، وأعتقد أنا سنعتاد على الأوطان الجديدة ...
الأربعاء ٣ يوليو - رحلنا أمس بعد الغسق ، وكان من الصعب فراق عمى بيتر الذى قبلنا مرارا واحتضننا بعنف ، وسيقبلنا عمى كلاس فى نبويورك ، وأرجو أن تسره رؤيتنا وقد قال عمى بيتر إنه سيسر ، وسفينتنا كبيرة ، ويرافقنا الكثير من الأطفال ، وبعض الأطفال الانجليز ترافقهم أمهاتهم أو مربياتهم ، ولم تشير كينج إلى أمنا قط ، كما لم أفعل ، لكني أعرف شعورها ، وهى كثيرة الشرود والهدوء ، ولم تكن هادئة قط قبل الحرب ، لكنها شجاعة ، ولا تبكى أمام الغرباء . . .
والقبطان الأنجليزي كثير المرح ، وهنا طفلان هولنديان آخران ونحن نتحدث الهولندية لاراحة ألسنتنا ، وكينح مريضة منذرحيلنا ، ولم أركب بإخرة كبيرة من قبل ، إنها تشبه الفندق فى لندن .
السبت ٢٨ سبتمبر - وصلت باخرتنا إلى نيويورك ليلا فى اليوم العاشر من رحيلنا من انجلترا ، وفى اليوم السابق لوصولنا عادت السفن الحربية التى كانت تحرسنا إلى إنجلتر , وتركنا فى جزع وخوف ، ثم هتف أحدهم مشيرا إلى السماء حيث رأينا منطادا مكتوبا عليه بحروف كبيرة " الدورية البحرية رقم ١٤ الولايات المتحدة " وحرسنا المنطاد بقية الطريق . . .
وكانت نيويورك مثيرة للنظر من بعد بأنوارها العديدة ، فطوال المدة التى قضيناها فى إنجلترا لم نر مضوءا فى الشوارع . . . وقابنا عمى كلاس وعمتى هاين ، والأخيرة أمريكية بأظافر حمراء صفيلة ووجه ساحر الجمال ؛ وقد مضى علينا فى أمريكا عدة أسابيع الآن . وأذهب وكينج إلى مدرسة خاصة ، وهناك دراسات جديدة ، لكن لا توجد لغات متعددة كما فى هولندا ، وأنا أتدرب على لعب كرة القدم ، وتفضل كينح زجاجات الصودا . وقد جاءتنا رسائل عديدة من عمى بيتر ، ولم يعد إلى هولندا بل انضم إلى فرق المطافئ الانجليزية ، وقد استلم عمي بيتر خطابا من أبى كما جاءنا آخر ، وقد عاد أبي إلى روتردام وكان على خطابه طابع بريد سويسرى ، وقال عمى كلاس إنه لابد لم يمر على الألمان ، وقال والدى إن الألمان غيروا
اسماء كل شئ حتى كلمة ( ملكي ) حولت ( لوطنى ) ولا يسمح لأى هولندى بالانصات إلا للإذاعات الأسبانية والايطالية والألمانية وإلا غرم عشرة آلاف جلدر ، وسجن سنتين ، والطعام يتحول من سئ إلى أسوأ ، ورجانا أبى ألانهتم بذلك فانه يمكنه أن يتحمل .
كينج وأنا سعيدان ، وكانت سعادتنا تتم لو كان أبى وعمى بيتر معنا هنا ، ولم أحصل على درجات عالية فى المدرسة ، وقال الطبيب إن أعصابي لم تتخلص بعد من رعب القنابل ، وإنى سأتحسن بمرور الوقت ، وكان الطبيب الأمريكى فى كرم زميله الانجليزي ، فلم يقبل نقودا لعنايته بى .
وفى بعض الأحيان عندما تحلق طائرات فى سماء الدينية أرغب فى الجري والأختباء . واستيقظت ذات مساء وسمعت قطرات المطر تضرب زجاج النافذ فنولاني الرعب إذ ظنت أبى فى هولندا وان النقر على القاعدة ما هو إلا شطايا القنابل . وهذا يغضب عمى كلاس من كل من يسألنى عن الحرب . لكى أعلم أن أنفس ما حدث أو انسى الألمان وكيف ماتت أمى ، كما لن أنسى أمريكا ، إنها أمة طبية لاعتناقنا بصدر رحب .
[ مترجمة من مجلة the Realer's Digest ]( أسيوط )

