من أبناء الأقاليم ماروته إحدي صحف الصباح أخير بعنوان " رجل يقتل حماته لأنها أخفت عنه أكلا طيبا وقد تلخص الراسل تفصيلات الحادث بقوله : " إن رجلا اسمه ( . ) تزوج بإمرأة اسمها ( . ) بناحية الزيتون مركز الواسطى ، وعاشا معا مده عيشة راضية ؛ إلي أن كان اعني الأول ، حيث عاد الزوج إلي منزله فلم يجد زوجته ؛ فطلب إلي والدتها ان تهيي له الطعام ، فقدمت له خبزا وقليلا من ( المش ) وبعد ان اكل الرجل حضرت زوجته ، فقدمت إليها والدتها طعاما من البطاطس ، فاغتاظ الزوج واستل سكينا وطعن بها حماته طعنات ادت إلي وفاتها . وقد اعترف الجاني بجريمته ، وعلل ارتكابه إياها بما فعلته المجني عليها من إخفاء البطاطس عنه .
وقد اكرت في ذهني تفاهة السبب الذي من أجله وقعت هذه الجناية ذكريات حوادث اخرى مما مر بي في عملي ، وكان السبب فيها جميعا أتفه من أن يؤدى إلي نظرة عتاب ، بل الضرب والطعن والقتل
فمن ذلك أن رجلا كان يجلس وسط جماعة من زملاءه فعطس فشتمه احدهم بقوله : " جير " ، فضحك الجماعة ، واسرها العاطس في نفسه ، حتى كان يوم اختلي فيه بمن شمته ، فانتهز هذه الفرصة وأطلق عليه عيارا ناريا فأرواه قتيلا
ولعل اعجب من ذلك ماحدث في واقعة اخرى تقدم
فيها فريقان من المتهمين إلى المحاكمة ، كل فريق قوامه اربعة أشخاص ، والتهمة المسندة إلى كل منهم أنه أحدث بأفراد الفريق الآخر إصابات تخلفت عنها عاهات مستديمة ، وهي فقد اجزاء من عظام الراس . وظهر من التحقيق أن الفريقين كما يستعملان المؤوس والتساجل والعصي الغليظة . كمأ ظهر من الكشف الطبي أنه أجريت لافراد الفريقين جميعا عمليات جراحية لرفع بعض عظام الجمجمة بعد أن تفتتت من أثر الضرب ، وذلك أصبحوا أحياء في حكم أموات . لأن من يعمل له مثل هذه العملية ينكشف مخه في موضع العملية ، ويظل هذا الموضع عرضة للمؤثرات الجوية وغيرها ، فيتعرض صاحبه لخطر الموت في كل وقت ، وعند بذل أي مجهود .
فما ظنك بالسبب الذي أدى إلى هذه الكارثة ؟ سنقول لاحد أن تكون أعراض كريمة قد انتهكت ، فهذا دفاع عن الشرف الرفيع ؛ او ان تكون دماء عزيزة قد اريقت ، فهذا اخذ بالثأر ، وأندفاع في تيار الانتقام
ولكن الواقع كان أبعد ما يكون عن هذا الحد ؛ وكان السبب من اسخف الأسباب وادهاها ؛ وذلك أن أفراد الفريق الأول كانوا في طريقهم إلي حقلهم ومعهم ادواتهم ، ومن خلفهم تابع صغير لهم ، ففي الهيأة ، صغير الجسم اقرع الرأس اسمه (عاشور) ، وكان افراد الفريق الثاني تحت شجرة يتناولون في ظلها طعامهم ، فأراد أحدهم أن يتفكه ، قدما التلام إلي الطعام متهكما بقوله :
باسم الله يا سيد عاشور
وكان الغلام مؤدبا ، فأجابه بقوله : هنيئا لكم ولكن صاحبنا رد عليه بتلك الكلمة الصغيرة السخيفة الى اعتاد السفهاء ان يقرنوها باسم عاشور كلما ذكروه ، والتي اعتاد السخفاء أيضا أن يضحكوا منها كلما سمعوها ، مع أنها لا تنطوي علي دعابه ، ولا تحمل أي معني من معاني الفكاهة
وضحك فريق العتاهمين ، وتأذي أفراد الفريق الآخر من ان يروا تابعهم يتخذه هؤلاء الناس هزوا ، فارتدوا إليهم ، وانهالوا عليهم ضربا بما يحملون من فؤوس ومناجل ، واشتبك معهم هؤلاء بما معهم من عصي وآلات أخري . وأسفر الحادث عن إصابة الجميع ، ولم يسلم من الأذي إلا بطلنا الصغير - عاشور
وإني لأذكر بمناسبة هذا الحادث واقعة أخري ، لعلها في سخافة سببها اغرب ما وقع لي من هذا النوع وذلك أن جماعة من أهل الريف كانوا يجلسون على عادتهم في جرن من الأجران . وكان أحدهم يدخن لفافة . فأخرج جاره عليه دخانه ، ولف لنفسه لفافة ، ولكنه - على عادة قومه أيضا - لم يكن يحمل كبريتا ليشمل به لفافته . ولست أدري كيف يكون هذا الكبريت القافه مشكلة مستعصية من مشكلات الريف عندنا ويخيل إلي أن القوم - لهوان أمر هذا الكبريت عليهم - لا يهتمون بشرائه . ظنا منهم انهم واجدوه كلما احتجوه . وتكون النتيجة دائما أنهم يلتمسونه أبدا فلا يجدونه . فالبيت يبقي في الظلام ريثما تدور ربته على كل جاراتها تسألهم عودا من الثقاب توقد به مصباحها ؛ والفرن يبقي بغير إيقاد حتي توفق صاحبته إلي الحصول على ما توقده به من عند إحدي الخابزات ، وينطفيء المصباح من الهواء فتتكرر مأساة البحث عن الثقاب من
جديد . ويثور عند الرجل ميله إلى التدخين فيعد اللفافة ، ويظل يقلبها بين أصابعه ، أو يغرسها في جانب فيه ، أو يحملها فوق أذنه حتى يفتح الله عليه عدخن آخر فيستجديه نار لفافته ، وهكذا . .
وفي حالتنا هذه مد الرجل يده يستجدي لفافة جاره ليوقد منها لفافته . ولعل صاحبنا كان ضيق الصدر بهذه العادة الذميمة ، فرده ردا جافا . وأبي عليه أن يسعفه بما يطلب فلم يغضب صاحبنا ولم يثر ، ولكنه اودع لفافته بكل رزانة واستسلام فوق اذنه ، وانتظر حتي فرغ جاره من لفافته ، والقي بها عقبا صغيرا على الأرض ، فأقبل عليه ، واحتال على مسكة وأشعل لفافته منه . وكان هذا ايضا لم يعجب صاحب العقب فعذره وعنفه ، وقام إلى عقبه فأطفاه ، ثم انتزع لفافة جاره فأطفاها هي الأخرى . ونشبت بين الرجلين معركة انتهت بأن ضرب صاحب العقب صاحب اللفافة ضربة خر على أثرها فاقد الحياة .
ويصعب علي المستقصى ان يلم بكل ما مر به من امثال هذه الحوادث ، ولكن حسب القارئ هذه الصور التي تمثل له نفسية بعض الناس في هذه الديار . ويخيل إلي أننا قد نكون أمة مسرفة في انفعالاتها . فإن أتفه الأسباب عندك ينتهي بأوخم النتائج ، وأحقر البواعث يثير أشد الاضطرابات .
انظر إلينا كيف نضحك إن الواحد منا لا يرضيه ان يشيع السرور في نفسه ولكنه لا يرتاح حتى يطلق ضحكه داوية عاصفة مجلجلة مزلزلة .
لقد كنت منذ أيام في قطار " المترو " وكان القطار يجتاز بنا نفق القبة . وكل من ركب هذا المترو يعلم ما يحدثه حديد العجل والقضبان من جلجلة يضاعفها الصدي الذي
ينبعث من جدران النفق في هذا المكان ، بحيث يتعذر الكلام بين الجارين المتلاصقين ، ومع ذلك فقد سمعت احد الركاب يطلق صحة أزرت بكل هذا الحديد و " الأسمنت المسلح " ولفتت إلينا أنظار كل الراكبين !
ثم انظر إلي نسائنا كيف تحزن ! . إن الدموع لا تكفي . وليس يقنعهن في الحزن إلا الصياح والعويل ، وشق الجيوب ولطم الخدود .
وإني لا ذكر في خجل واسف ابي كنت في وقت من الاوقات اسكن في منزل يملكه اجنبى ، وكان لهذا الرجل ابنتان توامان كانتا مضرب المثل في روائهما وحسنهما . وشاء القدر ان تموت إحداهما ، فأقسم ما عرفت بوفاتها - وأنا المقيم في نفس المنزل - إلا صدفة ، إذ شاهدت عربية الموتى تقف أمام الدار ، وعليها اكاليلها البيضاء . فبعثت رسولي ياتيني بخبرها ، فجاء يبلغني انها ابنة صاحب المنزل . ولو أن هذه الفاجعة وقعت لغير تلك الأسرة لما كفاها اقل من أربعين ليلة تحيبها النادبات ، وتتباري فيها نساء الحي في الصراخ والعويل
بل انظر إلينا كيف نطرب ! . إن مقياس الطرب عندنا أن لا نمكن المطرب من إتمام نغمته ؟ فنحن نقطع عليه فناءه بصياحنا في وجهه . ومنا من يلقي طربوشه في الهواء . ومنا من يرمي به إلي الأرض . ومنا من يكب على وجهه . ومنا من يستلقي علي قفاه . بل إني لاعرف من كان يتفادي زملاؤه من ان يجلسوا بجواره في حفلات الطرب لانه اعتاد ان يعض جاره كلما هزته نغمة حلوة فاستخفه الطرب وغلب على أعصابه !
وأغلب الظن عندي أننا أفسدنا بطريقتنا هذه أمزجة المطربين أنفسهم . فان منهم من أصبح لا يجيد الغناء والتنغيم إلا في وسط هذا العجيج والضجيج . ولست أريد أن أذكر أسماء ، ولكن كل قارئ يستطيع أن يستعرض مطربينا ومطرباتنا ومقرئينا ومقرئاتنا ، فسيري
ان معظمهم يجيد كل الاجاده في الحفلات العامة التي ينوشه فيها المستمعون بصياحهم وحركات استحسانهم ، وسيري ايضا ان بعضهم فشل كل الفشل عندما وضعوه في قاعات الاذاعة اللاسلكية امام الميكروفون ، فلم يسمع فيها إلاصوت نفسه . ولم يجد من حوله من يحفزه إلي الإجادة والاتقان .
والخلاصة أننا في حاجة شديدة إلى ضبط أعصابنا فإن من أكبر مظاهر الكرامة الشخصية أن يحتفظ الانسان لنفسه بانفعالاتها ، وان لا يكشفها للناس مهتوكة الآستار مفضوحة المعاني .ويا حبذا لو جعلنا ضحكنا ابتساما ، وحزننا تقطيبا ، وطربنا نشوة ورضا . إذا لاعددنا انفسنا إعدادا صالحا لاجتياز أزماتنا النفسية الآخر التي قد تنتهي بمن يستسلم لها منا إلى الغلط . . والشطط . . وأحيانا إلي الجريمة !

