الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 145الرجوع إلى "الثقافة"

من بدائع الفنون الاسلامية :, إبريق من البرونز

Share

فى دار الآثار العربية بالقاهرة تحفة جميلة من البرونز ينسبها معظم علماء الآثار إلى الخليفة الأموى مروان الثانى ، بدون دليل قوى ، اللهم إلا أنها وجدت بمصر فى المكان الذى قتل فيه هذا الخليفة بعد ضياع ملكه . والحق أن مثل هذه النسبة كانت جديرة بأن تثير بين الأخصائيين جدلا طويلا ، ولكنها مرت بسلام ، لأن جمال هذه التحفة وإبداع شكلها يجعلانها ملكية من كل الوجوه .

ولهذه التحفة تاريخ عجيب ، فان إحدى البعثات الأثرية الألمانية كانت تعمل بين عامى ١٩٠١ و ١٩٠٦ فى إقليم أبى صير الملق " بوسير " بالفيوم لحساب لجنة البردى ببرلين والجمعية الشرقية الألمانية ؛ وكان الميدان الذى اختارته لحفائرها مقابر قديمة ، كان أهل هذا الاقليم يستعملونها منذ عصر ما قبل التاريخ إلى بداية العصر الإسلامى . وأعظم ما كانت تنشده هذه البعثة الأثرية هو ورق البردى ذو الكتابات التاريخية الثمينة ؛ ولكنها عثرت سنة ١٩٠٣ فى أنقاض مقبرة من بداية العصر الاسلامى ، يقال إنها مدفن مرووان بن محمد آخر خلفاء بني أمية (١) ، على إبريقين وإناءين من البرونز ، يعلوها صدأ شديد . وقسمت هذه المجموعة بين مصلحة الآثار المصرية والبعثة الأثرية الأجنبية ، حسب القواعد

التى كانت متبعة فى ذلك الوقت ، عند الإذن للبعثات الأجنبية بالحفر ، على أن تأخذ نصف ما تعثر عليه من التحف والآثار ، وكان الأبريق الذى نحن بصدده اليوم من نصيب مصلحة الآثار المصرية ، وذلك بفضل الصدأ الشديد الذى كان يعلوه ويغطى ما عليه من النقوش الجميلة ، ولا سيما أن هذه البعثة الأثرية لم تكن تنشد التحف الاسلامية ، ولم يكن بين أعضائها إخصائيون فى الفنون الاسلامية أو الساسانية . . . وإلا لفطنت لعظيم شأن هذه التحفة من الوجهتين الأثرية والفنية ، ولكان مصير هذه التحفة متحف برلين . . . .كما قدر لرأس نفرتيتى !!.

ثم حدث أن رأى الأستاذ الدكتور زره Sarre صورة هذا الأبريق فنشرها سنة ١٩٢٢ فى كتابه عن الفن الأيرانى القديم ١٩٥F. Sarre : Die Kunst des  Alten Persien (اللوحة رقم ١٣٧) وذكر أنها ساسانية الطراز متأثرة ببعض الأساليب الفنية الهلينية ، وأنها من صناعة شمالى إيران او إقليم القوقاز . كما أشار (فى صفحة ٦٤) إلى أن الابريق والاناءين اللذين كشفا مع هذه التحفة فى أبى صير الملق ترجع ثلاثتها إلى العصر الإسلامى بل الراجح أنها من عهد الدولة الطولونية .

وفى سنة ١٩٢٩ نشر الدكتور زره Sarre فى الكتاب السنوى للمتاحف البروسية Jahrbuch der preussischen Kunstsammlungen مقالا عن التحف الأربع التى كشفت فى أبى صير الملق : الأبريق الذى نحن بصدده الآن ، وإبريق آخر أبسط فى الهيئة ، ولا زخارف عليه ، وإناءان بدون أى رسوم أو زخارف . ورجح الدكتور زره أن هذه التحف كلها من مقتنيات الخليفة الأموى مروان بن محمد ، أخفاها أتباعه الأوفياء حتى لا تقع فى أيدى أعدائه .

وطبيعى أن اهتزت الأوساط العلمية فى القاهرة لهذه

النظرية ، وقر الرأى على أن ينقل الابريق الثمين من المتحف المصرى إلى دار الآثار العربية (١) حيث عولج صدؤه بالأدوية الكيمياوية الخاصة ، فزال الصدأ وكشف النقاب عن الزخارف البديعة التى يراها القارئ فى الصور التى ننشرها هنا ، والتى تجعل هذا الابريق أجمل ما نعرفه من الأباريق الساسانية وأدقها صنعا ، سواء أصحت نسبته إلى مروان بن محمد أم لم تصح .

وارتفاع هذه التحفة ٤١ سنتيمترا وقطرها ٢٨ ، ولها قاعدة مستديرة ومنخفضة ودقيقة الشكل ، وفوقها بدن كروى تتصل به كتف مدرجة تنتهى برقبة اسطوانية ، جزؤها السلوى مخرم ، وباقيها مزخرف برسوم محفورة ،

قوامها دوائر ووريدات صغيرة متماسة ، وفيه عصابة مستديرة ذات زخارف بارزة (انظر شكل ١).

وللأبريق مقبض يخرج من منتصف البدن ، ويرتفع موازيا الرقبة ثم يلتوى فى أعلاه ، ويتوج بحلية من رسوم ورق الأكانتس . وهذا المقبض مزين فى جانبيه بصفين من الحليات تشبه الأحجار الثمينة ، ويرسم فرع نهائى بينهما ، يذكر برسوم شجرة الحياة عند الإيرانيين ، وبالرسوم التى نراها على بعض الأعمدة والتيجان فى (( طاق بستان ) (١) (شكل ٢ ) .

أما الصنبور فقناة تخرج من بدن الأبريق تحت الكتف وتصب في تمثال ديك كبير مبسوط الجناحين ومشدود الجسم ، لا يقل جمالا في ذاته عن أبدع التماثيل الصغيرة التي صنعها الفنانون الايرانيون في العصر السلساني . والمعروف أن الديك كان له شأن عظيم في الديانة الزرادشتية كمؤذن بانبلاج الضوء وظهور الشمس ، وإنما نجد رسمه  على السكة الكيانية والساسانية وعلى المنسوجات والتحف المعدنية الساسانية ، كما نجده بعد ذلك في زخارف الخزف العباسي والفاطمي

على أن أبدع زخارف الأبريق على الاطلاق ، هي الرسوم المحفورة على بدنه وقوامها ستة عقود متصلة ، تحت كل منها عمودان وفوقه شبه هلال فيه دوائر صغيرة

( انظر الأشكال رقم ٣ و ٤ و ٥ ). وتحت العقود وريدات زخرفية تعلو رسوم طيور وحيوانات وأشجار ونباتات ، نعرفها في سائر التحف الساسانية

ويبدو للدكتور زر ، أن بعض أجزاء الرسوم في هذا الابريق كان مطعما بالأحجار النفيسة أو المينا ، فالمثلثات التي تعلو أعمدة العقود والوريدات على جانبي المقبض وفي عصابة الرقبة " كلها غائرة قليلا حتى ليرجح عنده انها كانت منطقة زجاجية أو أحجار نفيسة . ولكنا لا نوافقه على هذا الرأي ، لأن مثل هذا الترصيع كان

نادرا جدا في الفن الساساني ؛ بل إن ذيوعه اقترن في القرنين الماضيين بانحطاط الذوق الفني والميل إلي الألوان البراقة والنظر إلى القيمة المادية في التحف والألطاف ، مما نراه واضحا في معظم التحف الايرانية في القرن الماضي

وبعد فإن في بعض المتاحف الأوربية ، ولا سيما متحف الهرميتاج بمدينة لينينغراد ، أباريق تشبه التحفة التي نحن بصددها الآن ( ١ ) ، ولكنها لا توازيها في إناقة

الشكل ودقة الزخارف وجمال الرسوم ، مما جعل علماء الآثار لا يعترضون على ما ذهب إليه الدكتور زر من نسبتها إلي آخر خلفاء بني أمية ، على لرغم من أنه لم يؤيد هذا الزعم بأي دليل يمكن الاطمئنان إليه .

على أن هذه التحفة التي ترجع إلي القرن الأول الهجري تمثل عصر الانتقال من الفنون الساسانية إلي الفنون الاسلامية ، وإن تكن لا تزال تحتفظ بطابعها الساساني ، وتذكر بما بلغه الفنانون الايرانيون وتلامذتهم من إتقان في صناعة المعادن .

اشترك في نشرتنا البريدية