إلى حضرة الأستاذ محمد مفيد الشوباشى :
أخي الكاتب الحر الأستاذ محمد مفيد الشوباشى المحترم . تحية مشرقة .
لم تكن هذه الرسالة بنت ساعتها ، ولم تكن محض مناسبة أوحت لى بكتابتها ، ولكنها شوق مفعم ، وحب خالص ، وإعجاب أكيد .
أنت كاتب ذو رسالة أيها الأستاذ ، رسالة خليقة أن تشق طريقها إلى نفوس الشباب الحائر فى وطننا العربى ، الشباب الذى تقاذفته الأعاصير ، وتلاعبت به الأهواء ، وجرفته الدعاوى الميتة الفارغة عن سلوك سبيل الخلاص والحياة الحرة الكريمة .
يكاد إعجابى بكتاباتكم يصل إلى حد الهتاف بصوت جهير وأنا فى خلوتى الفكرية أتصفح المجلات والكتب ، وأشغل القسط الأعظم من وقتى الضيق فى مطالعة مجلة الثقافة الزاهرة التى طالما حملت إلى روحى الحزين بسمات الأمل ، وإلى فكرى الجائع غذاء العرفان ، وإلى دعوتى الحارة سطوراً تلقى من قلبى كل التأييد .
كم يطربنى أيها الأستاذ أن أجد فى مقالاتك حرارة الإيمان ، وجذوة العاطفة ، وصلابة الفكر وعمقه ، وسعير الثورة على أولئك الأنانيين الفارغين المهومين فى متاهات الرموز ومجاهل الأوهام ، وشعاب الحروب من حياة المجتمع واللجوء ، إلى العواطف السطحية المخنثة فى الكتابة والتعبير . وأجدنى تجاه هذه الحالة المؤسفة مؤيداً لكم كل التأييد ، إن أثر الاستعمار يتجلى فى مثل هذه الحالات .
أمة مستعبدة ، وحريات مخنوقة ، وجماهير ناقمة . وعذاب مؤلم ممض يفتك فى صفوف المجتمع ، وجوع ومرض ينخر فى كيانه ، واستعمار أئيم يهظ صدر الوطن . فما أحرى أدباءنا أن يسموا قليلاً على أبراجهم العاجية ويهبطوا إلى دنيا الحياة الصاخبة ، وما أحرى أدباءنا أن يمدوا النفوس
التوافة إلى الحرية والنور بالغذاء المعنوى المفعم بالرجولة والبطولة والأمل والإيمان ، مادامت رسالة الاستعمار هى تحطيم معنويات الشعوب بعد إنهاك وتحطيم اقتصادياتها .
كتب كثيرون عن الثورة المصرية الأخيرة ، كتبوا ، وأطنبوا وأطالوا ، ولكنى لم أجد إلا القلائل من هؤلاء ، يتناولونها بمثل ما تناولتها فى مقالتك " ثورة مصر على الاستعمار تقترب من مرحلتها الحاسمة " ذلك أن تحليلك العلمى لها ، واتجاهك فى الاعتماد على التاريخ الصحيح وعلى التطور ، يدفع كل من يقرأها إلى الإيمان العميق بأن عهد الاستعمار البغيض آن له أن يزول ، وأن الغد هو غد الحرية ، غد الشعوب المتحررة ، غد العدل والحق والنور .
قد يتحول التاريخ عن خطة سيره فجأة وبدون سابق إنذار ، وقد ينقلب على نفسه ، وقد يصبح علينا بعد ما كان لنا ، ولكن هذا لا يعنى مطلقاً أننا نؤمن بواقعه الفاسد ، وأن نرضخ لما تتطلبه مشيئة الظروف ، إن الطريق طويل شاق وعر ، ولكن كل شئ يهون ما دامت ثقتنا يشعبنا العظيم عظيمة ، وما دمنا لا نرضى بغير الحرية والاستقلال بديلا .
إنى أهنئكم أيها الأستاذ الكريم على مجهودكم الفذ فى خدمة الوطن العزيز ، وخدمة الثقافة والعرفان . وأهنئكم على دعوتكم الحارة إلى أدب الحياة ، إلى أدب الجماهير الكادحة البائسة الفقيرة ، وكل ما أرجوه منكم هو أن يكون الحماس ، الحماس الوهاج رائدكم فى مقالتكم المقبلة ؛ الحماس الذى لا يدع لليأس مجالا كى يتسرب إلى نفوسنا . إن الظروف المجرمة أصبحت ضدنا أيها الأستاذ ، وأخشى ما أخشاه هو الإنتكاس والعودة إلى الوراء ، وعلينا جميعاً أن نجعل الثورة على الاستعباد حركة جياشة موارة فى النفوس لا تهمد ولا تخمد .

