الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد السادسالرجوع إلى "الرسالة"

من رسالة الى صديق، حول التجديد

Share

. . . الجديد جديد فى مظهره، قديم فى جوهره، لا يصلح موضعا  لدرس ولا موضوعا لحديث.

ستقول: اذن ما بال هذه القصائد الرائعة التى يجلوها الشعراء  والمقالات الرائقة التى يدبجها الكتاب؟ فأقول لك انك اذن تفهم  من كلمتى القديم والجديد غير ما أفهم، وتريد من مدلولهما غير الذى  أريد. كأنك تريد بهما ما كان يريده الأقدمون حين كانوا  يتمارون فى شعر امرئ القيس وجرير وأبى نواس وأبى تمام  والبحتري والمتنبى وابن هانئ. والأقدمون كما تعلم إنما كانوا  يختلفون فى شكل الشعر لا فى موضوعه، فهم يتكلمون فى اللفظ  الجزل والركيك، والأسلوب الرصين والمهلهل، والمعنى المسروق  والمطروق، والتشبيه المنتزع من وجوه البادية أو من صور الحضر،  والمطلع الجيد والردىء، والتخلص الحسن والقبيح، ويجرون  فى كل ذلك على أذواق تختلف باختلاف الطبقات والبيئات والصناعات  والأجناس. وعذرهم فى ذلك واضح. فالشعراء لأسباب فطرية  واجتماعية، لم يقدموا اليهم الا نوعا واحدا من الشعر هو ما يتعلق  بالوجدان والعاطفة. فكان النقاد أمام وحدة الشعر العربى ونقصه،  مسوقين الى أن يقصروا جهودهم على لفظه: يحكون معدنه،  ويعجمون عوده، ويسبرون غوره بالموازنة والمقارنة والتعقب.  والشكل الخارجى حكمه حكم اللباس والأثاث والآنية: يتغير بتغير  الزمان والمكان والحالة، ليس لأحد فى ذلك حيلة.  فهل ترى أن أبا نواس مجدد بالاضافة الى أمرئ القيس،  لأنه بدأ قصيده بوصف الخمر، وتكلم فى الغلمان والطرد؟ أو أن  المتنبى مجدد بالاضافة الى أبى نواس، لأنه داف شيئا من فلسفة  اليونان فى شعره؟ أو أن مطرانا مجدد بالاضافة الى المتنبى، لأنه  ذكر القطار والكهرباء، ولون أدبه بأدب الغرب؟ انى لا أرى فى  مثل هذا التفاوت الظاهرى تجديدا، ما دام الشعر قد ظل فى كل  هذه العصور واحدا فى موضوعه وطريقه ونوعه ووزنه. .  أما تغير الشكل فذلك فعل القانون العام الذى يغير أبدا كل شىء.  وهل قصد أحد من هؤلاء وأولئك الى هذا التجديد المزعوم  فجاهد فى سبيله أهل جيله، كما  فعل أرباب المذهب الاتباعى  (Classique) والابتداعى (Romantique) والواقعى  (Realisne) فى فرنسا مثلا؟؟ لم يكن شىء من ذلك، لأنهم

لم يختلفوا كما اختلف الفرنج فى الموضوع والينبوع حتى تتباين  الأغراض من تلك المواضيع، وتتشعب المسالك الى هذه الينابيع.  وهل سمعت أن الناس اختلفوا يوم تركوا العلبة الى الكوز  والكوب والقدح والجام؟ أم علمت أنهم اختصموا كلما تغيرت  موادها من الجلد الى الخشب، ثم الى الخزف. ثم الى الزجاج، ثم الى  المعدن؟ كلا! لم يسمع أحد بذلك، لأن اللبن والماء وهما القصد  والغاية لم يتغيرا منذ خلقهما الله. أما حين تغير الشراب من اللبن  الى الخمر فقد حدث الخلاف وتشعب الرأي وتعددت المذاهب.  الحق أن التجديد لا يحدث، والجديد لا يكون، الا متى وجد  القصص والتمثيل فى الشعر فيكمل، ودخلت الأقصوصة والقصة  والرواية فى النثر فيتم. أما ادعاء التجديد بالدعوة الى العامية وترجمة  الأساليب الغربية فعجز يتظاهر بالقدرة، وجهل يتستر بالتحذلق!

اشترك في نشرتنا البريدية