الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 171الرجوع إلى "الثقافة"

من سير الرحلات، ٢٥ مارس سنة ١٩٣٤

Share

" ظل الناس القاطنون على طول البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندى يروون مدى أجيال طويلة حكايات غريبة من مضيق عجيب وسط الجبال بين البحرين الميت والأحمر يؤدى إلى مدينة سحرية منقورة في الصخر يسكنها قوم أشداء قد فرضوا سلطاتهم على طرق التجارة ، وتحكموا فى أمور القوافل التى تنتقل بين الجزيرة العربية ومصر وفلسطين والشام ، واحتكروا

جباية المكوس وتبادل السلع بين الشرق والغرب والشمال والجنوب ؛ كما تناقلوا كذلك قصصا مروعة عن مصير الأفراد القلائل الذين أمكنهم التسرب إلى المدينة السحرية لاستجلاء غامضها ، وكيف لاقوا حتفهم على صورة مخيفة ، قرابين بشرية على مذبح المدينة الصخرية - كما انتشر في الأقطار القريبة والبعيدة أخبار عجيبة عما حوته خزائن القصور والمعابد فى المدينة من كنوز طائلة من ذهب وفضة ، وجواهر ثمينة مما أطمع فيها الشعوب المجاورة والممالك المتاخمة - وكانت سعيا فى شن الغارات عليها ،

وقد صمدت المدينة فى وجه العدوان مدة ستة قرون كاملة بفضل منعتها الطبيعية النادرة وشجاعة حماتها الأبطال . وأخيرا اجتاحها الرومان فى عهد الامبراطور تراجان سنة ١٠٦ بعد الميلاد ، ونهبوا كنوزها وقوضوا أركان حكومتها ، ودالت بسقوط المدينة مملكا النبط فى وادى موسى ولم تقم لهم بعد ذلك قائمة " .

من معان إلى ضرب السحر والخيال - البطراء : لم نمكث طويلا بمعان فغادرناها بعد راحة قصيرة تزودنا

خلالها بالبنزين وبعض أنوع الطعام والفاكهة ، قاصدين وادى موسى فى طريق جبلى كثير الصعود والهبوط .

وقبيل العصر أشرفنا من أعلى جبل الشراء على وادى موسى العظيم ، فبدا الوادى كأنه حدائق متصلة ، فسفوح الجبال خضراء ، تغطيها حقول القمح والشعير فى عرصات تتدرج فى الارتفاع من بطن الوادى حتى ذرى الجبال ،

وتنساب بينها جداول الماء تتدفق فى ان انحدار مكونة مساقط وشلالات ، وتتخللها أشجار الاثمار تتوجها أزهار الربيع فى ألوان بديعة وأشكال جميلة تبهج النفوس وتسر الأنظار ، ويفوح من أزهار المشمش والخوخ عبيق لطيف ينتشر مع الهواء فى كل مكان .

ثم هبطنا فى طريق شديد الانحدار ، ووقفت بنا السيارات أمام مخفر البوليس على مرحلة من الوادى وبعد الحصول على الترخيص بالزيارة أركبونا خيولا هزيلة صغيرة للأعراب لتنقلنا إلى الطريق إلى البطراء مقابل أجر قليل ، فدرجت بنا فى مسالك زلفة ضيقة تخترق قرية حقيرة بيوتها مبنية بجلاميد الصخر يسكنها قوم من

الفجر . وفى الوادى تابعنا السير نحو الجنوب بمحاذاة تهير صغير ، وبعد ساعة اعترض الوادى جبل شامخ ، أحمر اللون داكنه ، قال بنا الطريق قليلا إلى اليمين ، ودخلنا شقا هائلا فى الجبل ، لا يزيد عرضه على ثلاثة أمتار ، جانباء طودان شاهقان يناطحان السحاب ، قائمان فى استواء عجيب ، تتخللهما ئلمات واخاديد ، تنمو على حافاتها الأعشاب والأزهار والأشجار ، تتدلى منها على جوانب الشق الفروع والأغصان ، فبدا المنظر غريبا جميلا مدهشا .

وكنا كلما أوغلنا فى الشق ازداد عرضه ضيقا ، وجدرانه ارتفاعا ، وحلكته سوادا وطريقه النواء ، فأتخذتنا الرهبة وتولانا الخوف ، وبعد ساعة انفرج الشق عن ساحة ضيقة بطل منها ضوء النهار ، فرأينا فى الجدار المقابل معبدا جميل الوضع جميل الهندسة ، تقوم على مدخله الأعمدة ، تعلوها الأقواس والشرفات ، كلها منقورة فى الصخر الأصم - فقال الدليل : إن هذه هى خزانة فرعون .

ثم عاد الشق إلى ضيقه وظلمته والتوائه ، وبعد ساعة أخرى انفرج الشق عن ساحة أخرى عظيمة الاتساع , تحف بها الجبال من كل جانب ، تخترقها الوديان والاخاديد ، وتكسو سفوحها الأشجار والأعشاب ، ويجرى منها ماء العيون فى جداول ونهيرات ، ونقرت بجوانبها المعابد

والمقارير والقصور والمساكن والدرجات ؛ فظهرت سفوحها مفرقة كخلايا النحل ، على شكل يثير الدهشة والإعجاب - فألقينا في الساحة عصا الترحال ، ونصبنا خيامنا أمام أحد الكهوف ، وقال الدليل إنكم الآن فى البطراء عاصمة النبطيين .

كان صباح اليوم التالى منعشا جميلا ، وكان شروق الشمس على رءوس الجبال بديعا ساحرا - فاستعدنا

نشاطنا ونسينا متاعب الطريق ، وذهبنا مبكرين لزيارة الدير على قمة الجبل الغربى ، والطريق إليه صاعد مستو منحوت فى جدار الجبل ، يمر فوق مهاو مرعبة ، ويخترق أنفاقا لها شرفات نتطل على ساحات البطراء ومعابدها ,

ويوشى جوانبه على طوله إلى القمة الوان الطبقات الرملية فى تموج جميل ، متداخلة بعضها فى بعض حمراء وصفراء وبيضاء ، تخالها منقوشة على الصخر .

والدير فوق الجبل على ارتفاع خمسمائة متر من الوادى منقور في الصخر كذلك ، تقوم على مدخله الأعمدة ، تعلوها الشرفات والتيجان ، فى عظمة وجلال وجمال ،

وأمامه ساحة كبيرة يغطيها زهر النرجس البرى بلونه الأبيض الأصفر الجميل . ومن ثمة الجبل فوق الدير شاهدنا جهة الغرب وادى العربة والبحر الميت فى الحضيض .

وفى اليوم الثانى ذهبنا لزيارة مذبح المدينة وبركة الدماء وسلم الضحايا ، وكلها فى مستو من الأرض على قمة الجبل

الشرقى ، والطريق إليها صعب المرتقى كثير العقبات ، ثم عدنا من طريق آخر أشد وعورة من الأول ، ينتهى بساحة البطراء عند مسرح المدينة يحجبه عن الأنظار صخور نائة كبيرة وأشجار ملتفة كثيفة .

وقال الدليل إنه كان من عادة النبط بعد كل غزو أن يصعد الملك والحاشية والأعيان والرهبان ؛ فى موكب ضخم فخم إلى ثمة الجبل لتقديم القرابين التى يؤتى بها من ساحة القتال ، فتنحر الضحايا على المذبح كما تنحر الشاة ، وتسيل دماؤها فى البركة المقدسة وتحرق أجسادها تحت العلم نزلفا للإله دوشارا معبود النبط .

وفى المساء حول بؤرة النار حدثنا الدليل حديثا طويلا عن أصل النبط فقال : إنهم قوم من العرب هجروا البادية إلى الحضر ، وأسسوا فى القرون الأخيرة السابقة

على ميلاد المسيح مملكة فى شمال بلاد العرب وجنوب فلسطين والشام - وكانت حاضرتهم الشمالية البطراء هذه ، وحاضرتهم الجنوبية " الحجر " وتعرف الآن عدا ابن صالح . وكان المدخل الوحيد للبطاء هو الشق الذى أتيتم منه ، ويعرف بالسيك الشرقى . وكان يقوم على حراسته ليل نهار رجال أشداء لا يسمحون بالمرور منه فى الدخول والخروج إلا لمن قال كلة السر والأمان .

وفى العودة إلى معان تفرجنا على مسرح المدينة فى مدخل السيك ، وهو يتسع لثلاثة آلاف متفرج ، كل مقاعده من الصخر ، وعلى خزانة فرعون فى منتصف السبك . وكانت دارا للحكم ، وتحتوى على ثلاث قاعات وبهو ، ومع أن جدرانها من الحجر الرسل فانهم عالجوها بالصقل حتى أصبحت كالمرآة لمعانا مع تموج فى الألوان منقطع النظير .

اشترك في نشرتنا البريدية