الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 121الرجوع إلى "الثقافة"

من سير الرحلات :, بين عمان وجرش فى شرق الآردن

Share

توصم الأربعار ٢٤ فبرابر سة ١٩٣٧ :

غادرنا عمان مع شروق الشمس ، قاصدين جرش ، قدرجت بنا السيارة في طريق معبدة صاعدة في الجبل ، حتى وصلنا القمة : فانبسطت الهضبة  ، وانكشف المنظر من جمال رائع : فعمان من تحتنا في أعماق الوادى غارقة في الضباب ، ومهرها الصغير ينساب صافياً بين الثنيات يلمع ماؤه تحت أشعة الشمس الغائرة ، وقصور الأمراء والأعيان منثورة على جوانب الجبال ، تظللها أشجار السرو الباسقة ، وهامات الجبال من فوقنا شامخة يطوقها السحاب ، ومروج خضراء من أمامنا تمتد حتى الأفق. وقد سرنا هكذا ساعة حتى اجتزنا الهضبة ووصلنا أطراف بادية الشام ؛ فتركنا الجبال ، وهبطنا إلى السهول، فتغير المنظر ، وتجردت الوديان ، وساءت حالة الطريق ، بسبب هطول الأمطار ؛ فعانينا كثيراً من السير فى الوحل ، والانزلاق في المتحدرات، والارتطام في الحفر واللف والدوران حول التلال. طال بنا الحال على هذا المتوال ساعات ، حتى ضاق صدرنا ونقد صبرنا ، ولم تبلغ عسكر المفراق إلا في الأصيل . وسألنا عن جرش فقالوا إنها لا تزال أمامنا على بعد ساعات ، فانقسمنا إلى فريقين : فريق يقول بالبيت بالمعسكر في انتظار الصباح ، حتى لا تتعرض لأخطار الطريق في الظلام ، وفريق يقول

بمواصلة السير على بركة الله حتى لا تتعرض لبرد الصحراء. وتغلب رأى الفريق الثاني ، فاندفعت السيارة إلى الأمام تشق طريقها في الوديان ، وعلى السفوح ، وفوق الربي ، وعلى القمم ؛ وأقبل النساء واشتد البرد ؛ وخاصرنا الشك من وصولنا جرش فى تلك الليلة سالمين ؛ فقد ابتلينا في هذه الرحلة بسائق لا يحترس ولا يكترث ، يسرع حيث يجب الحذر ، ويقلد حيث لا خوف من الاسراع ، وينساب فى الكلام حيث يجب السكوت ، وبصمت حيث يحسن الكلام ، ولا تحلو له الثرثرة إلا حيث يسابق الربح على شفا جرف ، أو فوق حافة هاوية ؛ أما حيث يستوى الطريق ويستقيم ، فهو عامل عامد لا ينبس بكلمة ، تستهويه المخاطر، فيهوى بالسيارة من ذرا الجبال إلى حضيض الوديان ، مسافة ألف متر أو يزيد ، بسرعة مروعة ، لا يحفل ما قد يعترضه في الطريق من عراقيل منحنيات، وكان كلما أقبل على مأزق عب من مقعده كالمجنون وارتمى بكل جسمه على عجلة القيادة يحركها ذات اليمين وذات اليسار كالدموع وهو يصيح : « برافو حسن » ؛ حتى إذا ما تخطى العقبة ، انحط في مجلسه ، غير مكترث لما نصبه عليه من شتائم ولمنات ، وتلهى عنا باشمال سيجارة ، أو بترويد أغنية مطلعها :

الشاطر الشاطر - من ركب المخاطر واقتحم الدرا - وروع الدساكر

حتى إذا ما فاض بنا الحال ، وبلغ منا الاضطراب مبلغ الغليان ، وامتدت إلى رأسه القبضات باللكمات ، التفت إلينا بكل برود وهو يقول :

بس هو جرى إيه ؟! خليكم بقى يا اسپادنا اسبور » سألته : أليس لك وله ؟ فقال : ولا زوجة أليس لك بلد ؟ فقال : ولا بيت كيف ذلك ؟ فقال : لماذا ؟ إلى أصبح وكل يوم في بلد ، وأمسى وكل ليلة في بيت - والرزق على الله. والحياة آخرها الموت.

أخذت الشمس تغيب رويداً وراء سلاسل الجبال واصطبقت جوانب الوديان بشتى الألوان ، وانعقد الطل على العشب وأوراق الأشجار ، وتجمع الفلاحون على منافذ القرى يتحدثون ويتمازحون ، وأخذت الماشية تعود من المراعي نازلة من رءوس الجبال أو صاعدة إلى سفوح التلال منتفخة البطون ، تسير الهوينا ، يتبعها فتيان وفتيات ، ثم هدأت الطبيعة وخيم الظلام ، وشملنا سكون رهيب ، فانكشنا في المقاعد، وسحبنا على الأكتاف المعاطف ، واستسلمنا للقدر، فليس لنا مع السائق من حيلة.

وصلنا جرش في عتمة الغروب، منهوكى الأعصاب. خارى القوى ، فألفينا على المعبد نظرة عاجلة مرجئين زيارته إلى الغد ، ولم نشأ أن ينقضى هذا اليوم مع السائق بسلام، فعولنا على الانتقام ، وهجمنا عليه زيد ضربه ، فأفلت منا وهو يرقص ويغنى كالبهلوان ، فأضحكنا ، ثم عفونا عنه بعد أن تعهد لنا بالإذعان والتزام جانب الاعتدال ، فيما بقي من الطريق ، ثم أوبنا جميعاً إلى قهوة ( بلدى ) في مدخل القرية ؛ وتناولنا القهوة والشاي ، الأقداح تلو الأقداح حتى وقت العشاء ؛ وتجمع حولنا بعض رواد القهوة من سكان جرش يستطلعون شأننا في أدب واحتشام .

لم تجد في جرش( لوكاندة ) نأوى إليها ، ولا مطلعها نأكل فيه ، وليس فيها غير هذه القهوة التي تجلس عليها ، وبينما نحن نفاوض القهوجي في أمر عشائنا وتومنا ، إذ أقبل من يدعونا لزيارة القائمقام حاكم الناحية ، فكانت مفاجأة طربنا لها ، واستقبلنا الحاكم فى داره استقبالا حسناً ودعانا الطعام ، فالتهمنا ما أعده أنا من الأرز واللحم التهاماً .

ثم توزعنا على منازل الأعيان ؛ فكنت وابنى من نصیب موظف البريد ، فذهبنا وإياه إلى منزله ، تصمد في أزقة ضيقة مبلطة ، ثم دخلنا داراً رحبة من طابق واحد، بسيطة العمارة ، استكملت على بساطتها جميع أسباب الراحة ، فنزلنا في حجرة بها مريران نظيفان عليهما غطاء مزركش ، وفي ركن منها موقد تصعد منه رائحة العود والصندل ، وعلى نضد وضع المصباح والفرشة والمشط وزجاجة «الكلونيا». وعلى الأرض السجادة و«الشلثة».

طابت نفوسنا لهذا الاستعداد الحسن غير المنتظر ، وقضينا الليلة على أحسن حال ؛ وفى الصباح قدم لنا فطور آخر من جبنة ومربى وزيتون وزيت ولا دقة ، كلها من صنع المنزل ، فأكلنا كثيراً. وحمدنا وشكرنا طويلا . ثم خرجت إلى ظاهر جرش للفرجة على المعيد، وهو من أبدع ما خلفه الرومان من الآثار في سوريا وفلسطين. وبدل ما بقى منه من أبهاء ومحمد وفسيفساء ، على ما كان عليه عظمة و جلال و جمال ؛ ثم جلست هناك على جلاع زيتونة عتيقة على حافة الطريق، أسرح الطرف في الأرض و السماء ، وأماى وادى جرش كالروض فيح أخضر تمتد اطرافه حتى تلاقى على مدى النظر بسفوح الجبال، وجداول الماء تتلاحق على طوله تتلوى بين الجانبين ، تهما تارة، وتحيد مهما طوراً. ومياء العيون تتدفق من شاهق ، فيدوى صوت خررها فى القضاء ، ورشاش الماء يطير فى الهواء راسماً هالات من أنوار صفراء وحمراء وخضراء ؛ والسماء زرقاء صافية، والشمس ساطعة دافئة ، والطبيعة ندية هادئة ، تشع في الكون البهجة والحبور ، طابت الطبيعة، وطابت النفس ، وطابت الدنيا . ونسيت فسى ، وتمنيت لو أبقى جالساً هكذا في هذا الجال وهذه الوحدة حتى آخر الدهر ، ثم أقبل حسن بسيارته وهو ينى :

دعيني أركب الخطرا    على أبلغ الوطرا

ثم قال : بنا هيا . فقلنا : إلي أين ؟ فقال : إلي البحر الميت .

اشترك في نشرتنا البريدية