الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 159الرجوع إلى "الثقافة"

من شئون الفكر والعاطفة

Share

يظن البعض أن التحدث في شؤون الفكر والعاطفة في مثل هذه الأوقات السود في تاريخ الانسانية ، هذيان وسخف ؛ فأخبار التدمير والتخريب وسفك الدماء تشغل الناس وتلهيهم عن أنفسهم . أما نحن فنزعم أن الحرب حدث عارض وقتى لا يلبث أن يزول وتزول أسبابه ، فتعود الانسانية إلي خطوها المتئد الرائب ، مدفوعة الأفكار التقدمية وسائرة نحو الكمال ... فلنتحدث إذا في تلك الشؤون ، وليكن حديثنا أشتاتا متفرقة ، سهلة المأخذ قريبة المتناول ، تقتل السأم وتزيل الشكوك .

الخير والشر :

هل هناك خير مجرد ، أم أن الخير فرض نسبى محدود ؟ وهل هو قديم ، أم محدث اخترعه الانسان ؟

هذه الأسئلة وأشباحها توشك أن تتأدي بنا سريعاً إلي نظرية المثل الأفلاطونية فهل الأشكال سبقت الأفكار أم أن الأفكار سبقت الأشكال ؟

ولكن ما الذي يغرينى اليوم بحديث الخير والشر ؟!

ألأني عودت عقلي الغوص فهام باستكفاء المجهول ؟ أم لأني علمت قلبى التشكك حين قرأت كلمة الجاحظ : " العوام أقل شكوكا من الجواص ، لأنهم لا يتوقفون في التصديق ولا يرتابون بأنفسهم ، فليس عندهم إلا الاقدام على التصديق المجرد أو على التكذيب المجرد ، وألفوا الحالة الثالثة من حال الشك " . فأردت أن أكون من الخواص ولو في حال الشك على أقل تقدير ؛ بل لعلى أردت أن أنهض إلي السؤال وألتمس المعرفة ، مسترشداً برأي أساتذتنا الكبار في مصر ، بعد أن فزعت طويلا إلي كتبي فما زادتني إلا شكا ، ولا أورثني مع الشك إلا الهم والنكد . وليت من يدربنى . هل تعدل نعمة التأمل في ميراث الانسانية العقلى نقمة الاحساس بلذع الحرمان وانقطاع الرجاء ؟ بل هل تعدل جميع اللذائذ الحسية حرقة الوجد الصامت ورقة الشعور المرهف فيمن يود أن يحس بألم كل من يألم في هذا العالم الشقى ؟! وهل كان أمية بن أبى الصلت صادقاً حين قال :

ليتنى كنت قبل ما قد بدا لى

                   في رءوس الجبال أرعى الوعولا

ليت من يدرينى

ولنعد بعد هذا الاستطراد إلي ما كنا فيه ، فلقد رأيت من يقول إن الخير لا ينبغى له أن يكون حقيقة من حقائق الكون العليا إلا إذا أطلقناه مجازا على النظام الذي يسيطر على الكائنات ؛ وأنا أقول : إن في الكون جوهرا أزليا مطلقا لا يحد ولا يتغير ، وكل ما عداه أعراض متغيرة متجددة بقوة الدفع الحيوية ، وإن هذا الجوهر هو علة التناغم والتناسق في الكون ، فهو الخير الأسمى ، وهو الحق الأعلى ، وهو الجمال المجرد ، وهو - بكلمة واحدة - مثال المثل ومصدرها تنبثق منه انبثاقا .

والإنسان ، كيف نحكم على تصرفاته أنها خير أو شر ؟ الانسان هو مخلوق مشدود بغرائز تأصلت فيه بفعل التطور بالنسبة للكليات ، وبفعل الصدفة المحضة بالنسبة للجزئيات ؛ وبين هذه الغرائز وعالم الحقيقة نزاع ينتج هذا الشر الذي نقاسيه . فالشر مخالفة التناسق فى الكون ، هو ما يصدم الروح فيسوق انفلاتها نحو النور .

أما الخير فهو معرفة الحق الأسمى وموافقة الارادة له ، هو أن يحقق المرء الغرض من وجوده ، ويتغلب بقوة روحه على عالم الأوضاع والحوادث والمناسبات ، هو التسامى في الرغبات والتحليق في جواه الصفاء والائتلاف مع تناغم السكون في وحدة كاملة.

ومن أراد مزيد إيضاح فليمعن النظر في رأي أبى الفلسفة الحديثة " كانت " في الأخلاف من كتاب ( مطالعات ) للعقاد : " فهو يقسم الاوامر إلى قسمين ، قسم الأمر المطلق ، وقسم الأمر المعلل ، فإذا قال لك قائل : اجتهد لتنجح ، فقد بين  لك العلة التى توجب عليك الاجتهاد ، وهذا هو الأمر المعلل ، وليس هو من الأخلاق ، وإنما هو من التماس المنفعة . وأما إذا قال لك قائل : أفعل الواجب ، أو كما يقول " كانت " لنفسه : افعل ما تريد أن يكون قانوناً عاماً لكل فعل ، فليس لهذا الأمر علة ما . فأنت في انقيادك لهواك خاضع للأسباب والمسببات والعلق التي يفهمها العقل ، وبهذا تقف عند حدود العالم المقيد ،

عالم الأشياء في ظواهرها ، ولكنك قيامك بالواجب حر مطلق من قيود السببية ".

فقضايا المثل العليا لا تفهم بالعقل ، بل إن العقل يدفسها ويشوهها ، وإنما هي تفهم بالبصيرة الواهية والشعور الوجداني العميق .

غرض الفنون والشعر العربي:

الغرض من الفنون التأليف بين الفكر والعاطفة لتصوير المثل العليا تصويراً جميلا فالفنون غاية في ذاتها ، وهي أجل من أن تكون حرفة للمكسب والغني ومطالب العيش الرخيص . والفنان يجب ان يكون عبقريا ليكون ملهما قوي الاحساس ، فالالهام وقوة الاحساس مطلوبان في الفنان قبل العقل الرصين المتزن ، لأنهما وحدهما مصدر الخلق والابداع .

فإذا قسنا الشعر العربي بهذا المقياس استطعنا بجرة قلم واحدة أن نحذف أكثر من نصفه دون أن نجود في الحكم أو نعدو الصواب . وإلا فما قيمة شعر المديح بتهاويله ، وأباطيله وسخفه الناطق بالفسولة والابنذل ؟ وهل كان الدافع إليه إلا جذب النفع لنفوس منهومة بالشهوات ؟

غير أن في الشعر العربي ناحية ناحية جليلة مجهولة أو مهجورة ، لعدم تعرض الباحثين لدراستها دراسة مستفيضة . هذه الناحية هي تلك الأبيات العاثرة المنشورة هنا وهناك التي تصور مبدأ خلقياً مثالياً ، أو تنقد لؤم الطبائع المتدلية ، بالغة الغابة في حسن التعبير والتأثير ، من هذه الأبيات التي تلمح فيها قوة الدفع الوجداني قول القائل :

أتهزأ مني أن سمنت وأن يري

                  مجمعي شحوب الحق والحق جاهد

أفرق جسمي في جسوم كثيرة

                 وأحسو قراح الماء والماء بارد

وقول الشاعر :

رأت رجلا أودي بوافر لحمه

                طلاب المعالي واكتساب المكارم

فقلت لها لا تعجيبن فانني

               أري سمن الفتيان إحدي المشائم

وقول الآخر :

إذا كنت وباً للقلوص فلا تدع

                  صديقك يمشي خلفها غير راكب

أنخها فأركبه فان حملنكما         فذاك وإن كان العقاب فعاقب

وقول الآخر :

إذا ما صنعت الزاد فالتمس له

                   أكيلا فاني احث آكله وحدي

أخا طارقاً أو جار بيت فاني

                  أخاف مذمات الأحاديث من بعدي

وإني لعبد الضيف ما دام ئاويا

                  وما في إلا تلك من شيمة العبد

وقول الآخر :

تبيتون في المشتي ملاء بطونكم

                     وجارانكم غرني ببقن خمائصاً

وقول الشاعر :

كفي بك داء أن تعيش ببطنة

                    وحولك أكباد نحن إلي القيد

الديمقراطية والدكتاتورية :

الحرية وملكة النقد من أثمن مقومات الإنسان العالي ؛ ومن خصائص الرجل المثقف أنه لا يفقد ذاتيته في المجموع ولا يعبد القوة في أحط أشكالها

والدكتاتور - ويمثله " هتلر " على مسرح هذا الجيل - يسعي قولا وعملا إلى إزالة هذين العالقين ؛ فهو يطلب من رعاياه الفناء في المجموع والطاعة العمياء للقوة الهوجاء .

فليت شعرى - وتلك حقيقة تقرب أن تكون من البديهيات - كيف لا يستحي المرتجل المثقف الحر من نفسه إذا سمح لها أن تشك لحظة واحدة في عدالة المبدأ الذي تحارب الديمقراطية من أجله ، وجدارته بالإنسانية السامية الفائقة للكمال .

ابتذال العقائر والعواطف :

لعل أول انتقاد يوجهه أعداء الشيوعية إليها أنها تفرض في بنيها العلم والفهم والادراك ، فيلج بيهم الخصام في العقائد والنظم ، ويشارك في الجدل العقيم بطبيعة الحال التاجر والصانع والعامل ، كل بحسب مطالبه المادية واستعداده الثقافى ، فيتسع الخرف على الرائق ،

ويصبح الأمر فوضى علي العقول الناضجة التي كان يجب أن تقود وتسود ، ويضيع صوت الحق الهادىء في جلجلة الأصوات الناهية التي لا تفقه ما تقول ، وتبتذل من ثم العقيدة الجديرة في صورتها المجردة بالاحترام .

والحب عاطفة شريفة لكنه ابتذل أيضاً ، لأن كل إنسان يحب نوعاً من الحب ، ولو كان محروما من الوعى والاحساس والشعور ، غير أن الشيوع في الحب قد أنتج خيراً كثيراً ، فالعبقري أبى أن يكون رقماً شائعاً من الأرقام التي تحب ، فكان مظهر إبانه هذه الفنون الجميلة العظيمة التى تميز الانسان اللاحق بالذرى من الانسان اللاصق بالتراب.

الغني والفقير :

أيها الغنى ؛ إذا أعطيت فأعط من ذاتك ، ولا تتعجل للؤم نفسك المعاذير فمن قال إنك تصلح لأن تكون موضعاً للنعمة المرتجلة الزائلة التى خصتك بها الصدف الهوج ؟ ومن زعم لك أنك خلقت لتكون آلة للعطاء ؟ سيقول لك شيطانك حين تري الأكف تمتد إليك ، مسترحمة بكلمات مغسولة بالدموع : أعط هذا ، وامنع

ذاك ، وانهر ذلك ، لأن عبرة الحياه واليأس تخنق بعض أبناء الكآبة فلا يستطيعون أن يشبعوا نهم نفسك التى تستجدى المديح المزوق الكاذب من فم يستجدى الخبز ممسك حياته أن تفيض ...

أعط وأنت مغمض العينين أعط كتلك الزهرة التى تفث عطرها علي حيد الطريق .

( شرق الأردن - أريد )

اشترك في نشرتنا البريدية