الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 115الرجوع إلى "الثقافة"

من طرائف الفن الإسلامي :, شبابيك القلل

Share

تحدثنا في عدد سابق من " الثقافة " عن ميدان من ميادين الفنون الإسلامية يشهد للفنانين المسلمين بحسن الذوق ودقة الصنعة وتقدم قوى التخيل والابتكار . وهو زخرفة شبابيك القلل ، التى تثبت أنهم كانوا يعملون للفن ذاته . وطبيعي أننا لم نعرض لهذه الناحية من الفن الإسلامي إلا بقدر ما يسمح به المجال في عدد من أعداد الثقافة ، كما أننا لم نستطع أن نفي الزخارف الهندسية في شبابيك القلل ما تستحقه من التنبيه إلى تنوعها وإبداع الفنانين فيها . ولكنا نعود اليوم لتفصيل بعض ما أجملنا الإشارة إليه في مقالنا السابق . وقد فهم بعض القراء مما ذكرناه في المقال المذكور أن أبدان القلل لم تكن تحلى بالرخارف قط . والحق أننا لم نقصد ذلك حين كتبنا " أن من

العجيب أن يعنى بزخرفة شبابيك القلل إلى هذا الحد بينما تبقى القلل نفسها بغير طلاء أو رسوم زحرفية " وإنما قصدنا التعجب من وجود قلل زينت شبابيكها بالرسوم الزخرفية ، بينما بقى البدن بغير طلاء أو زخارف . وإلى

القراء رسم قلة محفوظة في القسم الإسلامي من متاحف الدولة في برلين ( شكل ١ ) ، شباكها محلى بالرسوم ، أما بدنها فلا زخارف عليه ولا رسوم . والذي عجبنا له في مقالنا السابق واتخذناه مثالا طيبًا من أمثلة العمل للفن فحسب هو وجود هذه القلة ومثيلاتها (1) . أما وجود قلل على أبدانها زخارف بارزة فأمر لا ننكره ، ولا وجه للعجب منه . والمعروف أن في دار الآثار العربية بعض قطع من أبدان القلل ، عليها زخارف ، معظمها من الفروع النباتية والخطوط المجدولة والكتابات(2) ، وإلى القراء رسم قطعة منها ( شكل ٢ ) . ولكن القلل ذات الرسوم الزخرفية

كانت نادرة . وفي اعتقادنا أن سبب ذلك هو عظم المساحة المطلوب تغطيتها بالرسوم إذا أراد الصانع زخرفة بدن القلة بتمامه ، وقد يكون ذلك سببًا في رفع نفقة الإنتاج وارتفاع ثمن القلة . فالاقتصار على زخرفة شباك القلة يحقق الغاية الاقتصادية ولا يضيع على الصانع فرصة إظهار ما يفخر به من دقة ومهارة وذوق فني .

ومهما يكن من الأمر فقد لاحظنا أن معظم العبارات المكتوبة في شبابيك القلل حكم مأثورة أو عبارات دعائية ، وأنها ليست عنصرًا زخرفيًا مقصودًا لذاته ، وذلك لأن معظمها بخط لا إنافة فيه . ولكن القليل النادر من شبابيك القلل قد لا يصدق عليه هذا القول . مثال ذلك شباك في دار الآثار العربية عليه كتابة بخط كوفي زخرفي لم نوفق إلى قراءتها ( شكل ٣ ) ، وربما كانت كلمة  " كاملة " .

أما الرسوم الآدمية ورسوم الحيوان والطير والسمك والشجر والمراكب والعمائر ، فقد لاحظنا أن معظمها يشهد بأن صانعها كانت تنقصه المهارة ودقة الملاحظة ، حتى إن رسومة تبدو صبيانية وغير دقيقة . ولكن ذلك لا ينفي أن بعضها أصاب الفنان فيه غاية التوفيق في الإبداع الزخرفي وفي التعبير عن الحركة . ومن أمثلة ذلك شباك قلة مشهور ومحفوظ في دار الآثار العربية ، وقد أتينا برسمه في مقالنا السابق ؛ وقوام زخرفته رسم طاووس ملتفت إلى اليمين ،

ويشبه في أسلوبه الفني رسوم طواويس أخرى على أقمشة حريرية إسلامية محفوظة في بعض المتاحف الأوربية ، وترجع إلى القرن السادس الهجري ( ١٢ م ) ، الأمر الذي دعا الأستاذ أولمير إلى نسبته إلى العصر الأيوبي . ولكنا نعرف أن الفنانين في العصر الفاطمي كانوا أكثر توفيقًا في رسوم الحيوانات والطيور ، فليس ثمة ما يمنع من أن ننسب إليه تلك التحفة الفنية الجميلة ، إذا اتخذنا الرسوم أساسًا لتأريخ شبابيك القلل .

وإلى القراء بعض رسوم أخرى . ففي ( شكل ٤ ) رسم قارب فوقه مظلة أو سرادق . وفي ( شكل ٥ ) رسم بناء

بجواره فرع نبات . وفي ( شكل ٦ ) رسم طائر . وفي ( شكل ٧ ) رسم رجل جالس القرفصاء وفي يده إناء . وفي ( شكل ٨ ) رسم سمكتين التف ذيلاهما لينتهيا على شكل زهرة .

وقد كان بعض شبابيك القلل مزينًا برسوم قد تكون رنوكا أو أشعرة (1) ، مما كثر استعماله في عصر

المماليك ( شكل ٩ و ١٠ ) . وإن صح هذا فالراجح نسبتها إلى هذا العصر . ولكن الغريب أن طراز الأرضية التي يقوم عليها رسم " الرنك " بسيط في زخرفته ، الأمر الذي حمل أولمير على التردد في نسبة بعضها إلى عصر المماليك ومن الرسوم التي تبدو رنوكا فوق هذه الشبابيك البقجة والوردة والصولجان والسيف والهلال والكأس وزهرة الزنبق .

على أن أبدع الزخارف في شبابيك القلل هي الزخارف

الهندسية ، فهي غنية في تنوعها وعجيبة في إتقانها ، إتقانًا تتضاءل أمامه العناصر الزخرفية الأخرى في هذا النوع من التحف الإسلامية . ( انظر الأشكال رقم ١١ و ١٢ )

بقى أن نشير إلى أن أحد القراء كتب في مجلة أسبوعية تعليقًا على مقالنا السابق زعم فيه أن قد فاتنا " أن القلل في العصور الوسطى كانت على نوعين أحدهما نسميه - في اصطلاحنا العرفي - " القلل الصيفية " وتستعمل صيفًا وهي من الفخار غير المطلي ، لأن مسامها تساعد على تبريد الماء . والنوع الثاني " القلل الشتوية "

وتستعمل شتاءً لأنها مكسوة بطلاء زجاجي يحفظ على الماء درجة حرارته الطبيعية " .

والحق أن ذلك لم يفتنا قط ، وإنما عجبنا في مقالنا من العناية بزخرفة شبابيك قلل لا يطلى بدنها . أما أن هناك قللًا عليها طلاء فأمر لم ننكره أبدًا ، وحسب القارئ الذي بادر بالتعليق على مقالنا ، أن يرجع إلى كتابنا " كنوز الفاطميين ، ولا نخاله يجهله ، وقد كان حتى العام الماضي طالبًا في معهد الآثار الإسلامية ؛ ففي صفحة ١٧٢ من هذا الكتاب العبارة الآتية :

" فالفخار غير المدهون كانت تصنع منه أبسط الأواني اللازمة لطبقات الشعب ؛ ولا سيما القلل التي كانت من الفخار غير المطلى ، إلا في النادر جدًا ، لأن المقصود منها تبريد الماء ، ولا بد من المسام للوصول إلى هذا الغرض ، ومن ثم فإن الذي وصل إلينا منها يكاد يكون خاليًا من أى دهان زجاجي " .

وكذلك لم يفتنا أن هناك شبابيك في قلل مطلية بالطلاء ذي البريق المعدني ، فقد أشرنا إلى ذلك في كتابنا المذكور ( صفحتي ١٧٢ و ١٧٣ ) فقلنا إن في دار الآثار " قطعتين : كلتاهما من عنق إناء ( رقم السجل ٨٥٧٧/١٦٧

و ٨5٧٧/١٦٨ ) وقد بقى في كل منهما شباك . وهذان الجزآن مدهونان بطلاء أزرق عليه زخارف نباتية ببريق معدني من طراز الزخارف التي نراها على الخزف في القرنين الرابع والخامس بعد الهجرة ( ١٠ و ١١ م ) .

والحق أنا لا نعتقد أن من السهل تأريخ شبابيك القلل المحفوظة في المتاحف والمجموعات الأثرية ، وأننا نرى أن الأستاذ أولمير - الذي عنى بدراستها بالغ في تقدير النتائج التي تؤدي إليها طريقة الموازنة بين رسومها ورسوم سائر التحف . ولكن مبالغته هذه لا تحملنا على مخالفته في نسبة بعض شبابيك القلل إلى العصر المملوكي لأن عليها رسوم رنوك ، أو نسبة البعض الآخر إلى العصر الفاطمي لأن رسومها تشبه رسوم الحيوانات والطيور التي نراها على سائر التحف الفاطمية أو لأنها في قطع عليها طلاء من البريق المعدني الذي امتاز به العصر الفاطمي , غير أننا لا نرى بعيد الاحتمال أن يعني فخاريون في العصر المملوكي بزخرفة شبابيك القلل الغالية برسوم حيوانات دقيقة تبدو لنا كأنها من العصر الفاطمي . كما نظن أن شبابيك القلل الرخيصة في العصر المملوكي مثلا كانت تزخرف برسوم بسيطة حملت الأستاذ أولمير على نسبتها إلى القرون الأولى من العصر الإسلامي في مصر .

اشترك في نشرتنا البريدية