الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 171الرجوع إلى "الثقافة"

من هنا وهناك

Share

السؤال رقم ١٢ : متى وكيف ابتدأت الغارات الجوية ؟

عند ما اندلعت نيران الحرب العالمية السابقة ( سنة ١٩١٤ ) لم تك فكرة الإغارة على المدن الآمنة قد نضجت ، ولم يعطها أحد فى بادئ الأمر قليلا أو كثيرا من الاهتمام .

كان النشاط جميعه موجها لميادين القتال والجيوش المتطاحنة فيها ، بينما تركت المدن مما فيها من نساء وشيوخ آمنة مطمئنة لا يقلقها أزيز الطائرات ولا يزعجها صغير القنابل . لم تستمر الحال مدة طويلة إذ روعت الأراضى

البريطانية فى يوم ٢٤ ديسمبر سنة ١٩١٤ لأول مرة بغارة نهارية بواسطة طائرات ومناطيد ألمانية ، كانت قد اجتازت البحر الشمالى وأخذت تحلق فوق بقع مختلفة من الجزر الانجليزية قاذفة لهيب قنابلها يمينا ويسارا تنثر الموت والدمار . ورجعت الطائرات المغيرة إلى ألمانيا سالمة لأن الغارة - كما أسلفنا - كانت مفاجئة للبريطانيين ، فلم تتحصن لها بالدافع المضادة والطائرات المقاتلة وسائر طرق الدفاع المعروفة فى ذاك الحين .

عند ما عرفت ألمانيا بنتائج تلك الغارة تاهت فخرا . وأخذت تشيد بمناطيدها المعروفة " بزبان" وأخذت ترسل بها الفينة بعد الفنية إلى أرض أعدائها ، بينما كانت انجلترا من جانبها تستعد لدفع الغارات عنها وترشد الجماهير إلى اتقاء ويلاتها .

فى ذلك الوقت ظهر قائد سرب للطائرات الألمانية يدعي ماتهى mathy عرف بالجسارة والشجاعة والمقت الشديد للانجليز . وعند ما تطوع للإغارات على انجلترا ازداد سرور الألمان به وزودته المطارات الالمانية بالناطيد والقنابل والوقود ، على أن يأتيها بالنتائج الطيبة

والمعلومات القيمة .

وكانت أول غاراته المعروفة يوم ٨ سبتمبر سنة ١٩١٥ على لندن .

ويكفى أن تذكر أن التلف الذى لحق بالعاصمة فى تلك الليلة يقدر بأكثر من نصف مليون من الجنيهات . وعند ما قفل راجعا كانت نيران الحرائق تندلع فى الارجاء . وتلت تلك الغارة إغارات اخرى كان عدد ضحاياها أقل والضرر الناشئ منها يسيرا ، إلى ان جاءت تلك الليلة التى حاول ماتهي فيها هدم لندن بأكملها . وكان ذلك فى مستهل شهر أكتوبر من سنة ١٩١٦ عند ما امتطى طائرة على رأس سرب من أحد عشر منطادا تحيط به ، طائرات أخرى مدافعة بعد أن زودت بالقنابل على كافة أنواعها وأحجامها .

ابتدأت القافلة من ألمانيا فى الساعة الثامنة مساء ، فاجتازت القارة الأوربية بسلام ، وجمعت شطر الجزر البريطانية وطياروها يمنون أنفسهم بما سيصبونه من نصر ويلاقونه من فخر بعد تدمير وإحراق عاصمة بلاد أعدائهم .

وعند ما وصلت القافلة لندن كان الجو معتدلا وقد أضاء القمر أعلى منازلها ومبانيها فظهرت وكأنها فى وضح النهار . استعد الألمان لإلقاء قنابلهم ، ولكن وفى اللحظة المناسبة - ظهرت قذائف نارية انجليزية دفعة واحدة ملأت أرجاء السماء ، وأخذت تحيط بالطائرين الألمان والطائرات ، بينما سلطت الأنوار الكاشفة من كل جانب على المغيرين .

ذهل ماتهى ومن معه الذهول كله . وفى سرعة البرق أجير على إلقاء بعض قنابله فى العراء والرجوع من حيث أتى . فخيبت قوة الدفاع التى لفيها آمله ، وجعلته يقدر مخاطراته ويحتاط لكل خطوة بخطوها مستقبلا ويعمل لها ألف حساب .

رجع إلى بلاده يائسا والغيظ يأكل أحشاءه ، وصمم على أن يضحى - إذا دعت الحال - بمن معه وبنفسه فى سبيل رؤية لندن أطلالا .

أخذ يستعد وقتا طويلا حتى جاءت الليلة المقمرة المناسبة ، فأغار بعدد كبير من الطائرات والمناطيد ، ورمى كثيرا من القنابل ( ويقال فى بعض المصادر إنه يربو على المائة ) فى منطقة واحدة ، كان شارع ليفربول فى لندن فى مركزها الرئيسى ، وهو أحد الشوارع التى تشتد فيها الحركة ليل نهار . ويقال أيضا إن إحدى القنابل قد سقطت فى شارع مزدحم بالجماهير فقتلت شظلياها ثلاثة وثلاثين فى الحال ، وجرحت مائة وثلاثة وعشرين

ويجدر بنا أن نذكر فى هذا المقام أن الإصابة من شظية قنبلة غالبا ما تكون مميتة إلا إذا اصابت فى جسم الانسان موضعا غير خطير كالأطراف مثلا أما الشظية نفسها فيمكنها قتل أكثر من شخص واحد ، مع العلم بأنه عند ما تنفجر القنبلة المتوسطة الحجم يتناثر منها مئات ومئات من الشظايا .

والجدول المبين فيما يلى يظهر عدد ضحايا الغارات الجوية فى لندن وباقى الجزر البريطانية مدة الحرب الماضية ، كما يبين أيضا عدد الطائرات التى أغارت عليها وعدد القنابل التى أسقطتها .

الطائرات والمناطيد

التاريخ ١٩١٤ ١٩١٥ ١٩١٦ ١٩١٧ ١٩١٨

العدد ٣ ٤٦ ١٥٤ ٣٧١ ٦٩

عدد القنابل ٤ ١٥٥٦ ٣٧٧٦ 2٨٦٧ ٥٧٣

الضحايا

منطقة لندن .... ٣١٣ ١٤٧ ١٢١٣ ٥٤٩

باقى الجزر البريطانية .... ٣٢٦ ٧٨٤ ٩٠٢ ٨٢

قد نلاحظ فى هذا الجدول أن عدد الضحايا قليل إذا قورن بعدد القنابل التى رميت أو بالمجهود الذى بذل من الجانب الألمانى وقد شاهد بعض منا وسمع البعض الآخر بتأثير القنابل التى أسقطت فى حربنا هذه على بعض المدن المصرية . ولكن يجب ألا يفوتنا أن العلم قد تقدم كثيرا فى المدة التى انصرمت بين الحربين ، وأن فنون الآلات

الحربية قد تطورت حتى كادت تبلغ درجة الكمال فى أيامنا الحاضرة ، نذكر منها ما أفاد الطيران البعيد المدى والمواد المتفجرة داخل القنابل وتعدد أنواعها وأحجامها ، واختلاف مدة انفجارها ، إلى آخر تلك البدع الشيطانية التى اخترعها علماء الدول المتحاربة . وكم أن لندن وباقى الجزر البريطانية عانت الشئ الكثير من الغارات الجوية إبان الحرب الماضية ، وكذلك يقال عن أهم المدن والموانئ

الأوربية مثل باريس وكاليه فى فرنسا ، وسالونيكا فى اليوانان ، ودورازو فى ألمانيا وفريمبورج ومنطقة الرين فى ألمانيا ( على هذين البلدين الأخيرين أغارت الطائرات الفرنسية والإنجليزية )

ولا ننسى ( فى هذه المناسبة ) تلك الغارة النهارية التى شنتها طائرة نمساوية على مدينة القاهرة ، فكانت الأولى عليها ، وأسقطت فيها بعض القنابل فى أهم احيائها ، فأحدثت بعض الضرر فى الممتلكات ، وأصابت عددا قليلا من القتلى والجرحى .

ولما خرجت إنجلترا فائزة في عام ١٩١٨ ، لم تنس أن تستعد لحرب الغارات ، وتعوض فى الحرب الحاضرة ما فاتها فى الحرب الماضية ، فصبت بواسطة طائراتها وطائريها لهيب نيرانها على برلين ، كما تلقت ضربات برلين .

اشترك في نشرتنا البريدية