ننشر هذه القطعة الأدبية - على ما فيها من عامية لا تمر الكاتب على استخدامها - وذلك لما فيها من لغات فنية " الثقافة "
تركت مكتبي اليوم وهبطت المدينة لأتصيد قصة أكتبها ، وكانت الساعة قبل السادسة بقليل عند ما تنبه إلى أني ادخل شارع ألفي بك متجها نحو سينما ديانا . لم أكن أريد دخول أى سينما . فكيف بالله كنت سأتصيد قصة وأنا لاصق في كرسي محملق العين في الشاشة !
كانت يتدافع على الرصيف أمام السينما جمع كبير . وعندما قادتني قدماى إلى أمام الدار لم أشعر برغبة في اختراق تجمعات الناس إلى الداخل ، فوقفت بعيدا عن الرصيف ولم أرفع عيني إلى لوحة الإعلانات أعلى مدخل السينما الرئيسي . لم أكن أعرف أى فيلم تعرضه الدار ؛ لم أهتم قط بمعرفة اسم الفيلم الذي سأراء أو موضوعه . ولماذا أهتم باسم الفيلم أو موضوعه إذا كان كل ما أريد هو أن أتسلى بعد طول جاوسي إلى مكتبي . وأحست بيد تهز كتفي فانتفضت : " إنت يافندي . . " فاستدرت للتو أري صاحب هذه اليد وهذا الصوت ، كان عسكري المرور : " إنت نايم بافندي ! كان حيصدمك أوتومبيل وانت واقف كده سرحان بتبص في إيه ؟ بتدور على إيه " ونظرت إليه ولم أجبه ولكني قلت
لنفسي : بدور على قصة . . في هذه اللحظة "فرملت" سيارة خلفنا ، فقفزنا خطوة إلى الأمام ، وصادف أن كانت أمامي سيدة محترمة فاصطدمت بظهرها ولكنها لم تسقط إذا ستندت إلى زوجها وكان ذراعها في ذراعه .
- إنت يا عسكري ، هكذا صاح سائق التاكسي بلهجة حانقة ، المفروض إنكو تروقوا الشوارع مش تزحموها بنفسكم .
وصاح الرجل الذي اصطدمت بظهر امرأته : إنت مش خايف يا أخي ، خسرت فستان الست ! أنا مش عارف ليه بيسيبوا إليه والطين جنب الأرصفة من غير ما يفكروا يشباوها بعد ما يخلص المطر !
وصرخت الزوجة وهي تنظر إلى فستانها الذي انتشرت عليه بقع من الطين : الفستان ده لابساه لأول مره النهارده كلفني ثمانية جنيه ...
قال الزوج وهو يغمز بعينه ؛ أظن أنه كلفني أنا يا عزيزتي - إنت وإلا أنا : الحكاية واحده . - واحده إزاي إذا كنت أنا اللي بشتغل وبجيب الفلوس !
- أهو انتو دايما معندكوش حاجة تفتخرو بها إلا انكو بتشتغلوا وبتجيبو الفلوس . - قولي لي إنت إيه اللي تقدري تفتخري بيه . - أنا مبخدمشي في البيت ؟ ! مبطبخنش ...
وقال لي العسكري وقد نقد صبره : اطلع فوق الرصيف في الأمان يا فندي . ومضي يستأنف واجباته .
نظرت في ساعة معصمي : كانت عقاربها تشير إلى ثلاث دقائق قبل السادسة . كان الناس يتجمعون في البهو كما كانوا يتزاحمون على الرصيف أمام دار العرض . لم يكن باقي غير ثلاث دقائق يفتح بعدها البابان الحديديان الداخليان . كان البهو ممتلئاً بالناس إلى حد أن كان هذان البابان يلوحان كسدي ماء ، ما إن يتفتحا حتى ينساب خلالهما . لم يكن في البهو وفي خارجه على الرصيف موضع لقدم جديدة . ولكني أردت أن أشق لنفسي طريقا إلى داخل الدار فعبرت الرصيف بشق النفس ، ونظرت في ساعة يدي كانت عقاربها تشير إلى دقيقتين قبل السادسة ، وكان فيضان الناس في تضخم دائم ، إلى طوفان لو تمكنت فقط من الوصول إلى شباك حجز التذاكر فأحجز لي مقعدا ! وإذ جاوزت الباب الكبير تحولت عيناي أوتوماتيكيا إلى شباكي حجز التذاكر فواجهني لافتتان صغيرتان معلقتان خلف الزجاج وتعلنان في صفاقة أن "العدد كامل" . وقلت متأملا : هذا يعني أن كل مقعد في هذه السينما سواء في الصالة أو في البلكون محجوز . لا بد أن الفيلم عظيم !.
وظهر فجأة رجل في هذا البحر الإنساني المصطخب ، وقال لي ملوحاً ببضع تذاكر في يده : " عاوز كرسي يا بيه ؟ " - بكام ؟ - خمسناشر إرش للصالة . - خمستاشر قرش عشان كرسي تمنه تسعة ونص ؟ ! - إنت حر . غيرك كثير حيثشتري . - أنا مش مغفل على أي حال عشان اشتري م السوق السوده . - عندك كرسي في الصالة يا راجل ؟ - جاءنا هذا الصوت من الخلف . - خمستاشر ارش للصالة ؟ هكذا أجاب تاجر السوق السوداء .
- وهل سألتك بكام ؟ خد الخمسناشر إرش أهيه واديني التذكرة . وتم الشراء . وقال لي تاجر السوق السوداء : - شفت يا بيه ؟ ! - برضه مشي عاوز . - حتندم يا بيه - ليه ؟ - حكايه غرامية ، وده آخر يوم للعرض . - ولو . - خمستاشر إرش للصالة ، التذاكر ، اللي عاوز قبل منشطب
هكذا أنشأ تاجر السوق السوداء ينادي على تذاكره . ولكنه توقف فجأة ووجه إلي الحديث : - إذا كنت عاوزها صحيح يا بيه أنا أديها لك بربعتاشر . رن في نفس اللحظة جرس كهربائي رنينا متصلا فانفتح البابان الحديديان الجانبيان ، كالنهر الذي أزيلت سدوده . تدفق الناس كالسيل في مجموعات ضخمة في وقت واحد حتى إنه كان من الصعب على المراجعين الواقدين بجانب البابين الحديديين أن يراجعا تذاكر الذين مروا . كان كل باب كالمطر ، وسعيد الحظ من جاوزه بسلام .
خلية نحل . صيحات من كل جانب ، نداءات ، ضحكات ، أحاديث ، دخان يملأ المكان ؛ كان كل واحد يدفع من أمامه بينما هو مدفوع بمن هو كان خلفه ، وبدأ الناس يصعدون السلمين الجانبين الداخليين فيتفرقون في الردهة العليا قبل دخولهم الصالة . كنت ضائعا في هذه الجحيم . كنت مدفوعاً مع المدفوعين إلى الداخل ، وكنت أقاوم ولكن لم تكن مقاومتي لهذا الدفع كافية لتقهقري إلى الخارج . ولهذا فقد ثبت قدمي بالأرض منتظرا أن يخلو البهود فأعرف كيف أتحرك . كان لابد أن أضاد تيار المتدافعين المتدفقين لأغادر بهو السينما . . ولدهشتي لمحت وجها لم أكن رأيته منذ شهور . - هاللوا مش عجيبه تتقابل بعد المده دى في الزحمة دي ! - إنت داخل ؟ طب تعالى ناخد كاس ع البار نضيع به البرد ده . أعوذ بالله . - لا ، أنا مش داخل . كنت بحاول أخرج . - بعض أدامك . إنت أعمى ؟ وسخت الجزمه ...
قالها لمجهول " داس على حذانه . واستأنف موجها الحديث إلىَّ : معندكش تذكره؟
مقدرتش أحجز مكان . وفي نفس الوقت محبتش اشتري م السوء السوده . - عال ممكن تاخد تذكرتي الكرسي مكان كويس في النص ع الطرأه ، أنا في الواقع شفت الفيلم من يومين . حيعجبك ، أنا كنت عاور أضيع وقت بس . إذا كنت تحب، انتظرك في قهوة وبار عماد الدين الكبرى ، الساعة تسعة. - لا إذا أردت تتخلص م التذكرة عشان نقضي الليلة مع بعض ، يكون أحسن ، إذا حبيت عندئذ صاح صديقي ملوحا بتذكرته " تذكره في الصالة بالسعر الأصلي مين عاوز ؟ "
وللتو ظهرت سيدة عجوز لا تقل سنها عن خمسين سنة تضع على عينها منظاراً سميكا شقت نفسها طريقا حتى صديقي الذي ناولها التذكرة وناولته ورقة مالية من فئة العشرة قروش في صمت ، وقالت أخيرا بفرنسية ركيكة تدل على أنها ليست فرنسية وليست مصرية . ولكن سورية اغلب الظن : " أنا متشكر جدا يا بك تصور كل يوم كنت عاوزه أشوف الفيلم ولكن الكراسي يتكون كلها محجوزة ابل يوم العرض بيوم أو اتنين ... واحدة عجوزة زبي ما تقدرش تأف في الصف . متشكرة كمان مرة."
وبرقت عيناها امتنانا وابتسمت شفتاها بينما كانت تتجه مع المتدافعين إلي الباب الحديدي الأيمن .
- خدي التعريفه البائية يا مدام ولكن الدار كانت قد اختفت وسط الزحام وأخذ " المد " في الهبوط شيئا فشيئا حتى لم يبق غير نفر قليل من الناس بدأوا في مجموعات من اثنين أو ثلاثة يتكممون هنا وهناك أو يتحدثون أو ينظرون إلى لوحة الإعلانات الخلفية الصغيرة المثبتة عليها بدايبس الرسم عدة صور فوتوغرافية مأخوذة عن الفيلم . واجتمعت وصديقي أخيرا . - إلي اين - أي مكان وقبل أن نترك الرصيف أمام السينا ابتعنا كيسين من
الفول السوداني المقشر من البائع الذي كان ينادي على بضاعته أمام الدار .
لم يكن شارع ألفي بك هادئا في ذلك الوقت ، فقد كانت السينما تجتذب جموعا حاشدة من الفارغين العاطلين . كان رصيفا الشارع يخصان بالرائحين والغادين الذين كانوا يقصدون السينما مساء اليوم ، وكانت حركة المرور ثقيلة ، وقد " ركنت" عدة سيارات بجوار الأرصفة هنا وهناك اجزنا الرصيف على امتداد خارج ألفي بك ووجهتنا شارع عماد الدين ، وارتقينا الطوار ونظرنا في فترينات علات فيلكو للفريجدير والراديو ، وكنا نمضغ السوداني صامتين حتى طالعتنا فترينة مكتب " رحلات أوربتورز للسياحة" ، فوقفنا ننظر فما حوته . كان هناك نموذج مصغر للعالم ؟ ومن القاهرة، كمركز ، كانت تتشعب جزمة من الخيوط الحمراء متجهة إلى معظم عواصم البلدان الأوربية : روما، باريس ، أثينا ، لندن ، الخ كانت هناك وصيفة صغيرة من ورق الكرتون في ردائها الرمادي المزرق ، وكانت واقفة منتصبة القامة رافعة يدها اليمنى إلي جهتنا محيية ، وكانت تبتسم ، وكان هناك نموذج لطائرة ركاب كبيرة معلقة في طرف خبط من سقف نافذة العرض ، ومقطوعة طوليا لعرض المقاعد الجهية المريحة التي سيجلس عليها الراكب ... صور وكتيبات ملونة وعادية تعرض مناظر جميلة من البلاد الأجنبية . كل هذا كان مغموراً في ضوء الفلورسنت غارقاً فيه ، وأحصيت مقاعد الطائرة فوجدتها ثمانية وأربعين مقعدا عدا مقعدين لملاحي الطائرة ومقعدين آخرين لملاحين احتياطين ومقعدين آخرين لمضيفتين ، وكانت نافذة العرض منظمة بجمال ، حتى إن المار أيا كانت هويته لا يمكنه مقاومة إغراء النظر فيها .
قال صديقي وهو شبه ذاهل - حيث من كام يوم عن حادث سقوط طيارة وهلاك ركابها الثلاثة والخمسين . ولكن على أي حال فحوادث الطيارات أأل بكتير جدا من حوادث السكة الحديد والأوتومبيلات . وقيل أن أفوه بكلمة ، أردف صاحبي وهو يحملق في نموذج العالم :
- كنت أحب أعيش بره . - ليه ؟! - أهو كده زهقت . عاوز أغير - وإليه يمنعك ؟ ! سافر يا أخي . - أيوه ، سافر . كلام سهل يا صاحبي : سافر ! - طبعا سهل . واحد زيك شورت هاند تايبست فرنساوي ، متمرن ، سكرتير شاطر ، قديم . . بآلك كام سنه بتشتغل في الشركه ؟ - سبع سنين . - سبع سنين ؛ واحد زيك ميخفش على نفسه إذا سافر لفرنسا . . باريس مثلا . - كلمة " سافر " دى سهل على البؤ . . إذا كان على كنت سافرت من زمان . - وإيه إلي معطلك ؟! - بعض التزامات عائلية . إنت عارف الواحد مش عايش لوحده في الدنيا دي . ومضى يقص علي ، ونحن مازلنا أمام نموذج العالم ، ما الذي يمنعه من السفر والرحيل . وسأحاول هنا تذكر ما قاله صديقي .
- ما يمنعني من السفر للخارج إلا الجبن . نعم . إني حبان ، وجبني يعني شيئا آخر غير ما تفهمه يا صديقي ، لقد فكرت فعلا في الرحيل ، ولكن ما يمنعني من تنفيذه إلا مكاني من عائلتي . فأنا أكبر إخوتي : لي شقيق أصغر مني ما زال بالجامعة ، وآخر أصغر منه بالسنة الأولى بالمدارس الثانوية . إني أريد أن يقنعني أحد بفائدة وجود هذا الأخ الأصغر ! لماذا جاء هذا العالم ، أو جئ به إلى هذه الدنيا ؟ لقد كان منسياً بقصد بعد ولادة أخي الأوسط بعشر سنوات على الأقل . فقد بدأت والدتي تتناول العقاقير الطبية لتتخلص من الأجنة ، بعد شهورها الأولى أو الثانية ، التي كانت تتكون في أحشائها إذا حدث ولم تفلح هذه الاحتياطات الصناعة التى كانت تتخذها ويتخذها والدي . . هذه الأجنة التى كانت تحاول أن تفرض وجودها في هذا العمق السحيق ، حيث كانت تبدأ تكونها المضطرب الشائه . وإني لأذكر ، كما لو كان هذا قد حدث أمس فقط ، ظروف ولادة هذا الطفل الذي لم يكن مرغوبا فيه . كنت صغيرا عند ما كنت أقضي
إجازتي الصيفية المدرسية في الريف بمنزل جدي ، وقد بقى والدي باالقاهرة. ولاحظت أمي ذات أصيل منشغلة البال بشئ لم كن أعرف كنهه . كانت تجلس على "الكنبة " ووجهها في راحتي يديها ، وهي غارقة في تفكير عميق . ولكنها رفعت رأسها أخيرا وصاحت في أختها : " لم يكتب بعد ، بينما "هو" ينمو في أحشائي . إن لا أريده فعندي منهم الكفاية ؛ عندي اثنين . ألا يرسل "الحبوب" ! إني حاجة شديدة إليها " وقالت خالتي مهدئة من روعها :
أتودين حقا التخلص " منه ؟ ثلاثة أولاد ليسوا في الواقع بالعدد الكبير . وانت تعرفين أن قتل نفس بشرية بعد جريمة ، (وخالتي متدينة جدا) . قالت والدتي : " ولكن تصوري ، سيكون هناك عشرة أعوام أو ماحولها بين آخر ولد وهذا القادم الجديد الذي أحب التخلص منه . إني الآن في الثامنة والثلاثين ، وتعبت". قالت خالتي : " كنا سنخفي عنك الأمر ، ولكنا رأيناك اليوم حزينة . لقد وصلت "الحبوب" صباح أمس وتسلمتها أنا وأخفيتها حتى تكون لديك فرصة أطول للتفكير . ولكنك عنودة . وقد أرسل زوجك خطابا مرففا بهذه الحبوب ؛
عندئذ قفزت أمي : "اين هي الحبوب ؟ أين هي ؟ " وأخرجت خالتي خطابا وقنينة من تحت الوسادة التى كانت تسند عليها مرفقيها .
كنت أرقب كل شئ : اختطفت والدتي القنينة ونزعت سدادتها وأخذت منها حبتين في راحة يدها وحملقت فيهما كانت حبوبا دقيقة سوداء ، وكانت قادرة ، كما ظنت أمي ، على قتل نفس بشرية . وقرأت خالتي فقرة من الخطاب : " تناولي ثلاث حبات في المرة كل ساعتين . لديك خمس عشرة حبة ؛ ستتألمين في النهاية ، ولكنك تودي هذا ..."
وانفجرت أمي من الفرحة : " سأتخلص منه ، لا أحب أن أحمل مرة أخرى . سأحطمه . سأبيده". وقالت خالتي : " تذكرى أنك تحبين أن يكون لك بنت . من يدري ، فقد تكون هذه هي البنت التي تريدين . " وكان رد أمي ؛ " لا أحب أن أخاطر . فقد يأتي ولدا ثالثا . لا سأحطم الجنين . سأحطم الجنين . . " وهكذا تناولت ، أو على الأصح ابتلعت والدتي الحبوب
حسب ما كان موصوفا في خطاب أبي ، وانتظرت . انتظرت ، ولكن دون جدوي . فقد كانت النطفة قد تطورت إلي جنين ، وكان الجنين قد التصق بجدار الرحم . لم تعد الحبوب ذات نفع . وبالرغم من أن أمي عانت كثيرا فقد صمم الجنين ، منتقما ! على أن يشترك في هذه المهزلة الإنسانية . وولد بعد عدة أشهر طفل في القاهرة ... وبعد أحد عشر عاما أصبح الطفل غلاماً بالسنة الأولى الثانوية ، لماذا -إني دائم التفكير - لماذا ولد هذا الطفل ؟ هل سيؤثر وجوده في حياة البشرية . قد يعيش طويلا ، وقد يرحل عن الأرض كما جاءها : لا زيادة ولا نقصان .
هذه عقبة . وهناك عقبة أخري ، فقد تعدى والدي الخامسة والخمسين من عمره ، وهو ليس في صحة جيدة تساعده على الحياة . وعلى أي حال فلا يعيش الإنسان إلى الأيد . لنفرض أن أبي قد توفي . من يتولى أمر هذه العائلة ، أخوي وأمي ؟ !
هذا ما يشغل خاطري . فقد كنت أحب الهجرة إلى باريس بالذات لأني أتقن اللغة الفرنسية ، وكان تعليمي كله فرنسياً ، هذا بالإضافة إلى أني أعمل بشركة فرنسية مركزها الرئيس بباريس . وهذا يعنى أنه من السهل أن احاول طلب نقلي إلي مركز الشركة بفرنسا . إني أريد أن أري العالم وأعيش كما أحب أن أعيش ! ولكن التزاماتي حيال عائلتى لا تسمح لي بتحقيق رغبتي التي تزداد يوما بعد يوم . فواجبي أن أظل إلى جوار عائلتي . . فمن يدري !
إني اعتبر بقائي في هذه الحالة جبناً . أجل ، إني أجبن حيث لم يجبن غيري ، كانت له نفس ظروفي العائلية أو ما يشابهها . فقد كان لي زميل يعمل بنفس الشركة التي أعمل بها وله عائلة مثل عائلتى . ولكنه ترك القاهرة بمن فيها ورحل إلي باريس ليبدأ حياته من جديد في جو جديد ، في جو جديد بغض النظر عن أي اعتبار آخر . . إني جبان ، جبان " .
هذا هو ملخص ما قاله صاحبي وهو ذاهل عني بالنظر إلى نموذج العالم . وعند ما وجد نفسه قد انتهى من سرد ظروفه جذبني من كم جاكتتي وقد سرحت أنا ايضا في مشكلته . - ياله يا عم . كل واحد في الحياه بيحلم بحاجه . ولكن إيه الفايده ؟ !
ومشينا أمام مدخل " رحلات أوربنتورز للسياحة " واكتشفنا نافذة عرض أخري بها نفس نموذج العالم والمضيفة من ورق الكرتون في ردائها الرمادى المزرق ونموذج الطائرة ؛ كل هذا يماثل النافذة الأولى .
واتجه صديقي بناظريه أوتوماتيكيا إلى الدائرة الزرقاء الصغيرة التى تمثل باريس ، وتنهد تنهيدة عميقة واستأنف سيره بجانبي .
عدت إلي البيت بعد أن امضيت وقتا طيبا مع صاحبي . وعند ماخلوت بنفسي لأكتب شيئا تذكرت أني لم أصيد قصة ما هذا السماء . وعجبت ! وقلت مفكرا : يقولون بأن الحياة ملأي بالقصص من كل نوع : في كل خطوة تخطوها وفي كل حديث يدور بيننا والآخرين ، في كل وجه وكل ضحكة وكل جبين مقطب . . فكيف مر على هذا السماء من السادسة حتى الثامنة والنصف أو التاسعة ، دون أن أعثر على قصة اكتبها ! ؟ وهأنذا الآن أهرش جبيني في حيرة ! الا يمكن أن آخذ شيئا من ظروف النقائي بصديق ؟ ولكن ماذا آخذ وماذا أدع ؟ ! إن القارئ قد لا يهمه كيف التقيت بصديقي في وسط الرحام في بهو السينما بالطريقة التي دونتها في هذه اليوميات . ثم ماذا ؟ إن هذه الصفحات التى سطرتها عن التقائي بصديقي ما هي إلا " وصف " مسلسل منذ وقفت أمام السينما حتى خرجت مع صديقي من الدار ، وقد يكون في هذا الوصف الدقيق لكل ما حدث ما يبعث على ضجر القارئ وإملاله ... لا دعنا من هذا ، ولأفكر في حديث صاحبي : هذا شاب يضيق بالحياة ، بهذه الحياة الرتيبة الملة ، فيفكر في " التغيير " ، يفكر في الرحلة إلى أوربا ، ولكنه لا يتمكن من السفر والهجرة لأنه أكبر إخوته ولأن مكانه في العائلة دقيق ، ولأن والده قد يحتاج إليه أو لأن عائلته قد تحتاج إليه في وقت الشدة . هذه هي مشكلة صاحبي ، وقد حاولت نقلها إلى هذه الصفحات . . فهل سأتمكن من صياغتها في قصة قصيرة مثلا ؟ ! ولكن أين " الحبكة " في هذا السرد ؟ كيف أخلق " حبكة " لهذه القصة ؟ لأدع هذا ليوم آخر ، أما الآن وقد كلت أصابعي من إمساك الفلم ، فسأتناول كتابا أقرأه .

