1 - العلم وتطور غاياته في شتى العصور:
نشأ العلم جنيناً في أحشاء المعرفة البشرية عند قدماء المصريين والهنود ومن إليهم من شعوب الشرق القديم، وكان أداة لخدمة الحياة العملية، وتحقيق الملح من مطالبها، ووسيلة لتنمية العقيدة الدينية وتوكيد سلطانها في قلوب الناس، ثم أقبل عصر الفلسفة اليونانية فجاهد أهلها لإنقاذه من عبء الحياة العملية وضغط العقيدة الدينية معاً، ورفعوه إلى البحث البريء الذي لا يعرف غاية يرمي إليها إلا اللذة العقلية وحدها. ثم أقبلت العصور الوسطى وقد تمكن الدين المسيحي من قلوب الناس، وهيمن على عقولهم، فهبط العلم من سمائه وأدركته العبودية من جديد. إذ سخره أهله لخدمة الدين وتمكين نفوذه، وأقام العلم على احتماله لهذا الاستعباد حين تمرد أساطين النهضة على سلطان الكنيسة، وتولوه بالتحطيم والتدمير. وأقبل القرن السادس عشر، وأوربا في غليان فكري أثار لوناً من الشك الهدام. أفقد الناس اليقين في مجال العلم، والاطمئنان في ميدان العمل، وحطم وحدة أوربا وتركها ركاماً وأنقاضاً، واطمأن لهذا الانتصار الفاشل دعاة الشك اليائس: أجريبا وسانشيه ومونتاني. بيد أن الناس قد ضاقوا بدعوتهم وتطلعوا إلى اليقين والاطمئنان واستخفهم الرضا عن دعوة جديدة ظهرت في أواخر القرن السادس عشر لمقاومة هذا الشك الهدام، تولاها ثلاثة من أعلام الفكر هم: شارون وديكارت وبيكون، فدعا الأول إلى الاطمئنان عن طريق الإيمان الديني - وكان روح العصر لا يلائم دعوته - وبشر الثاني باحترام العقل واعتباره أصدق معين تستقى منه المعرفة الصحيحة فكان أبا الفلسفة الحديثة؛ ونادى بيكون بالإيمان العلمي عن طريق التجربة، وحدد للباحث طريقته ورسم له منهجه، وأعلن ميدان العلم وغايته في وضوح لا يحتمل الالتماس فكان أبا العلوم الطبيعية الحديثة، وعلى يديه خرج العلم من أحشاء المعرفة البشرية، واستقل عن الدين والفلسفة والأدب، وتميزت شخصيته وتحدد ميدانه وعرفت غايته. ذلك أن بيكون أعلن احتقار العلم الذي يدرس للذة العقل أو خدمة الدين، وأكد الدعوة إلى ربط
الأبحاث العلمية بالحياة العملية وقصرها على صالح الإنسان ومنفعته. فكان ميلاد العلم الحديث شبيهاً من بعض الوجوه بميلاده القديم. واستبسل بيكون في الدفاع عن العلم حتى كفل له الاستقلال عن سائر ألوان المعرفة، وحط عن كاهله عبء الأغراض الدينية ولكنه لم يكفل له حريته كاملة موفورة، فأذله مرة أخرى وسخره لخدمة الحياة العملية وتوفير السعادة للناس. وهكذا
بدأ العلم في عصوره الحديثة مستقل الشخصية صاحب منهج محدود وغاية مرسومة، يتهكم بالفلسفة ويسخر من أهلها، ويبتعد عن العقيدة الدينية ويقيم الحدود الفاصلة بينه وبينها، ولكنه مع هذا الاعتزاز الذي لازمه الغرور قد شعر بعد بأنه ليس سيد نفسه. إنه مسخر لخدمة الإنسان، ونجاحه رهن بتحقيق هذه الغاية. فلما شب العلم بعد هذا ونضج عقله، ثاب إلى رشده، فكف عن الطعن في الفلسفة، وتقبل منها النصح بعد أن أرشدته إلى الكثير من أخطائه، وأخذ يجاهد لتحرير نفسه من ذل الأغراض التي رسمها له أبوه، وأصاب النجاح في مسعاه، وحقق حريته كاملة غير منقوصة، وأصبح يدرس لذاته بقطع النظر عن كل غاية - بالغاً ما بلغ سموها - إلا إذا اعتبرت اللذة العقلية نفسها غايته. إنه قد تحرر من ذل الحياة العملية واستعباد العقائد الدينية وامتهان الأغراض القومية - أو هكذا يزعم أصدقاؤه وحواريوه - وأصبح يفاخر الأدب والفن والفلسفة بأنه سيد نفسه، لا يخضع للعاطفة، ولا يحترم الهوى، ومنهجه موضوعي قائم على تعرف الشيء من حيث هو شيء، دون نظر إلى علاقته بخير المجتمع وصالح الإنسان. وقد أدى هذا بقواعده إلى أن تكون بمنجاة عن التأثر بالزمان والمكان وما يلابسهما من ظروف. أما الفلسفة والأدب فإن أحكامها تقديرية بالإضافة إلى ذات شاعرة مدركة تتأثر بمزاجها وتتفاعل مع بيئتها وظروفها. ووجه الخلاف بين هذا المنهج العلمي الحديث، والمنهج الذي رسمه بيكون قائم في الغاية وحدها. كان بيكون لا يحترم العلم إلا بمقدار ما يحققه للإنسان من خير، وما يوفره للمجتمع من نفع وهناء، فاسترد العلم حريته التي كانت له أيام اليونان، وأصبح يجاهر على لسان المجمع البريطاني لتقدم العلوم سنة 1915 بأن العلم يطلب لذاته أولاً. قال رئيس المجمع ما خلاصته: إني أقدر العلم حق قدره، وأكبر خدماته للمجتمع الإنساني، ولكني أعلن أن العلماء إذا اغتبطوا للظفر بما تضم الأرض من ثراء، وما تنطوي عليه كواكب السماء وجواهر المادة من قوة،
فليس مرد اغتباطهم إلى أنهم يرفعون الثروة المادية فوق اللذة العقلية؛ وإنهم ليستشعرون اللذة مضاعفة عندما يستعملون قوى العقل للوصول إلى منفعة الأمة، ولكن هذا كله لا ينبغي أن يمنعنا من تخطئة الحط من شأن المبادئ الأدبية، فإن هذا الامتهان قد ولد الرأي الفاسد القائل بأن القوة تخول صاحبها امتلاك ما يشاء (لعله يقصد ألمانيا التي أشعلت الحرب الكبرى قبل خطابه ببضعة شهور). ثم قال المجمع في اجتماعه الذي عقده بعد ذلك بعشر سنوات: إن القائلين بأن غاية العلم هي التسلط على قوى الطبيعة لخدمة الإنسان - وهي دعوة بيكون - يبالغون في الاعتقاد بصحة ما يزعمون، فما كانت المنفعة أكبر الأسباب التي حملت العلماء على مواصلة أبحاثهم، ولكن أول غرض يرمي إليه العلم، إنما هو الكشف عن قوى الطبيعة ومعرفة ما بينها من صلات، وتصنيفها حتى يأتلف من مجموعها نظام معقول. ذلك أول أغراض العلم؛ أما المنفعة المادية فيجنيها الناس بعد من وراء ذلك، وبهذا يصبح الاشتغال بالعلم لذة عقلية تكاد تلحقه بالفنون الجميلة!. . . والعلماء الذين يبلغون مناهج العلم العليا يشعرون بالرابطة التي تصل بين العلم والفن، وتجعل الطبيعة موضوع بحثهما معاً لغير ما غاية إلا التملي بجمالها. إن التحليل الجبري المنظم لشبيه بالنغمة الموسيقية ذات التوقيع المتسق، وهذا تشبيه يثير دهشة الذين لا يرون في الجبر إلا أرقاماً وعلامات، ولكنه مقبول عند الذين يعرفون نسبة هذه الأرقام والعلامات إلى المعنى الذي تخفيه وراءها، فهي كنسبة العلامات الموسيقية إلى الأنغام المطربة، والأثر الذي تخلفه في نفوس سامعيها. ثم يعزو رئيس المجمع اهتمام العلماء بالعلوم الطبيعية إلى ما تنطوي عليه مباحثها من بهجة وجدة، لا إلى ما ينتظر من ورائها من نفع مادي، وإن كان تحقيق هذا النفع أمراً أكيداً! بهذه الروح (الفنية) يتحدث العلماء المحدثون عن العلم وغاياته. كان بيكون في مستهل العصور الحديثة يتهكم بالعلماء الذين ينفقون الوقت الطويل في الدراسات النظرية التي لا ترمي إلى خدمة الإنسان، فأصبح العلماء في آخر القرن الماضي يتحدثون عن علاقة العلوم الطبيعية بالعلوم الأدبية، ومشاركتها لها في تهذيب النفوس، ويقولون أنا نلوم العلوم الأدبية إذا اقتصرت على دراسة الإنسان وأعماله، وأهملت ظواهر الطبيعة وقواها؛ ثم نلوم أنفسنا إذا اقتصرت - علومنا الطبيعية - على النظر إلى الطبيعة ولم تتجاوزها إلى الإنسان وأعماله. ثم تطورت هذه الروح في القرن العشرين
حتى أصبح العلماء يفكرون في العلاقة بين العلوم الطبيعية والفنون الجميلة، ويتحدثون عن الجمال الذي تكشفه الدراسات إذا انصبت على ظواهر الطبيعة، ويتكلمون عن أثر هذا (الجمال) في نفس العالم وتشجيعه على مواصلة البحث، وإن لم ينكر هؤلاء العلماء ما يترتب على دراساتهم من نفع إنساني لم يقصدوا إليه، ولم يتجهوا إلى تحقيقه. تلك أحدث وجهات النظر في فهم العلم الطبيعي وتجديد غاياته فيما نعلم

