اطلعت في " الثقافة " الغراء على مقال للأستاذ محمد خلف الله نبه فيه الفراء والأدباء إلي عظيم من عظماء الشرق ، بل من عظماء الأدب العالي والفلسفة الانسانية ، أعني مولانا جلال الدين الرومي مجدد القرن السابع الهجري .
ونحن محمد لحضرة الكاتب هذه الوثائق التاريخيه وهذه الشهادات التي سجلها اساطير الأدب الغربي في مختلف لغات اوربا ، ويذكرني هذا بما يثير الالم العميق من نفيه هؤلاء الرجال وغفلتنا عن هذا التراث المجيد ، وإن كان مولانا جلال الدين ليس بالمجهول قدره ، ولا الخامل ادبه ، فكتابه في جميع البلاد غير العربية ينال المكانية الأولى من الدرس والعناية ، بعد القرآن الكريم والصحيحين
أذكر أنني في تركستان كنت أتلقي شرح المثنوي على يد قاضى القضاة العلامة " داملا محمور الكاشغري " في جمع حاشد من كبار الطلبة تنتظم حلقتهم بعد صلاة الفجر ، وكذلك رأيت هذه المكانة عند ما وصلت إلي ربوع الهند ، وتبينت ان القيمة الأدبية والعلمية بلغت بالمثنوي إلي حد أن لا يقوم بتدريسه سوي كبار العلماء ، ويحدثنا الدكتور عبد الوهاب عزام عن مدرسة في تركيا خصصت لهذا السفر الجليل باسم " دار المثنوي " . فأنت تري معي ان هذا الكتاب على قدر صيته البعيد ، ومكانته القصوي في أقطار الشرق ، يكاد يعد في حكم المجهول في الأقطار العربية ؛ وفي ظني أنه قد كان حربا بالعلماء أن ينقلوه إلي العربية منذ ردح طويل ، وأرجو أن أكون ممن يوقفون إلي إتحاف قراء الثقافة بما يتيسر لي من
قصصه الباهرة ؛ ولكني أعود إلي الأستاذ فأحدثه غير ناقد ولا متحيز إلي فئة ، ولكني أردت إحقاق الحق وكشف الأوهام عن صريح التاريخ . وأول ما يسترعي وقفة بسيرة مع الأستاذ مسألة ادعاء الأتراك بجلال الدين الرومي ، فأحسب أنه ما من مؤرخ يقصد إلي محض الحقيقة يستطيع أن ينكر على مولانا جلال الدين الرومي نسبه ونسب أسرته من الترك ؛ فأول ما يقال عنه إنه محمد جلال الدين الشهير بلقب ) خداوندكار ( بن محمد بهاء الدين بن الحسين البلخي ، وبلخ هي مدينة تاريخية من مدن التركستان ينسب إليها غير واحد من العلماء المشهورين في الفقه والتصوف ، وهي الآن في ضمن الولايات التابعة لحكومة أفغانستان ، ولا زال سكانها يحافظون على قوميتهم ولغتهم التركية إلي الآن . ولئن يكن مولانا جلال الدين يمت بالقرابة القربي إلي من سماهم حضرة الكاتب ملوك فارس ، فما هؤلاء الملوك سوى الخوارزمشاهيين من الأتراك وقد ذكر المؤرخون أنه لم ينس لغته الأصلية ، فقد نظم " ديوان شمس الحقائق ملما باللغة التركية ، كما نظم ابنه الشهير بسلطان ولد قصائد حافلة باللغة التركية كذلك .
وقد ذكر بعض مؤرخ الأدب الفارسي ما مختصره : " قد أخطأ بعض كتاب أوربا في زعمهم أن مولانا جلال الدين وعلي شير نواي من الفرص ، وهو وهم خاطئ ، ولدينا من الوثائق الناطقة والبراهين الدامغة على أن الشاعرين تركيان نسبا ولغة ؛ وإنما اختار اللغة الفارسية النظم كثير من أشعارهما ، لأنها لغة الثقافة والأدب إذ ذاك في تلك الاقاليم الآسيوية ، وقد عفا الاسلام علي آثار الجنسيات والألوان أمام الوحدة الجامعة التي تربط الجميع برباط وثيق من الألفة التي لا يميز قوما على قوم ، ولا لغة على لغه ؛ ولعله يجدر بي ان ادع والد مولانا جلال الدين حدثنا عن نفسه فيقول فيما نقله العلامة مولانا أعداء الله
الهندي في مقدمته التاريخية للمثنوي ، يقول نقلا عن والد مولانا جلال الدين ما نصه : ) ما أز اتراك اين ناحيتيم : از قديم اجداد ما از آب امو بودند ( إننا من أتراك هذه الناحية ، وكان أجدادنا منذ القديم من نهر امو " .
ويعلم من بقية القصة التي في المقدمة ان والد مولانا جلال الدين كان من العلماء المشهود لهم بالكفاية والمقدرة ، وقد التف حوله الطلاب في تركستان ، وتكاثر عدد تلاميذه ، إلي أن وشي به العلامة فخر الدين الرازي إلي السلطان علاء الدين خوارزمشاه ، وقد خشي السلطان ان يتزلزل الملك من تحت قدميه أمام تلك المكانة التى يتمتع بها ابن اخته مولانا بهاء الدين والد جلال الدين في قلوب العامة ؛ ولما تنكر له السلطان اعتزم الرحيل في اسرته من بلخ حتي وصل بغداد ، وبها ظهر نبوغه ومقدرته العلمية ، فطلبه السلطان علاء الدين السلجوقي حتى التحق . أخيرا في قونية ، ونال عنده الحظوة والتقدير . ويعلم من هذا كله أن الاتراك لم يدعوه لأنفسهم لأنه زار قونية أو أقام بها ، كما يحدثنا حضرة الكاتب ، بل لأنه ولد في بلاد تركيا من أسرة تركية ، وهاجر إلي بلاد تركية ، وعاش في ظل ملوك الترك ، ومات في بلاد تركية .
ثم أخذ علي الكاتب أيضا نقله عن كتاب الغرب نقلا كان ينبغي أن يتناوله بشيء من التمحيص ، فنسبة الحلولية إلي مولانا جلال الدين وإطلاق هذا القول يثير الوهم والشك في مكانة مولانا جلال الدين العلمية والدينية ولعل هذا الوهم قد تسرب إلي كتاب الغرب لبعدهم عن فهم الأساليب الشرقية مهما كانوا مستشرقين أو باحثين ؛ فالعبارات التي توهم الحلول لم ينفرد بها مولانا جلال الدين وحده ، بل هي عبارة الوف من المتصوفة ، وليست إلا مجرد اصطلاحات يريدون بها ان يبينوا مكانهم من الحب الإلهي والتعلق بأنواره ؛ وهم يرجمون في ذلك إلى أسلوب القرآن والحديث ففي القرآن وما رميت إذ رميت ولكن
الله رمي " إن الذين يبايعونك إنما يبيابعون الله " وفي الصحيحين نري في الحديث القدسي : " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتي احب ، فإذا احبيته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها الخ فإذا جري المتصوفون على هذا النحو من الأسلوب ، فهم إنما يعنون به شدة تعلقهم بالله ، وتأثرهم بذكره ، والاستغراق في جمال صفاته واسمائه ، وانهم في جميع حركاتهم وسكناتهم قد شغلوا بالله عن كل ما عداه ، وانصرفوا بكلياتهم عن الشواغل والأغيار ؛ وقد اوضح ذلك كله مولانا امداد الله الهندي في المقدمة السالف ذكرها على أن مولانا جلال الدين لم يجر في عباراته أمثال هذه الجمل إلا يسيرا ، وهو في ذلك أقل من غيره بكثير وبأكثر من الكثير
إننا نلاحظ فيما نقل عن أبي منصور الخلاج وفي كتب ابن العربي جملا لا يحصيها العد ، وقد فرغ المفسرون من تأويلها ، فهي عبارات لا يراد بها ظاهرها ؛ وكذلك قصائدهم في العشق التي تملا الأدب الفارسي ويوجد منها شئ في العربية كديوان ابن الفارض ؛ وقد ألف الشراح الكتب الطول المفصلة في إيضاح ما لمحمض من إشاراتهم والكشف عما استغلق من عباراتهم ؛ فلم يكن مولانا جلال الدين حلوليا ولا ممن تأثر مذهب التناسخ وإلا لكان المسلمون - وفي مقدمتهم علماؤهم - طوال هذه الأجيال والأحقاب وفي مختلف اللغات والأقطار ، أحرص على ملتهم ، والغير على شريعتهم من أن يهملوا بيان ذلك . لم تتمد عبارة مولانا جلال الدين بيان مراتب الوجود الإنساني ، تلك العبارة التي أوهمت ميله إلي مذهب التناسخ ، ونحن نربأ بمقامه الديني ومكانه من المسلمين عن النزول إلي هذا الدرك ، وهو مسلم سني قبل كل اعتبار ؛ فإلى ان يحين الوقت للعودة إلي بيان تاريخ مولانا وأسرته على وجه التفضيل ارجو أن يكون الأستاذ الكاتب قد اقتنع واقتنع القراء معه أن
مولانا لم يكن في تصوفه إلا موحدا ، ولم يكن حلوليا ولا تناسخيا
وقد جرت في مقال حضرة الكاتب بعض ملاحظات في نقل عبارة المثنوي في القسمة ، ولا تدري اكانت عمدته في ذلك الترجمة أم غيرها ؟ وإني أحيل حضرته إلى نفس المثنوي وهو مطبوع ، وفي مقدوره ان يعود إلي مراجعته ، كما أني أحفظ للكاتب في نفس كل تقدير وإعجاب برغم هذه اللاحظات ، فقد نبه القراء إلي واجب من اسمي الواجبات التي تتناول مفاخر الشرق وماثر الأدب وتراث الإسلام .

