مونتيني اديب فرنسي عاش في القرن السادس عشر ولم يخلف لنا سوى كتاب واحد ، وذلك هو " المقالات " وكانه يصب نفسه صبا في هذا الكتاب الفريد الذي كان يدمج سطوره عن الساعة بغير نظام أو ترتيب ؛ يرسل خواطره إرسالا كما يدفعه إلي ذلك حادث يصادفه أو كتاب يقرؤه ؛ ويضمن مونتيني مقالاته ملاحظاته في الحياة وتجاربه الطويلة التي جمعها في أسفاره في المانيا وإبطاليا ، والتي شاهدها في الحروب الدينية التي كانت فرنسا تصطلي نيرانها في عهده ، والتي مارسها بنفسه قاضيا وحاكما لمدينة بوردو
وفي أخريات أيامه تخلى عن منصبه وشغل نفسه بالقراءة والتفكير ، ولزم بيته لا يكاد يفارقه . وكان كثير الإثبات والمحو فيما يكتب لأنه كان يعتقد ان كل فكرة تدور في خلده قد طرأت لغيره من الكتاب من قبل وعبروا عنها أحسن تعبير ، ولذلك كان كثير الأقتباس من المؤلفين الإغريق والرومان ، حتى ان القارئ يشك في مقدرة مونتيني على الابتكار . وكم ينفرد مونتيني بهذه الصفة في عصره ، فقد كانت الثقافة اليونانية واللاتينية شائعة في زمانه ، ينهل منها كل مفكر واديب . وكان جبن المؤرخ الانجليزي
يري ان التقيد بهذه الآراء العتيقة يقف حائلا دون تقدم الغرب ، وذلك لأن كتاب النهضة الأوربية كانوا يحتذونها ويقلدونها التقليد الأعمى دون أن يتشبعوا بروحها أو يستمدوا وحيها . ويري جبن كذلك ان هذه الثقافة كانت تستقل الرؤوس إلي حد يتعسر معه تحرير الفكر . وكانت جامعة باريس في القرن السادس عشر لا تخرج غير قراء يحذق كتب الأقدمين - وبخاصة أرسطو - ولا يسمح لنفسه بحرية الرأي والتفكير
ولقد تشبع مونتيني بهذه الثقافة المستمدة من الكتب كغيره من أبناء عصره ، ولكنه كان يخالفهم في أنه تمثلها وأصبحت جزءا من عقله وفكره تعينه ولا تعوقه ، الهم إلا حينما يقتبس من نصوصها اقتباسا صريحا ، ولكنه حينئذ حاذق بارع . وهو يقول : " ماذا يعود علينا إذا نحن ملأنا بطوننا باللحم ولم نهضه ونتمثله ونتغذ به ونستمد منه القوة ومحله دما ولحما " . وفي موضع آخر يشبه نفسه بالنحلة " التي تمتص من هذه الزهرة ومن تلك ، ولكنها تنتج العسل فيما بعد ، وهو عنصر من عناصرها الخاصة يختلف عن الزهر كل الاختلاف " .
في " المقالات " يشرح مونتيني دخائل النفس البشرية ودقائقها ، تلك الدقائق التي لا ينفذ إليها إلا كل أديب ثاقب النظر ، ويميط مونتيني عنها اللئام ويعرضها لنا في جلاء ووضوح ، لا يخشى في نقده عرفا ولا عقيدة .
يهمه أن يصل إلي الحقيقة ولا يهمه أن يحكم لها أو عليها . وقد اختار الكاتب الأمريكي أمرسن ستة من عظماء الرجال في التاريخ ، كل منهم ممثل ناحية من نواحي النفس البشرية فكان من بينهم مونتيني يمثل الشك في أقوي معانيه ، وبخاصة في مقاله " ماذا اعرف " . ويقال إن مكتبة شكسبير لم تحتو إلاعلى كتاب واحد ، وذلك هو مقالات مونتيني ولم يعجب الشاعر الإنجليزي بيرن بأديب غير مونتيني . ولم ير جبن المؤرخ الإنجليزي غير رجلين اثنين في القرن السادس عشر لم يتصفا بالتصعب ، وذلكما هما هنري الرابع ومونتيني
كان مونتيني يعتقد أن العقل والجسم سواء في الأهمية ، وقد كان هو نفسه مثال القوة البدنية ، لا يتعفف في مأ كله ، ينام ملء ، جفونه ، ولا تضلية الساعات الطوال يقضيها على ظهور الجياد
لم يكن مونتيني ذلك الكاتب الذي يلبي مطالب عصره فحسب ، حتى إذا ما انقضت حياته عفى عليها النسيان ولم يجد الناس من بعده في ادبه غذاء لعقولهم . هو كاتب يطفئ شهوة التطلع والمعرفة في الناس جميعا وفي كل العصور ولعله يصور نفسه حين يقول : " إن القاري المتمعن يكتشف في أدب كبار الكتاب عن ألوان من الجمال لم يقطن إليها الكتاب أنفسهم ولم يحلموا بها ، ويستمد منه مشاعر وتعابير لم يدركها مؤلفوها " .
كان مونتيني يقول : " أنا الحقيقة " ويقصد بذلك أنه لا يعرف شيئا معرفة صحيحة غير نفسه . ولذا فهو في مقالاته كثير التحدث عن نفسه ، لان معرفة النفس لديه من اهم ضروب المعارف . وهو يقول : " يجب ان يرفع القناع عن النفس البشرية كما يرفع عن سائر الأشياء " . الناس لديه جميعا سواء ، لا يختلف أحدهم عن الآخر إلا بما يحيط به من ظروف الزمان والمكان . وهو يصور نفسه في جرأة وإخلاص ، لا يكاد يخفى عن قارئه شيئا ؛ يقول : " لم
أر في العالم كله ما يثير في العجب والدهشة أكثر من نفسي إن المرء يتعود نفسه بطول عشرتها فيسي غرابتها ولكني كلما عرفت نفس زاد عجبي من عيوبي وقلت قدرتي علي تفسيرها " . ولم يعرف احد نفسه كما عرف مونتيني ، وكان يعتقد ان معرفة النفس لا تحتاج إلى شئ غير الإخلاص .
وإذا حاول مونتيني - كما فعل مرة - ان يرتب أفكاره فقد القاري الاستمتاع به . إنما جمال أسلوبه في ذلك التدفق الذي ينساب بغير تكلف وبغير جهد حتى وإن أدي ذلك إلي التناقص . ومن ثم اختلف الكتاب في النظر إليه ؛ فباسكال وكانت يحسبانه مسيحيا مخلصا ؛ وأمرسن يراه مثال المتشكك ؛ ويراه آخرون ساخرا . ويقول سنت بيف عن هذه المقالات : " إن مونتيني بمحاولته ان يحلل نفسه ويحصرها في بضعة ميول محدودة يمس قلوبنا جميعا ، كل في أعمق اسرار نفسه . وبتصويره نفسه في جلاء لا يشوبه غموض صور أكثر بني الإنسان . إن كلا منا يجد قطعه من نفسه وهو يقرأ مونتيني " .
ولعل مونتيني أول أديب غربي أدرك ما في الإنسان من تناقض ، وعنه أخذ كبار الأدباء الذين درسوا الطبيعة البشرية من أمثال شكسببير وسرفانتس وراسين ؟ فكان مونتيني يقدم لهم مبادئ علم النفس التي يمنون على احساسها ما يكتبون من قصص ومسرحيات . ليس الماشق لديه عاشقا فحسب ، والبخيل بخيلا ، والجبان جبانا ، والجسور جسورا ، في كل ما يعملون ؛ إنما يجمع الفرد في شخصه بين هذه الصفات جميعا ، بل ولقد تتألف نفسه من النقيضين .
وتزوج مونتيني ولكن عاطفة الحب الرقيقة لم تعمر قلبه . وقد كتب مرة يقول : " إنه لأيسر للرجل أن يتجاهل كل علاقة بالمرأة من أن يكرس نفسه بكليها لرفقة زوجته " . كان لا يقدس النساء ، ولا يري ان يقمن
بعمل غير إمتاع الرجال ورعاية شئون البيت . ولعله لم يعجب حياته بغير سيدة واحدة ، عطف عليها عطف الأب على أبنته ، وأحبها أكثر من كل شئ في الوجود ، وقد عاونته كثيرا علي إنجاز عمله الأدبي ، واحتفظت بالكثير من مخطوطاته التي جمعها الناشرون بعد موته واعتمدوا عليها في نشر آراء هذا الكاتب العظيم
وكان أطفاله يموتون وهم في سن الرضاع فلا يحزن عليهم كثيرا ، ولكن قلب الرجل - رغم هذا - لم يخل من عاطفة الحب البتة ، وبخاصة نحو الفقراء والمساكن ، وكثيرا ما بكي من أجلهم وواساهم وتصدق عليهم ؛ غير ان كتابات مونتيني في جملتها لا تنم عن حياته العاطفية إلا في جانب واحد - وهو جانب الصداقة . وكان لا يحب التكلف والظهور والتقيد بالعادات والتقاليد ، وإنما ميل إلي أن يطلق الحبل لنفسه على الغارب ، فيترك نفسه للطبيعة ولنداء الغرائز البهيمية . غير أنه كان إلي جانب ذلك يمك القدرة علي ان يتخلص من حكم الغرائز بين الحين والحين ، ولا يسمح لنفسه أن يقع فريسة لها أو أن تسترقه
ولم يشعر مونتيني بالندم قط على ما فعل . يقول : " لو قدر لي ان ابدا حياني من جديد لسرت في نفس الطريق الذي سلكته من قبل ، ولما غيرت من حياتي قيد أنملة ، فإني لست على الماضي بنادم ولا من المستقبل بمذعور ! وذلك لأن مونتيني لم يكن مسيحيا مخلصا ، ولعله لم يقرأ الإنجيل مرة واحدة في حياته . ولم يقدس في قلبه رجال الدين ولا الامراء الذين يقول فيهم : " لهم من كل جوارحي الطاعة والخضوع ، ولكن عقلي لهم لا يلين ، فهو لا يستطيع أن يستكين أو يجثو كما تستطيع ركبتاي "
ولكن مونتيني كان يحشر في مقالاته الثائرة على الدين بعض عبارات الاستسلام والرضا حتى يستطيع ان يذيعها بين الناس بغير مقاومة او معارضة ، فتسمعه مثلا يقول :
" إن الحياة الباقية تستحق منا بإخلاص أن نتخلي عن الملاذ وشئون هذه الحياة الدنيا ولكن أمثال هذه العبارات يزج بها الكاتب زجا في مقالاته التي تنادي كلها بضرورة التهالك علي الملاذ . وإنك لتقرأ بعد هذه العبارة بأسطر قلائل في نفس المقال : " ينبغي لنا أن نتكالب على ملذات هذه الحياة التي تنتزعها منا سنوات العمر واحدة بعد الأخرى " .
كان يحب وطنه حبا جما ، ويحب باريس خاصة ، وهي " فخر فرنسا ، ومن اجمل وانبل ما في هذه الدنيا ، أحبها حبا حارا حتى ان عيوبها ونقائصها عزيزة لدي " ولكنه يحب الإنسانية أكثر من حبه فرنسا . يقول : " إني أري الناس كلهم مواطني . وإني لأعانق البولندي بشغف كما أعانق الفرنسي . . إن الصداقة التي تربط بين نفسين لتتخطى تلك العلاقة التي تنشئها أواصر الدم أو الإقليم . لقد القتنا الطبيعة الطبيعة في هذه الدنيا أحرارا لا يكيلنا رباط ، فلماذا تعبس أنفسنا في المآزق كملوك الفرس الذين أخذوا على أنفسهم ألا يشربوا ماء غير ما يجري به نهر ( شوازيز ) وحرموا على انفسهم كل مياه أخري ، وودوا لو جفت كل أنهار العالم غير ذلك النهر " .
ولو ترك الكاتب لنفسه العنان لما استطاع أن يوفي مونتيني حقه من النقد والتعليق ، فمونتيني يتحدث عن كل شئ دون ترتيب أو نظام . ويستطيع كل إنسان أن يجد في مقالانه بغيته ، وقد لا يعجبه ما يعجب ، غيره . عنده المتناقضات ، وهو القائل : " إني اقدم الشموع للقديس كما أقدمها للشياطين " ، ولعله إلي الشياطين أشد ميلا .
وقد تأثر بهذا الكاتب فيمن تأثر به من الكتاب الإنجليز بيكن وشيكسببير . ترجمه إلي الإنجليزية فلوريو ، وعلي غرار مقالاته صاغ بيكن أول اديب إنجليزي عالج في الإنجليزية هذا الضرب من ضروب الأدب . وفي المتحف
البريطاني نسخة من ترجمة فلوريو لمقالات مونتيني عليها توقيع شيكسبير مؤلف هاملت التي تأثر فيها إلي حد كبير بفلسفة مونتيني ، كما تأثر بها في رواية العاصفة التي يقول فيها على لسان جنرلو
لو آل إلي استغلال هذه الجريزة وحكمها فماذا عساي أن أفعل ؟ إني لآني في دولتي بالمتناقضات لا أسمح بالتجارة ، ولا تري في حكومتي قاضيا ، ولن يعرف الأدب في دولني . والفقر والغني والعمل لن يكون لها وجود . والتعاقد والإرث والملكية والزراعة لن تكون
لن يكون هناك عمل : لأجعلن الناس جميعا كسالي خاملين ؛ وكذلك النساء - على أن يحتفظن بطهرهن وعقمهن . ولن يكون في جزيرتي ملوك . كل ما في الطبيعة ينتج دون أن يتصبب من الإنسان عرق أو ببذل جهدا . ولن أسمح بالخيانة أو الغدر ، ولا بالسيوف والحراب والسكاكين والبنادق ، ولا أية آلة أو سلاح . وستنتج الطبيعة من نفسها وفرة من كل شئ تكفي لإطعام شعبي البريء " .
وقد تأثر شكسبير - ولا مراء - في هذه القطعة بمقال لموتنيني عنوانه " أكلمة لحوم البشر " يصف فيه سكان العالم الجديد عاداتهم وآدابهم ، كي يعير بهم سكان أوربا .
وتأثر به كذلك جبته في حبه الحياة واهتدائه فيها بوحي الطبيعة العاقلة الحكيمة الشفيقة .
يعلمنا مونتيني الحرية ، وهو درس نافع لنا في هذه الأيام التي بلغ فيها التعصب السياسي أشده . يقول : " وسط هذا الاضطراب الذي يقوم في بلادنا لم ننسى مصلحتي الخاصة صفات أعدائي الطبيبة ، ولا الصفات السيئة التي يتصف بها من اتبعهم . . إن الخطيب المصفع لن يفقد
قيمته في عبي لأنه يظهر نقائصي وعيوبي . . يريد الناس إن يخدموا شهواتهم دون الحقيقة ، وإني لاخدم الحقيقة دون شهواتي ، حتى لو ادي ذلك إلي الإجحاف بنفسي ؛ فاني أخشى أن تفسدني الشهوة ، لأني أفقد الثقة في نفسي في كل ما يتعلق برغباتها . ألسنا بحاجة إلي مثل هذا الدرس في هذه الأيام ؟
ولم يكن مونتيني يخشى الموت ، ويري أن تذكره دائما وتصوره يقلل من الفزع منه . يجب الموت كما يجب كل شئ طيبعي . والفلسفة عنده أن يتعلم المرء كيف يموت . ويقال إنه مات مسيحيا مخلصا لدينه . جاء في إحدي مقالانه : " لو خيرت كيف أموت لاخترت ان أموت على ظهر جواد لا على الفراش ، بعيدا عن بيتي وعن أصدقائي " ولكنه لفظ نفسه الأخير في بيته إلى جوار زوجه وابنته .

