الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 238 الرجوع إلى "الثقافة"

مونتيني، كما يصوره اندرية جيل

Share

مونتيني اديب فرنسي عاش في القرن السادس عشر ولم يخلف لنا سوى كتاب واحد ، وذلك هو " المقالات " وكانه يصب نفسه صبا في هذا الكتاب الفريد الذي كان يدمج سطوره عن الساعة بغير نظام أو ترتيب ؛ يرسل خواطره إرسالا كما يدفعه إلي ذلك حادث يصادفه أو كتاب يقرؤه ؛ ويضمن مونتيني مقالاته ملاحظاته في الحياة وتجاربه الطويلة التي جمعها في أسفاره في المانيا وإبطاليا ، والتي شاهدها في الحروب الدينية التي كانت فرنسا تصطلي نيرانها في عهده ، والتي مارسها بنفسه قاضيا وحاكما لمدينة بوردو

وفي أخريات أيامه تخلى عن منصبه وشغل نفسه بالقراءة والتفكير ، ولزم بيته لا يكاد يفارقه . وكان كثير الإثبات والمحو فيما يكتب لأنه كان يعتقد ان كل فكرة تدور في خلده قد طرأت لغيره من الكتاب من قبل وعبروا عنها أحسن تعبير ، ولذلك كان كثير الأقتباس من المؤلفين الإغريق والرومان ، حتى ان القارئ يشك في مقدرة مونتيني على الابتكار . وكم ينفرد مونتيني بهذه الصفة في عصره ، فقد كانت الثقافة اليونانية واللاتينية شائعة في زمانه ، ينهل منها كل مفكر واديب . وكان جبن المؤرخ الانجليزي

يري ان التقيد بهذه الآراء العتيقة يقف حائلا دون تقدم الغرب ، وذلك لأن كتاب النهضة الأوربية كانوا يحتذونها ويقلدونها التقليد الأعمى دون أن يتشبعوا بروحها أو يستمدوا وحيها . ويري جبن كذلك ان هذه الثقافة كانت تستقل الرؤوس إلي حد يتعسر معه تحرير الفكر . وكانت  جامعة باريس في القرن السادس عشر لا تخرج غير قراء يحذق كتب الأقدمين - وبخاصة أرسطو - ولا يسمح لنفسه بحرية الرأي والتفكير

ولقد تشبع مونتيني بهذه الثقافة المستمدة من الكتب كغيره من أبناء عصره ، ولكنه كان يخالفهم في أنه تمثلها وأصبحت جزءا من عقله وفكره تعينه ولا تعوقه ، الهم إلا حينما يقتبس من نصوصها اقتباسا صريحا ، ولكنه حينئذ حاذق بارع . وهو يقول : " ماذا يعود علينا إذا نحن ملأنا بطوننا باللحم ولم نهضه ونتمثله ونتغذ به ونستمد منه القوة ومحله دما ولحما " . وفي موضع آخر يشبه نفسه بالنحلة " التي تمتص من هذه الزهرة ومن تلك ، ولكنها تنتج العسل فيما بعد ، وهو عنصر من عناصرها الخاصة يختلف عن الزهر كل الاختلاف " .

في " المقالات " يشرح مونتيني دخائل النفس البشرية ودقائقها ، تلك الدقائق التي لا ينفذ إليها إلا  كل أديب ثاقب النظر ، ويميط مونتيني عنها اللئام ويعرضها لنا في جلاء ووضوح ، لا يخشى في نقده عرفا ولا عقيدة .

يهمه أن يصل إلي الحقيقة ولا يهمه أن يحكم لها أو عليها . وقد اختار الكاتب الأمريكي أمرسن ستة من عظماء الرجال في التاريخ ، كل منهم ممثل ناحية من نواحي النفس البشرية فكان من بينهم مونتيني يمثل الشك في أقوي معانيه ، وبخاصة في مقاله " ماذا اعرف " . ويقال إن مكتبة شكسبير لم تحتو إلاعلى كتاب واحد ، وذلك هو مقالات مونتيني ولم يعجب الشاعر الإنجليزي بيرن بأديب غير مونتيني . ولم ير جبن المؤرخ الإنجليزي غير رجلين اثنين في القرن السادس عشر لم يتصفا بالتصعب ، وذلكما هما هنري الرابع ومونتيني

كان مونتيني يعتقد أن العقل والجسم سواء في الأهمية ، وقد كان هو نفسه مثال القوة البدنية ، لا يتعفف في مأ كله ، ينام  ملء ، جفونه ، ولا تضلية الساعات الطوال يقضيها على ظهور الجياد

لم يكن مونتيني ذلك الكاتب الذي يلبي مطالب عصره فحسب ، حتى إذا ما انقضت حياته عفى عليها النسيان ولم يجد الناس من بعده في ادبه غذاء لعقولهم . هو كاتب يطفئ شهوة التطلع والمعرفة في الناس جميعا وفي كل العصور ولعله يصور نفسه حين يقول : " إن القاري المتمعن يكتشف في أدب كبار الكتاب عن ألوان من الجمال لم يقطن إليها الكتاب أنفسهم ولم يحلموا بها ، ويستمد منه مشاعر وتعابير لم يدركها مؤلفوها " .

كان مونتيني يقول : " أنا الحقيقة " ويقصد بذلك أنه لا يعرف شيئا معرفة صحيحة غير نفسه . ولذا فهو في مقالاته كثير التحدث عن نفسه ، لان معرفة النفس لديه من اهم ضروب المعارف . وهو يقول : " يجب ان يرفع القناع عن النفس البشرية كما يرفع عن سائر الأشياء " . الناس لديه جميعا سواء ، لا يختلف أحدهم عن الآخر إلا بما يحيط به من ظروف الزمان والمكان . وهو يصور نفسه في جرأة وإخلاص ، لا يكاد يخفى عن قارئه شيئا ؛ يقول : " لم

أر في العالم كله ما يثير في العجب والدهشة أكثر من نفسي إن المرء يتعود نفسه بطول عشرتها فيسي غرابتها ولكني كلما عرفت نفس زاد عجبي من عيوبي وقلت قدرتي علي تفسيرها " . ولم يعرف احد نفسه كما عرف مونتيني ، وكان يعتقد ان معرفة النفس لا تحتاج إلى شئ غير الإخلاص .

وإذا حاول مونتيني - كما فعل مرة - ان يرتب أفكاره فقد القاري الاستمتاع به . إنما جمال أسلوبه في ذلك التدفق الذي ينساب بغير تكلف وبغير جهد حتى وإن أدي ذلك إلي التناقص . ومن ثم اختلف الكتاب في النظر إليه ؛ فباسكال وكانت يحسبانه مسيحيا مخلصا ؛ وأمرسن يراه مثال المتشكك ؛ ويراه آخرون ساخرا . ويقول سنت بيف عن هذه المقالات : " إن مونتيني بمحاولته ان يحلل نفسه ويحصرها في بضعة ميول محدودة يمس قلوبنا جميعا ، كل في أعمق اسرار نفسه . وبتصويره نفسه في جلاء لا يشوبه غموض صور أكثر بني الإنسان . إن كلا منا يجد قطعه من نفسه وهو يقرأ مونتيني " .

ولعل مونتيني أول أديب غربي أدرك ما في الإنسان من تناقض ، وعنه أخذ كبار الأدباء الذين درسوا الطبيعة  البشرية من أمثال شكسببير وسرفانتس وراسين ؟ فكان مونتيني يقدم لهم مبادئ علم النفس التي يمنون على احساسها ما يكتبون من قصص ومسرحيات . ليس الماشق لديه عاشقا فحسب ، والبخيل بخيلا ، والجبان جبانا ، والجسور جسورا ، في كل ما يعملون ؛ إنما يجمع الفرد في شخصه بين هذه الصفات جميعا ، بل ولقد تتألف نفسه من النقيضين .

وتزوج مونتيني ولكن عاطفة الحب الرقيقة لم تعمر قلبه . وقد كتب مرة يقول : " إنه لأيسر للرجل أن يتجاهل كل علاقة بالمرأة من أن يكرس نفسه بكليها لرفقة زوجته " . كان لا يقدس النساء ، ولا يري ان يقمن

بعمل غير إمتاع الرجال ورعاية شئون البيت . ولعله لم يعجب حياته بغير سيدة واحدة ، عطف عليها عطف الأب على أبنته ، وأحبها أكثر من كل شئ في الوجود ، وقد عاونته كثيرا علي إنجاز عمله الأدبي ، واحتفظت بالكثير من مخطوطاته التي جمعها الناشرون بعد موته واعتمدوا عليها في نشر آراء هذا الكاتب العظيم

وكان أطفاله يموتون وهم في سن الرضاع فلا يحزن عليهم كثيرا ، ولكن قلب الرجل - رغم هذا - لم يخل من عاطفة الحب البتة ، وبخاصة نحو الفقراء والمساكن ، وكثيرا ما بكي من أجلهم وواساهم وتصدق عليهم ؛ غير ان كتابات مونتيني في جملتها لا تنم عن حياته العاطفية إلا في جانب واحد - وهو جانب الصداقة . وكان لا يحب التكلف والظهور والتقيد بالعادات والتقاليد ، وإنما ميل إلي أن يطلق الحبل لنفسه على الغارب ، فيترك نفسه للطبيعة ولنداء الغرائز البهيمية . غير أنه كان إلي جانب ذلك يمك القدرة علي ان يتخلص من حكم الغرائز بين الحين والحين ، ولا يسمح لنفسه أن يقع فريسة لها أو أن تسترقه

ولم يشعر مونتيني بالندم قط على ما فعل . يقول : " لو قدر لي ان ابدا حياني من جديد لسرت في نفس الطريق الذي سلكته من قبل ، ولما غيرت من حياتي قيد أنملة ، فإني لست على الماضي بنادم ولا من المستقبل بمذعور ! وذلك لأن مونتيني لم يكن مسيحيا مخلصا ، ولعله لم يقرأ الإنجيل مرة واحدة في حياته . ولم يقدس في قلبه رجال الدين ولا الامراء الذين يقول فيهم : " لهم من كل جوارحي الطاعة والخضوع ، ولكن عقلي لهم لا يلين ، فهو لا يستطيع أن يستكين أو يجثو كما تستطيع ركبتاي "

ولكن مونتيني كان يحشر في مقالاته الثائرة على الدين بعض عبارات الاستسلام والرضا حتى يستطيع ان يذيعها بين الناس بغير مقاومة او معارضة ، فتسمعه مثلا يقول :

" إن الحياة الباقية تستحق منا بإخلاص أن نتخلي عن الملاذ وشئون هذه الحياة الدنيا ولكن أمثال هذه العبارات يزج بها الكاتب زجا في مقالاته التي تنادي كلها بضرورة التهالك علي الملاذ . وإنك لتقرأ بعد هذه العبارة بأسطر قلائل في نفس المقال : " ينبغي لنا أن نتكالب على ملذات هذه الحياة التي تنتزعها منا سنوات العمر واحدة بعد الأخرى " .

كان يحب وطنه حبا جما ، ويحب باريس خاصة ، وهي " فخر فرنسا ، ومن اجمل وانبل ما في هذه الدنيا ، أحبها حبا حارا حتى ان عيوبها ونقائصها عزيزة لدي " ولكنه يحب الإنسانية أكثر من حبه فرنسا . يقول : " إني أري الناس كلهم مواطني . وإني لأعانق البولندي بشغف كما أعانق الفرنسي . . إن الصداقة التي تربط بين نفسين لتتخطى تلك العلاقة التي تنشئها أواصر الدم أو الإقليم . لقد القتنا الطبيعة الطبيعة في هذه الدنيا أحرارا لا يكيلنا رباط ، فلماذا تعبس أنفسنا في المآزق كملوك الفرس الذين أخذوا على أنفسهم ألا يشربوا ماء غير ما يجري به نهر ( شوازيز ) وحرموا على انفسهم كل مياه أخري ، وودوا لو جفت كل أنهار العالم غير ذلك النهر " .

ولو ترك الكاتب لنفسه العنان لما استطاع أن يوفي مونتيني حقه من النقد والتعليق ، فمونتيني يتحدث عن كل شئ دون ترتيب أو نظام . ويستطيع كل إنسان أن يجد في مقالانه بغيته ، وقد لا يعجبه ما يعجب ، غيره . عنده المتناقضات ، وهو القائل : " إني اقدم الشموع للقديس كما أقدمها للشياطين " ، ولعله إلي الشياطين أشد ميلا .

وقد تأثر بهذا الكاتب فيمن تأثر به من الكتاب الإنجليز بيكن وشيكسببير . ترجمه إلي الإنجليزية فلوريو ، وعلي غرار مقالاته صاغ بيكن أول اديب إنجليزي عالج في الإنجليزية هذا الضرب من ضروب الأدب . وفي المتحف

البريطاني نسخة من ترجمة فلوريو لمقالات مونتيني عليها توقيع شيكسبير مؤلف هاملت التي تأثر فيها إلي حد كبير بفلسفة مونتيني ، كما تأثر بها في رواية العاصفة التي يقول فيها على لسان جنرلو

لو آل إلي استغلال هذه الجريزة وحكمها فماذا عساي أن أفعل ؟ إني لآني في دولتي بالمتناقضات لا أسمح بالتجارة ، ولا تري في حكومتي قاضيا ، ولن يعرف الأدب في دولني . والفقر والغني والعمل لن يكون لها وجود . والتعاقد والإرث والملكية والزراعة لن تكون

لن يكون هناك عمل : لأجعلن الناس جميعا كسالي خاملين ؛ وكذلك النساء - على أن يحتفظن بطهرهن وعقمهن . ولن يكون في جزيرتي ملوك . كل ما في الطبيعة ينتج دون أن يتصبب من الإنسان عرق أو ببذل جهدا . ولن أسمح بالخيانة أو الغدر ، ولا بالسيوف والحراب والسكاكين والبنادق ، ولا أية آلة أو سلاح . وستنتج الطبيعة من نفسها وفرة من كل شئ تكفي لإطعام شعبي البريء " .

وقد تأثر شكسبير - ولا مراء - في هذه القطعة بمقال لموتنيني عنوانه " أكلمة لحوم البشر " يصف فيه سكان العالم الجديد عاداتهم وآدابهم ، كي يعير بهم سكان أوربا .

وتأثر به كذلك جبته في حبه الحياة واهتدائه فيها بوحي الطبيعة العاقلة الحكيمة الشفيقة .

يعلمنا مونتيني الحرية ، وهو درس نافع لنا في هذه الأيام التي بلغ فيها التعصب السياسي أشده . يقول : " وسط هذا الاضطراب الذي يقوم في بلادنا لم ننسى مصلحتي الخاصة صفات أعدائي الطبيبة ، ولا الصفات السيئة التي يتصف بها من اتبعهم . . إن الخطيب المصفع لن يفقد

قيمته في عبي لأنه يظهر نقائصي وعيوبي . . يريد الناس إن يخدموا شهواتهم دون الحقيقة ، وإني لاخدم الحقيقة دون شهواتي ، حتى لو ادي ذلك إلي الإجحاف بنفسي ؛ فاني أخشى أن تفسدني الشهوة ، لأني أفقد الثقة في نفسي في كل ما يتعلق برغباتها . ألسنا بحاجة إلي مثل هذا الدرس في هذه الأيام ؟

ولم يكن مونتيني يخشى الموت ، ويري أن تذكره دائما وتصوره يقلل من الفزع منه . يجب الموت كما يجب كل شئ طيبعي . والفلسفة عنده أن يتعلم المرء كيف يموت . ويقال إنه مات مسيحيا مخلصا لدينه . جاء في إحدي مقالانه : " لو خيرت كيف أموت لاخترت ان أموت على ظهر جواد لا على الفراش ، بعيدا عن بيتي وعن أصدقائي " ولكنه لفظ نفسه الأخير في بيته إلى جوار زوجه وابنته .

اشترك في نشرتنا البريدية