إن الناظر إلي خريطة الوطن العربي يري ان البلاد العربية تمتد من بلاد فارس شرقا حتى بحر الظلمات ) أي المحيط الأطلنطي ( غربا ، ويري أن مصر واقعة في وسط هذا الوطن ؛ فمركز مصر الجغرافي يجعل منها قلب البلاد العربية .
وإن التمتبع للحركة العلمية الأدبية في الشرق العربي يرى ان هذه الحركة قد ابتدأت في القرن التاسع عشر في بر الشام وفي مصر . غير أن شعلتها في بر الشام خبت ، ونورها في مصر سطع لأسباب ، منها انتقال جماعة من رجال العلم والأدب من سوريا ولبنان إلى وادي النهل ، ساهموا في نشاط الحركة الأدبية وزادوا في ثروة
البلاد العلمية . وإننا نري حتى اليوم كبري الجرائد والمجلات الشهرية لفكرين مصريين شاميين .
وانتقال الأدباء والعلماء من البلاد العربية إلى مصر أمر لا غرابة فيه . فمفصر قلب البلاد العربية ، وفيها من السكان ثمانية عشر مليونا ، في حين انه لم يبلغ سكان أي قطر آخر من الأقطار العربية نصف هذا العدد ، وما يطبع وينشر في مصر يقرؤه عرب الاقطار الاخرى ، في حين ان ما يطبع وينشر في أي قطر آخر ، يكون توزيعه محليا ، ولا يقرؤه ولا يطلع عليه إلا القليل من قراء بعض الأقطار العربية . ولذا نجد ما يطبع في مصر من جرائد كبرى ومجلات مختلفة منتشرا في البلاد العربية
فالعربي يقرأ الجريدة المصرية بالإضافة إلي جريدته المحلية ، وتجد أيضا ما يطبع في مصر من كتب علمية وأدبية يدرس في مدارس الأقطار الاخري ويقرؤه المتعلمون فيها فهذه الحالة وهذه العوامل قد شجعت رواج الحركة الأدبية والعلمية في مصر ، وأدت إلي إضعافها في بقية الإقطار العربية ، وجعلت من مصر المركز الثقافي الرئيس الرئيسي فجميع البلاد العربية . فمركز مصر في الشرق العربي كمركز القاهرة في مصر . وعليه يتوق من يميل إلي البحث والتأليف إلي العيش في بلاد وادي النيل
إن مركز مصر الجغرافي ، ومركزها الثقافي ، بجعلان منها قوة عظيمة فى توجيه مستقبل البلاد العربية ؛ فماذا تراها تشعر تجاه فكرة الوحدة العربية ؟ وماذا يري قادتها في هذا الموضوع الخطير ؟
لقد تحدثت مع عدد كبير من أصحاب الرأي وكبار المفكرين في مصر في موضوع الوحدة العربية ، فكنت اخرج من الحديث وإياهم على تفاهم واتفاق . فالكل يري أن بقاء البلاد العربية على وضعها الحالي ، متفرقة ، لا رابط رسميا يربط بينها ، مصر بها وبمستقبلها ، والخير
كل الخير في تفاهمها واتحادها . على أن الآراء مختلفة في كيفية الاتحاد ونوعه . وإنني أذكر تلك السهرات الشائقة المفيدة التى قضيتها خلال شهر رمضان في دار لجنة التأليف والترجمة والنشر ، وأذكر كم كان يلذ المجتمعين فيها التحدث عن البلاد العربية ومستقبلها وما ينبغي علي قادتها فعله . . وقد عرض الأستاذ الجليل أحمد أمين بك ما دار في إحدي هذه السهرات من حديث في مقال نشره في مجلة الثقافة الغراء بعنوان " حديث الخميس " . .
على أننا لا نتكر أن فريقا من رجال مصر رأوا ، بعيد الحرب العامة ، الابتعاد عن البلاد العربية ، وصرح
آخرون بأن لا علاقة لمصر بالشرق العربى ، وان روابطها مع الغرب واتجاهها نحوه . ولهذا الرأي ، ولهذا التصريحات دواع وأسباب .
غير خاف أن المصريين بصورة عامة ، لا سيما بعد الحرب ، كانوا لا يعرفون عن الأقطار العربية إلا أنها بلاد متأخرة ، لارقي فيها ولا مدنية ، وان أهلها على جانب من الجهل عظيم . وقد حدث ان أحد السياسيين المصريين الذين يعتقدون هذا الاعتقاد زار فلسطين وسوريا ،
فدهش عندما رأي القدس وحيفا ودمشق وبيروت . دهش عندما رأي مدنا لا مثيل لها في مصر ، إذا استثنينا القاهرة والاسكندرية ، وزاد دهشة عندما زار المدن الصغيرة والأرياف ، ووجد انها تفوق مثيلاتها في مصر بناء وجمالا ونظافة . وقد استغرب هذا السياسي الكبير عند ما علم أن حملة أرقي الشهادات الأوربية عديدون في البلاد ، وان الآية فيها اقل مما هي في مصر بكثير . وقد أخذ رأيه يتغير عندما اجتمع بعدد من مفكري البلاد وكتابها وقادة الرأي فيهما ، ووقف على ما لهم من آثار علمية وادبية لم يكن قد سمع بها من قبل ، فاعتذر مصرحا بأنه رأي في بر الشام قطرا عربيا زاهرا ، لا يعلم المصريون حقيقته .
فعدم معرفة بعض قادة مصر السياسيين للبلاد العربية وقضاياها الوطنية ، إن الحركة الوطنية في مصر ، قد أخافهم من الالتفات نحو الشرق العربي والتفاهم معه ، وحملهم على التهرب منه . وأذكر أنني قضيت سهرة سارة في بيت نائب مصري فإنه ، دار فيها الحديث حول الموضوع الذي نعالجه فقال مضيفنا : " إن أصل الرأي في أن مصر ليست قطرا من الأقطار العربية يرجع إلى الأنانية ، وهو أنه حدث لما كان الرحوم سعد زغلول في أوربا ، على أثر الحرب الفائنة ، أن كانت هناك وفود من البلدان العربية الآخرى ، وقد أرادت هذه الوفود توحيد جهودها مع
سعد ، ولكن سعدا لم يكن واقفا على حالة الأقطار المجاورة ، وعلى الحركات الوطنية فيها ، ولذلك رأي انه خير لمصر ان لا تدمج قضيتها مع هذه القضايا المجهولة . فقال للوفود : إن قضيتنا مصرية وليست عربية . ومن هنا نشأ الرأي الخاطئ القائل إنه خير لمصر أن لا تتجه نحو البلاد العربية ، وأن تكون منفصلة عنها "
وقد قام في مصر بعد ذلك بعض الكتاب ممن درسوا في الغرب ولم يقفوا على احوال الشرق العربي ، ورأوا ان الحاجة تدعو مصر إلى الإتجاه نحو الغرب ،
وجعلوا يوضحون ذلك بقولهم : إن مصر أرقي من البلاد العربية ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا ، فهي ليست في حاجة إليها ، وعليه ينبغي ان لا تهتم بها ولا تفكر في قضاياها ، في حين انها في حاجة إلى الغرب ، ولذا يجب عليها أن تتوجه نحوه وتتبع آثاره وأحواله
ومهما يكن من أمر فان حسن النية كان ولا يزال يسود تصريحات وأراء هؤلاء السياسيين والكتاب .
غير أنه ظهر عدد قليل من الكتاب الذين لم يكتفوا بالدعوة إلي اعتبار مصر أجنبية من البلاد العربية ، وحسبان المصريين بعيدين عن الشعب العربي في كل شئ ، بل تجاوزوا ذلك فنادوا بترك اللغة العربية ، وقالوا بإحياء الفرعونية ، بداعي أن المصريين فراعنة قبل كل شئ وبعد كل شئ ، وألبسوا حركتهم هذه ثوب الوطنية المصرية لإخفاء ما يضمرون . وقد حدث أن تجادل أحد المستنكرين لهذه الحركة مع قطب من أقطابها ، فلما تضايق داعية الفرعونية ، ولم يجد حججا حقة يدعم بهما رأيه ويفحم مجادله ، قال بصراحة : نريد أن نتخلص من القرآن . .
إن الوحدة العربية لا تحول أبدا دون ان تتولي مصر او اي قطر من الأقطار العربية حل مشاكله الخاصة منفردا ، ولا تبيح له التدخل في المشاكل الخاصة بالأقطار
الأخري . بل إن من شأن تفاهم البلاد العربية مهما كان شكله واسمه ، وحدة أو اتحادا أو حلفا ، أن يكون عونا كبيرا على حل هذه المشاكل . ولو لم يكن هناك تفرقة بين البلاد العربية ما تعددت مشاكلها ، ولا تعقدت بالشكل الذي هي عليه الآن .
وتفاهم البلاد العربية وسيرها المشترك نحو العلي ، لا يفقر مصر ولا يؤخرها ، ولا يمنعها قط من الاتجاه نحو الغرب والاستقاء من مناهل العلم والغرقان فيه . والغرب ، من هذه الناحية ، وجهة الشرق اجمع . على انه لا يجدر بنا أن يجهل ما في الشرق من قوي ، وما في تفاهم البلاد العربية من عز ومناعة لمصر ولشقيقاتها .
أما أن المصريين شعب غير عربى ، وأنهم فراعنة أبناء فراعنة ، فمسألة لا يقول بها إلا القليل ، وهؤلاء يرمون إلى أغراض لاضرورة لعرضها ، على أن ذلك لا يمنع من البحث في موضوع الشعب الذي ينتمي إليه أهل وادي النيل . أيصح أن تحدد الشعوب عملا بنظرية الدم ، فنقول إن الدم الذي يجري في عروق أهل وادي النيل دم
فرعوني ، ولدا فالمصريون فراعنة ؟ إذا تتبعنا قطرا من الأقطار نري أن عناصر مختلفة تعاقبت على سكناه ، وان كل عنصر كان يختلط بالسكان الذين يجدهم فيه . فالشعوب الحالية ما هي في الحقيقة إلا مزيج من عناصر مختلفة . فالشعب الإنكليزي مزيج ، والشعب الفرنسي مريج ، والشعب الأسباني مزيج ، والشعب الأيطالي مزيج ، وشعوب أوربا الوسطى والشرقية كذلك مزيج في مزيج . أما مصر فقد ابتدأ تاريخها بتاريخ الفراعنة ، على أنه دخلها أقوام من الجزيرة العربية عرفوا بالرعاة أو الهكسوس . وامتزجوا بأهلها ، وأسسوا فيها دولة باسم الفراعنة ايضا . ثم دخلها اليونان ، فالرومان ، فالعرب . وكل عنصر من هذه العناصر كان يخرج بمن سبقه من السكان . فدم المصريين الحاليين كدم غيرهم من الشعوب مزيج . فالي أي عنصر
من هذه العناصر ينتمي سكان وادي النيل ؟ في اعتقادنا ان كل مجموعة من الناس تنتمي إلي العنصر الذي أثر فيها أكثر من غيره من العناصر وميزان التأثير هو اللغة العربية وأدبها ، وبالتالي الاعتقاد الديني لغة أهل وادي النيل وآدابها اللغة العربية وآدابها ، ودين مصر هو الدين العربي ، الدين الاسلامي فهل يجوز لنا أن نتجاهل هذا كله ، فنقول إن المصريين فراعنة ؟ أوليس قولنا هذا كقولنا إن الأسبانيين عرب ؟
إن الحقائق تثبت لنا أن أهل وادي النيل شعب عربي ، والقول بخلاف ذلك فرار من الحقيقة الواقعة التي لا يمكن تغييرها ، كما انه لا يمكن تغيير مجري النيل ، وجعله يجري من الشمال إلى الجنوب بدلا من جريه من الجنوب إلي الشمال . والمظاهر تضلل بعض الناس ، كما ان نهر النيل يضلل الناظر إليه الجاهل بحقيقته ، فيظنه يجري من الشمال إلى الجنوب ، لهبوب الريح من الشمال وإحداثها بموجات في سطحه متجهة نحو الجنوب ، على أن هذه التموجات لا تغير عن حقيقة اتجاه مجرى النيل
والحقيقة كالظل لا يهرب منه إلي بطريق واحد هو العيش في الظلام .
على أن هذه الحقائق لا تحول بين المصريين والافتخار بالأهرام وأبي الهول ومما في المتحف المصري من آثار تدل على مدنية قديمة زاهرة . غير أن هذا الافتخار يجب ألا يزيد على اعتزازهم مما في القاهرة من آثار عربية إسلامية ، ومما في دار الكتب من آثار أدبية وعلمية ،
تدل على المدنية العربية الزاهرة التي أنارت الطريق خلال القرون الوسطي ، ومهدتها المدنية الحديثة وجدير بأهل وادي النيل ألا ينسوا ميراثهم ولغتهم ودينهم . فالافتخار بالآثار الفرعونية جميل ، على أن يكون كافتخار الفرنسيين بما في مدينة ) ثم ( من أثار رومانية عامة ، غير انها لم تنس الفرنسيين لغتهم وآدابهم وما هم
عليه من صفات تميزهم عن الرومان .
والدعوة إلى الوحدة العربية لا تلزم المصري أن يتجرد عن شعوره الخاص بمصريته ، بل تطلب منه ألا ينسي شعور ، العام بمرويته ، وان يكون مثله كمثل الاسكتلندي البريطاني الذي يفتخر باسكتلنديته ، على أن هذا الافتخار لا ينسبه أنه بريطاني ، أو كمثل فرنسي الجنوب الذي يفتخر بأنه من بلاد ) لاند دوق ( ، ولكن هذا الافتخار لا ينسيه انه فرنسي . فالاسكتلندي والفرنسي من الجنوب يعمل كل منهما لاقليمه ، على أنه يعمل في الوقت نفسه لبلاده .
فالمصرية والشامية والعراقية الخ لا تتضارب مع العروبة ، والعمل لمصر او للشام او للعراق ، الوطن الخاص ، يجب ألا يحول دون العمل للبلاد العربية الآخرى ، الوطن العام ، إذ أن في ذلك فوائد حيوية لكل البلاد العربية ، تلك الفوائد التي تتناول بحثها في المقال المقبل .
) القدس (

