الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 689 الرجوع إلى "الثقافة"

ندوة القلم

Share

حول أندريه جيد

أندريه جيد أديب ثائر يدعو للفردية ويكتب للشباب ، فحيوية الشباب وحدها هى التى تستطيع أن تقبل كتاباته التى ينبعث منها فيض القوة الجارف والحياة الرحبة المنطلقة التى تضيق بتقاليد الحياة البورجوازية ومعتقداتها الساذجة ومثلها العليا التى تهدف بها إلى غابات جزئية وحقيرة .

ثار على الفضائل الاجتماعية التى تعطل نمو الحياة وتحد من سلطان الإنسان وتقل من عزمه ؛ وثورته ليست ثورة الفكر فقط بل ثورة الحس أيضاً . واللذين يفهمون جيد كما يجب يلاحظون أن ثورته فى عالمى الفكر والحس منذ بداية حياته الفنية إلى نهايتها كانت تهدف إلى إذاعة حقيقتين إنسانيتين والدعوة للأخذ بهما فى الحياة ، بعد أن كانت الأفكار الرومانتيكية السائدة قد ألقت عليهما ستاراً كثيفاً من الأوهام . لقد حاول أن يرد للجسد اعتباره وبراءته . وأن يؤكد للشخصية الفردية إمكانياتها المستقرة فى أعماقها التى تدفع إلى أعظم الإنتاج وأبقاه ، فى حرية لا حد لها .

والذات الواعية هى بداية الفردية فى أدبه . . الذات التى تدرك نفسها وتحدد موقفها من الناس والعالم وكل ما له تأثير عليها ؛ لأنها توافة إلى حياة المجد والكمال . وهى بهذا التحديد إنما تخرج من دائرتها الخاصة كل ما يحد من تطلعها إلى المثل الأعلى الذى تنشده . فقد قاست هذه الذات يوماً من قسوة التقاليد والعرف ما أوشك أن يحلم آمالها فى الحياة ... كانت تقاليد دينية راسخة عميقة الجذور لا تقبل الجدل والمناقشة . جامدة لا تعرف التسامح ، وتفتحت روحه الفنية وإحساسه المرهف المتقد وسط هذا الجمود القاسى الذى يقتل الروح ويسحق النفس ويطفىء الإحساس . ولكن ما كانت نفس جيد لتضعف أو روحه لتستسلم ، أو حواسه لتخمد ؛ فكانت ثورة الحس فى عالم الواقع حيث سجلتها اليوميات بعد خمسين عاماً كمغامرات فردية فى سبيل التحرر بالجسد من قيود العفة التى فرضت عليه دون ما سبب يستوجب هذا الحرمان . ومن أقدر من العبقرية على فهم روح الفضيلة بين الناس ؟ . . أليست

العبقرية ثمرة الفضيلة نفسها فما لهؤلاء الطفام والأغمار يفرضون مقاييس للفضائل على حياة المخلوقات فتضطرب حياتها ويسرع إليها الذبول . لقد جاهد أندريه جيد ليخلص الجسد من الأدران التى أهيلت عليه والتى ما برحت تملأ العالم بالشر وتلقى ظلال اليأس والاحتقار فى قلوب الناس .

و " السمفونية الريفية " إحدى روائع قصصه الفنية التى بين فيها دعوته لإطلاق الجسد من القيود الزائفة التى اكتنفت حياة ذلك القسيس الذى أحب الفضيلة المزعومة وراض نفسه على ألمها ، فكبت غرائزه وحجب عواطفه إلى أن زال الشباب ، فحسب أن غرائزه قد ماتت إلى الأبد . ويلقى فى طريق حياته فتاة عمياء ساذجة بريئة ، فأراد أن يهديها عن طريق الحق والخير والجمال إلى الله . ولكن الحب يستيقظ فى قلبه والغرائز تتحرك فى جسده بعد أن حسب أنها ماتت إلى الأبد ، ولكن شعلة الحياة التى تذكو فى قلبه فتملأه بالحماس والحرارة وتطغى على نفسه فتغمرها بالفرح وحب الحياة ، يرزح بأعبائها الجسد الذى ولى عنه الشباب بنضارته وقوته . . حب أنانى يريد أن يأخذ ولا يعطى ، فيشقى به ويشقى غيره ، ويجد أخيرا أن الفضيلة الحقة فى إرسال الإنسان عواطفه على سجيتها والاعتقاد أن فى تمجيد الحياة وأفراحها تمجيداً لله الذى أوجدها .

لم تكن إذاً ثورة رواد الحانات ومنهتكى الطرقات يرومون من ورائها هدم النظام الاجتماعى ليصبح مرتعاً لشهواتهم ، ولكنها ثورة العبقرية لترد للجسد اعتباره وبراءته - كما قلت - كمادة أولية لا يستغنى عنها للشعور بالحياة ؛ فالحياة بدون " إحساس الموت " هباء وعبث واستهتار ، والجسد وحده هو الذى يحس ، أما العقل فيدرك ، وبدون إحساس لا يكون إدراك ، ولعلك تدرك الآن فشل تعليم الجامعات .

وإذا كانت السمفونية الريفية إحدى روائع جيد التى تعبر عن روحه من ناحية الدعوة إلى انطلاق الشعور من القيود الكاذبة ؛ فإن ثيسيوس تظهر لنا أسلوب تفكير جيد فى أقصى مراحل نموه ومدى تأثره بآراء الفيلسوف الألمانى

نيتشه وفكرته عن الإنسان الأعلى ، وعندى أن أولئك الذين لم يستطيعوا النفاذ إلى فكر نيتشه ، يستطيعون أن يلتمسوا فكرته وروحها عند " جيد " وفي ثيسيوس بالذات ؛ فالجلال الأولى الذى يخلعه جيد على بطله ، والإرادة الماضية التى لا توهنها الأحداث ، والبصيرة المدركة لحقائق الحياة وأغراضها ، يجعل من ثيسيوس نموذجا تتعلق به الأبصار المتطلعة إلى الكمال الإنسانى .

وقد استطاع جيد أن يمحو من الأذهان الفكرة المادية الخاطئة عن فلسفة القوة التى ألصقتها بنيتشه عقول لم يقدر لها الفهم السليم ، فجاء قول ديدال موجها إلى ثيسيوس " وقد رأيت سلفك هيرقل ، وكان أبله لا يستطيع أن يعطى شيئاً غير البطولة " مسفها تلك الفكرة المبتذلة والتى ما تزال شائعة . وثيسيوس المتحمس الممتلئ شباباً وقوة يأسر قلوبنا ولكنه ليس من السذاجة والبله بحيث ينفق قواه ويبدد حياته فى سبيل أغراض تافهة " فلا تضيع وقتك فى المتاهة عبثاً . . .

وانظر إلى الكسل على أنه خيانة ، وخذ نفسك بألا تلتمس الراحة إلا حين تتم ما كتب عليك وحين تأوى إلى الموت " . وهكذا يمضى قدما إلى غايته فى سبيل الإنسانية : " ولست أقبل أن يقف الرجل جهوده على نفسه ، ولا أن يجعل السعادة الخاملة غايته التى يسعى إليها " حتى إذا شارف النهاية وجد أنه لم يحى عبثاً " فأنا أترك للإنسانية مدينة أثينا لقد آثرتها على ابنى وزوجى ، وجعلتها مدينتى ، وستسكنها بعد أن أموت ذكراى إلى آخر الدهر ، وأنا أسعى وحيداً راضياً إلى الموت . فقد ذقت ثمرات الأرض ، ويلذ لى أن أفكر فى أن الناس بعدى وبفضلى سيرون أنفسهم خيراً منا وأسعد منا وأدنى منا إلى الحرية . لقد أبليت فى خدمة الإنسانية المستقبلة ما استطعت . لقد حيت. "

وقد جدد أندريه جيد مأساة أوديب بطريقته البارعة فى بعث شخصيته وإعادة الحياة إليها ، وليس ثمة استثناء فى أن تجديد جيد " لأوديب " يكاد يقف وحده عملا لا يدانيه عمل آخر يصلح أن يكون موضوعا للتفكير فيه أو الاهتمام له ، حتى أوديب سوفوكل الذى أصبحت مأساته بعد عصر فولتير شيئاً غير طبيعى ، لا يتفق مع الواقع ، تسبب عنه أن واحداً من الكتاب الذين حاولوا تجديد المأساة لم يستطع أن يحفظ لها جلالها القديم أو يضيف جديداً يتلاءم مع فكرة العصر الحديث . وأوديب سوفوكل الذى كان يعتقد

كوثنى أن إرادة الإله شئ خارجى يمكن أن يتعارض مع إرادة الإنسان ، فيتداعى تحت الضربة ويستسلم للمصير ويحقد على الآلهة فى يأس يستثير الشفقة ، لا يرضى جيد كمسيحى متحرر يؤمن بنيتشه ، لا يكاد يرضى بغير الحرية المطلقة لإرادة الإنسان . فمأساة أوديب الوثنى ليس لها مكان بعد المسيحية ، لأن الرجل الذى لا يجد الله فى داخله فلن يجده فى أى مكان آخر . . . إن إرادة الله فى داخلنا وليس علينا إلا أن نستمع إليها كى نجعلها منسجمة مع إرادتنا .

لقد وصف النقاد أندريه جيد بأنه رجل متناقض وأدبه صورة منه . ولكن أولئك النقاد لم يستطيعوا النفاذ إلى أعماق شخصية جيد ؛ فوراء التناقض الظاهرى تلمح الوحدة الكاملة للشخصية بكل غناها واتساعها ومروتها الإنسانية ، تلك المرونة التى لولاها لما استطعنا أن نرى اليسا فى " الباب الضيق " تحيا حياة الزهد وتختار حرمان المتصوفين .

وهو فى سبيل خير الإنسانية لم يعبأ أن يناصر روسيا السوفيتية حسب مبدئه "أرستقراطية العقل لا أرستقراطية المال " ولكنه حينما رأى النظام الذى يصب فيه الأفراد ، عاد إلى مهاجمتها موجها إليها حمماً من النقد اللاذع .

وأهداف جيد التى يرسمها للإنسان ليست أهدافاً ثانوية لا تستحق الاهتمام ، ولكنها دعوة لتذوق الحياة الكونية الرحبة بروح الرجولة المسئولة عن فعل الخير وإشاعة الجمال فى الحياة .

اشترك في نشرتنا البريدية