ما كنت أحسب يوم أن أهبت بالكاتبة المبدعة (( مى )) أن تعود من جديد إلى ميدان الابداع الفكرى ، فى أول مقال كتبته تحت هذا العنوان على صفحات هذه المجلة - ما كنت أحسب يومها أن الموت يناديها ، وأنها ستلبى النداء ؟ !
وما دار بخلدى أن روض الأدب ستقفر جنباته من نغمات البلبل الصداح الذى طالما أطرب العقول والأرواح ، وهو يغرد بأناشيد البيان السحرى ، الذى أسلم قياده لخيال(( مى )) ، وامتازت به حتى احتلت الذروة ، لا فى الشرق وحده ، ولكن فى الغرب كذلك . . .
لقد عرفت ( مى ) سر البسمات والدموع ، وتغلغلت فى حنايا الضلوع ، وهتكت بأشعة عقلها أسرار النفوس،
فانعكست خفايا البشرية على مرآة عقلها ، فجلت لنا أدق الصور بأرق أسلوب وأمتن تعبير ! !
كم تاهت أعواد المنابر ببيان الآنسة (( مى )) ، وكم ازدانت صدور الصحف بقلائد دررها الفكرية الغالية ! وكم أذ كت قرائح ، وحركت عقولا ، ودفعت بحملة أقلام إلى اقتحام ميدان المجد والنضال ؟ !
إن الثغرة الفكرية الهائلة التى خلفتها (( مى )) بموتها فى الشرق العربى لن تسد ، لأن الدنيا الغادرة أضن وأشح ما تكون بسد الثغرات . . . !!
وهل تنسى العقول الممتازة أدب ( مى ) وقد كان رمز السمو ومن ينبوع الوجدان ؟ ؟
لقد كانت تلك النابغة فلتة الزمن ، ومفخرة من مفاخر النهضة الأدبية فى مصر ، وكانت دوحة فينانة فى روضة الأدب ، وكانت بطلة جبارة فى ميدان الفكر السليم ...
لقد ماتت فى عمر الزهور ، بعد أن عطرت أرجاء
الشرق بنفحاتها الوجدانية ، وأثملت النفوس بسكر حلاوة أسلوبها ، ورقة تعبيرها ؛ ثم غابت من دنيا الناس كما تغيب أطياف المحبين عقب الأحلام . . .
لقد فارقت شعبها المخلص الوفى على غير ميعاد ؛ فتركت الغصة للقلوب ، واحترق الكل بنار الفراق ، وتجرع لوعة البين .
ما أقسى موت البطل وهو فى حومة المعركة ! وما أقل نصيب حملة الأفلام فى مصر !
إن النهاية المحزنة التى تنتظرنا لتثير الشجن ، وتصبغ الدنيا بلون السواد .
لقد سبق ( مى ) عائشة التيمورية وباحثة البادية ، فهل خلدتهما مصر بإطلاق اسميهما على شارعين ؟
وهذه (مى زيادة) وقد كانت شهرتها فى عالم الفكر ملء الأسماع والقلوب ، فماذا سيكون نصيبها من التخليد من أبناء مصر والشام ؟
لا شئ غير كلمات تسطر ، وخطب تقال ، ثم تنطوى ذكرى ( مى ) كما انطوت ذكريات من سبقها إلى دار الخلود والجزاء !
ترى ماذا كان الحال لو أن الآنسة ( مى ) لم تكن تملك تلك الثروة التى جرت عليها ونصبت حولها شباك الغدر والكيد وهى تقاسى نوبات الأمراض ؟
ترى ماذا عساه أن يكون حالها لو أنها كانت معدمة لا تملك غير سن القلم والعقل الجبار ، وقد قعد بها المرض كل هذه المدة ؟
أتراها كانت تستجدى الأ كف ، وهى تلك الأبية الأنوف ؟
لقد لطف الله بها رحمها الله ، إذ سخر لها المال عند اعتلال الصحة ، وجنبها بذلك ذل الفقر ومحنة الفاقة بجانب آلام المرض ومخالب الأسقام . . .
لقد تركت (( مى )) العالم وهو أنون من نار . تركت
العالم وشياطين الحرب والدمار ترقص رقصاتها النارية على أنين الجرحى وحشرجة الأموات . . .
ذهبت إلى جوار ربها راضية مرضية قبل أن تشهد المجازر البشرية تقترب من الشرق الوديع ، فأراحها الله من شهود الأوصال والأشلاء . ! !
فى ذمة الله يا أبلغ كاتبة عاشت فى كنف العفاف وفى ظل الفضيلة ، وسمت بعاطفتها عن مواطن الزلل والسقوط . فى ذمة الله ياخير من حملت القلم ، فلم تستخدمه إلا فيما يرتفع بالانسان عن الدنايا والصغار . فى ذمة الله يا خير من تحكمت فى المعانى وملكت ناصية البيان ، فكانت نعم الخطيبة المفوهة ونعم الكاتبة التى يفخر بها القرطاس . فى ذمة الله ياربيبة الشرف وأبر بنات وادى النيل بوادى النيل . سيذكرك التاريخ يوم تنشر صفحات من عشن للفضيلة والعفاف . . ستظل سيرة حياتك الحافلة نبراسا يضئ للفتيات طريق الطهر والخلود .
إيه يادنيا ؟ ! إنك تعطين اليوم لتسلبى فى الغد ، وتضنين على الناس بخدام الانسانية ومبدعى الشعوب . إنك دار فناء رغم ما نعزى به أنفسنا بعبارات بقاء الذكرى والخلود . !!
إنه ليشق على أن أضع القلم وأطوى الصفحة وأنا لم أصل فى رثائك يا ربة البيان إلى بعض ما كنت أريد !
ولكن ما حيلتى والأيام الحالكة السواد تأبى إلا أن تقيد الأقلام وتكبلها بالأغلال والقيود . . .
أما بعد فهذا جهد المقل . ولو كان الأمر بيدى يا أختاه لملأت فى رثائك صفحات ، ولكن ما فائدة ما يقال فى دنيا الفناء وقد من الله عليك بانتقالك إلى دار البقاء ؟
ألا فليهدأ رفاتك الكريم فى عالم الراحة الأبدية والهدوء الذى لا يعلوه صخب ولا ضجيج . ولتعطر قبرك نفحات الرحمة . ولك الدعوات الصالحات من أختك .

