الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد السادسالرجوع إلى "الرسالة"

نظرات فى الأدب الفارسى ، منذ نشأته إلى إغارة التتار

Share

- ٢ -  يروى عن الرودكى أنه نظم شعراً كثيراً جداً يقدره بعضهم  بألف ألف بيت. وأنه نظم كليلة ودمنة، ولكن ليس عندنا من  شعر الرودكى كله الا قطع منها نحو٢٤٢ رباعية، ومن الحكايات  المأثورة المشهورة عن هذا الشاعر ما ذكره نظامى العروض،  أن الأمير نصر بن أحمد خرج بجيشه إلى هراة فأعجب بهوائها  وثمارها، وبقى يتردد فى أرجائها أربع سنين حتى ضاق العسكر  ذرعاً، ولم يستطيعوا صبراً عن أوطانهم وأولادهم، فذهبوا إلى  الرودكى وجعلوا له خمسة آلاف دينار على أن ينظم شعراً يشوق  الأمير إلى بخارى. فنظم قصيدة وجاء الأمير وهو يصطبح،  فغناها على المزهر فما أتم الأبيات حتى نهض الأمير مسرعا إلى  فرسه لا يصبر حتى يلبس حذاءه، وتوجه إلى بخارى لا يلوي على  شيء، فلم يدركه الناس الا بعد فرسخين، وهناك قدم له الحذاء  فلبسه.

وأول هذه الأبيات:  بعرى جرى موليان آيد همى                            بعرى يا لهربان آيد همى  "ما يزال يهب علينا نسيم نهر جيحون                                وما نزال ننشق على بعد روح الأحباء"  ثم يؤثر على الرودكى شعر من نوع الدوبيت أو الرباعى.  وهو ضرب فارسى. فهذا أول شعراء الفرس ينظم على أساليب  العرب وعلى أسلوب آخر، وهذا ينبئ بما سيكون عليه الشعر  الفارسى الحديث من الجمع بين الصبغتين العربية والفارسية.  ثم نجد هذا الشاعر يسبق إلى نظم القصص، إذ نظم كليلة  ودمنة، وهذه ميزة أخرى من مزايا الشعر الفارسى كلف

بها الشعراء من بعد.

توالى الشعراء من بعد الرودكى وارتقى الشعر على الزمن حتى  بلغ غايته

شجع السامانيون الآداب الفارسية، ولمنصور بن نوح  منهم شعر فارسى، فنبغ فى أيامهم شعراء يقاربون الثلاثين. ثم  شرعوا يؤلفون ويترجمون الكتب من العربية إلى الفارسية،  فترجم تاريخ الطبرى وتفسيره - وألف لهم بالفارسية كتاب  أبى منصور والهروى فى الطب - ومنه نسخة مخطوطة فى فينا،  وهى أقدم مخطوط فارسى (سنة ٤٤٧ هـ) وألف لهم كذلك  كتاب فى التفسير. فهذه الكتب الأربعة أقدم نثر فارسى بأيدينا.  وأما بنو بويه فليس لهم أثر فى الأدب الفارسى، وأكثر  أمرائهم كانوا شعراء فى العربية. ووزيراهم ابن العميد، والصاحب  من حملة لواء الأدب العربى لا الفارسى، وحسبنا أن الصاحب لم يقصده به الا شاعران فارسيان هما المنطقى والخسروى، على  شعراء العربية الذين مدحوه.

وكان الزياريون فى طبرستان من حماة العلوم والآداب . ولكن شيخهم قابوس كان أميل إلى العربية، وقد مدحه الخسروى  السرخسى من شعراء الفرس، كما اتصل بابنه منوجهر الشاعر  الفارسى الذى سمى نفسه منوجهرى تبعاً لسيدة- وقد ألف  كيكادس حفيد قابوس كتابه قابوس نامه بالفارسية لتربية ابنه. وكان من المتصلين بقابوس أبو على بن سينا، وله شعر بالفارسية.  وقد ألف كتابه دانش نامه علائي بعد موت قابوس، فأهداه إلى علاء  الدولة أبى جعفر كاكوية فى اصفهان وسماه بأسمه

وكان محمود بن سبكتكين فى غزنة مقصد كبار الأدباء والعلماء،  وأثر عنه وعن ابنه محمد شعر فارسى. فمن شعرائه: العنصرى  والأسدى، والعسجدى، والفردوسى الذى قدم له الشاهنامه، فلم  يعطه محمود ما أراد فغاضبه وهجاه، وقد ألف شرف الملك من  شعراء محمود كتابا فى الديوان بالفارسية سماه كتاب الأصطفا.  ويقال إن اليمينى من شعراء محمود أيضاً كتب تاريخ محمود بالفارسية وكتب البيرونى كتاب التفهم فى النجوم بالفارسية  والعربية.

وفى عصر السلاجقة، ذلك العصر المديد نبغ شعراء كثيرون  جداً عد منهم عدني أكثر من مائة - وأعظمهم الأنورى والخاقانى  نظامى الكنجرى، والأزرقى، وظهير الغاريانى، وناصر خسرو  والخيام، وبابا طاهر، والفصيحى، ومسعود سعد، والأديب  صابر، والمعزى، وعمق البخارى، وسوزنى، ونظامى العروض،  ومن الصوفية: أبو سعد بن أبى الخير، والأنصارى، ثم مجد  الدين سنائى، وفى نهاية هذا العصر فريد الدين العطار.

ولا ريب أن هذا العصر أزهى عصور الشعر الفارس-   ومن المؤلفين والكتاب فى هذا العصر نظام الملك الوزير  مؤلف سياستنامه، والغزالى والسجزي الفرخى مؤلف ترجمان  البلاغة فى الشعر والصناعات البديعية، والرشيدى السمرقندى مؤلف  زينت نامه فى علم الشعر، ورشيد الدين وطواط مؤلف الكتاب  الذائع الصيت: حدائق السحر فى دقائق الشعر، والبهرامى مؤلف  غاية العروضيين وكنز القافية، والأسدى مؤلف لغة الفرس،  وشاهمر دامه بن أبي الخير مؤلف الموسوعة " نزهة نامه لملانى"  ألفها لعلاء الدولة، وخاص بك أمير طبرستان آخر القرن الخامس،  والباخرزى مؤلف دمية القصر، ومؤلف طرب نامه وهي رباعيات  فارسية، وأبو المعالى محمد بن عبيد الله مؤلف كتاب بيان الأديان فى  آخر القرن الخامس. ومن مؤلفى الصوفية الهجويرى صاحب كشف  المحجوب وهو من أقدم الكتب الصوفية، ألف فى القرن الخامس.  ومن المترجمين من العربية إلى الفارسية. الجرباذقانى، ترجم  تاريخ العتبى للفارسية، وجمال القرشى مترجم الصحاح،  وفراهى الذى نظم قاموسا عربيا فارسيا يقرأ فى مدارس إيران  حتى اليوم، والزوزنى الذى كتب معجما عربيا فارسيا سماه ترجمان  القرآن، ونصر بن عبد الحميد مترجم كليلة ودمنة.

وفى العصر القصير الذى بين السلاجقة والمغول نجد من  الشعراء العطار وجلال الدين الرومى وسعدى الشيرازى وغيرهم.  ونجد من المؤلفين ابن اسفنديار مؤلف تاريخ طبرستان، وفخر  الدين الرازى مؤلف الاختيارات العلائية، ونصير الدين الطوسى،  وشمس قيس مؤلف المعجم، ومحمد عوفى مؤلف لباب الألباب.

هذه نظرة عامة غير شاملة ولا بالغة. ترينا كيف بدأ الأدب  الفارسى شعرا ونثرا، وكيف توالى مع الدول المختلفة - ويكفى هنا  أن يقال إن لباب الألباب يحتوى على ٢٧ ملكاً نظموا بالفارسية و٤٣  وزيرا، و٦٠ عالماً، ويذكر من الشعراء تسعة وثلاثين ومائة.

ولأجل أن ندل على حظ الأقطار المختلفة من هذا العدد نقول:  ان خراسان وهى مهد الأدب الفارسى الحديث ينالها ٣١ من العلماء  الذين نظموا بالفارسية و٥٥ من الشعراء.. وما وراء النهر ١٣

من العلماء و٢٢ شاعرا . والعراق ١٦ من العلماء و ١٦ من الشعر  وغزنة وما يليها ٢٢ شاعرا . فخراسان أوفرها حظا.

بعد هذا يحق لنا أن نسأل ما مميزات هذا الأدب الفارسى  الإسلامى فى الشعر والنثر؟

فأما الشعر فيشارك الشعر العربى فى موضوعه من الهجاء  والمدح والغزل والفخر والوصف . فى ميل إلى المبالغة ..  ويمتاز بأشياء:

(١) ذكر ملوك الفرس القدماء وأبطالهم مثل فريدون  ورستم، وزال، وكأس جمشيد، وقد سرى هذا إلى الشعر العربى  الذى نظم فى بلاد الفرس كشعر بديع الزمان وأمثاله.

(٢) يمتاز الشعر الفارسى بميزتين عظيمتين: الشعر  القصصى والشعر الصوفى.

فأما الشعر القصصى فقد أولع الفرس به فى كل عصر، وقد  رأينا أن أبان بن عبد الحميد نظم كتاب كليلة ودمنة بالعربية،  وأن الرودكي أول شعراء الفرس الكبار نظم هذا أيضا، ومن  الأدلة على ولع الفرس بالقصص قصة يوسف وزليخا، فهذه القصة  مأخوذة من القرآن، ولكن شعراء العرب لم يهتموا بها، وأما  الفرس فقد نظموها مراراً، نظمها من كبارهم الفردوسى وجامى.  ونظمها آخرون - ورواية وامق وعذراء التى قيل أنها قدمت  لعبد الله بن طاهر فأمر بطرحها فى الماء؛ نظمها العنصرى شاعر محمود  الغزنوى، ثم الفصيحى فى رعاية كيكادس الزيارى ونظمها أربعة  شعراء آخرون.

وحسبنا شاهنامه الفردوسى التى حاكاها شعراء كثيرون  فألفوا شاهنمات لم تنل ما نالته من القبول والصيت؛ ومن القصص  المنظومة رواية خسرو وكل، وبلبل نامه لفريد الدين العطار،  وسلامان وايسال لمولانا جامى وغيرها مما لا يتسع المقال لتعديدها.

وأما الشعر الصوفى فقد بدأه أبو سعيد بن أبي الخير من بلدة  مهنا فى خراسان، وأبو عبد الله الأنصارى من هراة. نظما فيه قطعاً  ورباعيات، ولكن لم يكثر فيه التأليف الا بعد مدة طويلة، إذ نبغ  طليعة فرسانه سنا، الغزنوى، ثم قفاه العطار ثم تلاه إمام الصوفية  مولانا جلال الدين الرومى صاحب المثنوى الذى يسمى القرآن  فى اللغة الفارسية، ويقال لمؤلفه لم يكن نبيا ولكن أوتى كتابا.

ومن بعد غارات التتار نبغ لسان الغيب شمس الدين حافظ الشيرازى  والشيخ عبد الرحمن الجامى الذى يعد آخر شعراء الفرس العظام.

والحق أن اللغة الفارسية تبذ سائر لغات العالم بهذا النوع من  الشعر النفسى الإنسانى الفلسفى الذى يرتفع عن جدال المذاهب  وعصبيات الأجناس. وينفذ إلى بواطن الأشياء فيرى الوحدة  الإلهية المتجلية فى مظاهرها العديدة. ( يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية