الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 691 الرجوع إلى "الثقافة"

نماذج من تأويلات ابن سينا

Share

مقدمة: قسم ابن رشد في كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال الناس إلى ثلاثة أقسام: قسم ليس من أهل التأويل أصلا وهم الخطابيون، وقسم من أهل التأويل الجدلي وهم الجدليون. وقسم من أهل التأويل اليقيني وهم البرهانيون

ويعد الذين اختلفوا حول الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأدى خلافهم إلى نشأة الفرق في الإسلام من أصحاب التأويل الجدلي، فقد أرادت كل فرقة أن تؤيد رأيها بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ ففي قوله تعالى إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. قالوا إن المقصود بالذي يؤتى الذكاة وهو راكع علي بن أبي طالب، فقد دخل عليه فقير وهو يصلي فأعطاه خاتمه. وفي حديث الغدير قال الرسول صلوات الله وسلامه عليه: أنت أخي ووصي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني، والمقصود علي أيضا إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي تؤيد خلافة علي أو تؤيد خلافة أبي بكر، واستخدمها الطرفان سلاحا ملأ الجو بتأويلات جدلية لا تستند على برهان عقلي ولا دليل منطقي. ولكن هذا التأويل الجدلي لم يلبث بعد فترة من الزمن أن أخذ صورة عقلية تعتمد على البرهان المنطقي

فقد تطور الخلاف السياسي الذي كان سلاحه القرآن والحديث إلى خلاف ديني بحت، وأصبح التحاج بالإيمان والكفر والجنة والنار، هذا من جهة، ومن جهة أخرى حنت جماعات اليهود والنصارى والمانوية والزرادشتية والبراهمة والصابئة والدهرية التى اعتنقت الدين الإسلامي إلى دينها القديم؛ فطرحت بعض مسائله على بساط البحث العقلي، خاصة وأنه كان منهم المثقفون الذين درسوا علوم الفلسفة، ووجد الإسلام من بنيه من يذود عنه بالحجج

المنطقية والبراهين العقلية مؤولا الآيات والأحاديث تأويلا عقليا. أخذ التأويل إلى صورة عقلية ظهرت بوضوح عند المتكلمين وخاصة المعتزلة وعند الفلاسفة وسنعرض فيما يلي نماذج من تأويلات الشيخ الرئيس لأصول العقيدة الثلاثة

١ - الوحدة:

حاول المعلم الثالث أن يثبت بالدليل النقلي ما أثبته عن طريق الاستدلال العقلي من وحدانية واجب الوجود، فلجأ إلى تأويل بعض النصوص القرآنية التي دللت على وحدة الخالق، وسنكتفي هنا بذكر تأويلاته في تفسير سورة الإخلاص:

قل هو الله أحد يعود بنا ابن سينا في تفسيره لهذه الآية إلى فلسفته الميتافيزيقية فيقول: "الهو المطلق هو الذي لا تكون هويته موقوفة على غيره" أو بمعنى آخر هو ما وجوده متوقف على ماهيته وذاته. بخلاف الممكن الذي يتوقف وجوده على غيره، وإذا كان وجود "الهو" المطلق متوقفا على ذاته، كان واجب الوجود، لأن وجوده هو عين ماهيته. ثم إن اقتران "الهو" بالله يكشف عن أن المقصود "بالهو" هو الهوية الإلهية

ثم تعقيبه بأنه "أحد" لازم من لوازم تعريف الألوهية بالوحدانية، لكمال بساطتها وغاية وحدتها. ويعلق ابن سينا على ذكر اللوازم القريبة "للهو هو" بأن ذلك تعريف حقيقي، لأن التعريف الحقيقي هو الذي يذكر فيه اللازم القريب للشئ الذي يقتضيه الشئ لذاته، لا لغيره، لأنه إذا ذكر فيه اللازم البعيد لا نستطيع أن نقرر أن هذا اللازم معلول للشيء حقيقة، بل كل ما نستطيع أن نقرره أنه قد يكون معلولا لمعلوله. ثم يتطرق ابن سينا في تفسيره إلى أن يفرض سؤالا قد يمكن أن يوجه إليه، وهو أن ماهيته تعالى إذا كان لا يمكن لغيره معرفتها إلا بوساطة صفات التناوب والإضافات فلم لم يذكر ذلك واقتصر على ذكر اللوازم؟ ويجيب على هذا

السؤال بأن الله باعتباره عاقلا ومعقولا، واحد ليس له مقومات، بل إنه وحدة مجردة، وبساطة محضة لا كثرة فيه، ولا اثنينية هناك أصلا، وعقله لذاته، ولا يعقل من ذاته إلا الهوية المحضة المجردة عن الكثرة، ولما عرفها بلوازمها القريبة، وتأكيده بأنه واحد مبالغة في الوحدة لعدم وجود التشكك في أنه واحد من جميع الوجوه، وأنه منزه عن الكثرة، سواء أكانت معنوية كالأجناس والفصول أم كثرة مقومات كالمادة والصورة والأعراض

ثم إن ابن سينا في تفسيره "الصمد" يقرر أن لهذه الكلمة تفسيرين: أولها الذي لا جوف له، وثانيهما السيد ثم يؤول التفسير الأول بأن الصمد صفة سلوب تنفي الماهية لأن كل ماله ماهية له جوف وباطن، ومالا بطن له وهو موجود لا اعتبار لذاته إلا بالوجود، والذي لا اعتبار له إلا بالوجود يكون بالضرورة غير قابل للعدم . فالشئ من حيث هو هو موجود يكون غير قابل للعدم، فالصمد يكون بهذا المعنى واجب الوجود من جميع الوجوه

وعلى حسب التفسير الثاني لكلمة "الصمد" باعتباره سيدا يؤولها ابن سينا على أن المقصود أنه سيد للكل، أي سيدا للكل، أي مبدأ الوجود وعلته الأولى

ويؤول ابن سينا قوله "لم يلد ولم يولد" بأنه هو وحده وأنه وإن كان مصدرا للوجود فإنه لا يفيض بوجود مثله حتى يكون له ولد، ولما كان وجوده من ذاته بهويته لم يكن صادرا هو عن غير ذاته. وإذا كان الأمر كذلك أي إذا كان واجب الوجود ماهيته هويته، لا يتولد عن غيره ولا يتولد عنه شبيه له، لم يكن هناك في الوجود ما يكافئه ويساويه في قوة الوجود. ولذلك قال تعالى "ولم يكن له كفوا أحد "

ثم يستخلص من هذه السورة أن الله بعدم ذكره المقومات في تعريفه "الله" وذكر اللوازم، قد دل على أنه في ذاته بسيط ليس له ما يقومه، واحد ليس له ما يشاركه في هذه الوحدانية. ثم إنه بإرداف الواحدية بالألوهية قد رتب الأحدية على الإلهية، ولم يرتب الإلهية على الأحدية لأن الألوهية هي افتقار الكل إليه واستغناؤه عن الكل ومن كانت هذه صفاته كان واحدا مطلقا، وإلا لاحتاج إلى أجزائه، فالإلهية تقتضي الوحدة. وليس الأمر على العكس

٢ - النبوة:

أفرد المعلم الثالث رسالة خاصة لإثبات النبوات على العموم، والتأويل العقلي للملك والوحي، سماها "إثبات النبوات وتأويل رموزهم" ينهج فيها نهجا مخالفا لأستاذه الفارابي، فهو يمهد لنظريته بالكلام عما هو موجود بالقوة، وما هو موجود بالفعل، فيقرر أن ما وجد في شئ بالذات يصح فيه بالفعل أبدا، وما وجد في شيء بالعرض قد يكون فيه بالقوة مرة، وبالفعل مرة أخرى وأن ما هو موجود بالفعل مسبب لما هو موجود بالقوة والسبب مفضل على المسبب، أى أن الوجود بالفعل مفضل على الوجود بالقوة

وعلى ضوء هذا يطبق نظريته على قوى النفس الإنسانية فهذه النفس التي أجمع الفلاسفة على تسميتها بالقوة الناطقة أو المفكرة، برغم أنها حظ مشترك بين الناس جميعا، لم يوهب الناس من قواها حظوظا متساوية. ولذا وجد التفاوت بين أفراد البشر بتفاوت درجات أنصبتهم من قوى النفس وملكاتها، وهذه القوى ثلاثة - القوة الأولى تسمى العقل الهيولاني، وسميت كذلك لأنها وإن كانت لها المقدرة على انتزاع الصور الكلية من مواردها، إلا أنه ليس لها القدرة على تحديد صورها، مثلها كمثل الهيولى أما القوة الثانية فلها ملكة التصور بالصور الكلية، وهي التي تحوى الآراء المسلمة العامة، وكلتا القوتين السالفتي الذكر عقلان تامان بالقوة. أما القوة الثالثة فهي التى تتصور بصور الكليات المعقولة بالفعل، وهي ليست شيئا آخر غير خروج القوتين السابقتين من القوة إلى الفعل، ولذا أطلق عليها ابن سينا "العقل الفعال" وسبيل خروج هاتين القوتين من القوة إلى الفعل، إنما يتأتى عن طريق العقل الكلي أو النفس الكلية، وهي نفس العالم في نظر ابن سينا، والذي تحققت فيه القوة الثالثة هو النبي الذي يتقبل الإفاضة أو الوحي عن طريق القوة المفيضة التي تدعى الملك، فالنبي هو الشخص الذي انتهى إليه التفاضل في الصور المادية، وإذا كان كل فاضل يسود المفضول ويرأسه فإن النبي يسود ويرأس جميع الأجناس التي فضلها هذا ملخص القول في النبوة على العموم، يكتفى به

ابن سينا في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لكي لا يقع في التطويل الذي يتحاشاه المعلم الثالث ما استطاع. فهو يختم قوله بالعبارة التالية: فهذا مختصر القول في إثبات النبوة وبيان ماهيتها، وذكر الوحي والملك والموحى، وأما صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فتبين صحة دعوته للعاقل إذا قاس بينه وبين غيره من الأنبياء عليهم السلام ونحن معرضون عن التطويل

٣ - اليوم الآخر:

قال الفارابي بحياة آخرة، ولكنه لم يأخذ بوجهة نظر الدين، فليس هناك - في رأيه - لذات أو آلام حسية فالسعادة والشقاء الأخروي روحي محض

ولقد حاول ابن سينا أن يصف الحياة الأخرى بعقل فارابي، فأرجع بحث العرش إلى النظرية الكونية للعقول العشرة وللأفلاك السماوية، وقد فسر ما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل أن على النار صراطا صفته أنه أحد من السيف، وأدق من الشعر ولن يدخل أحد الجنة حتى يجوز عليه، فمن جاز نجا، ومن سقط خسر بأن قسم العوالم إلى ثلاث -

عالم الحس وهو عالم القبور واللذات الفانية؛ وعالم الوهم حيث العطب والآلام الانتقالية، وعالم العقل حيث المقام وهو الجنة

ولما كان العقل يحتاج في تصور أكثر الكليات إلى استقراء الجزئيات، فلا محالة أن هذه الجزئيات تحتاج إلى الحس الظاهر، فهو يأخذ من الحس الظاهر إلى الخيال إلى الوهم. وهذا هو من الجحيم طريق وصراط دقيق صعب، حتى يبلغ إلى ذاته (العقل) فهو إذا يرى كيف الحد صراطا وطريقا في عالم الجحيم، فإن جاوزه بلغ عالم العقل وإن وقف فيه وتخيل الوهم عقلا، وما يشير إليه حقا، فقد وقف على الجحيم، وسكن في جهنم، وهلك وخسر خسرانا

ويستطرد ابن سينا فيؤول ما ورد في الآية الكريمة عليها تسعة عشر،  فيقول إنه مادام قد برهن على أن النفس الحيوانية هي الباقية في جهنم، وأنها عبارة عن

إدراكية وعملية، والعملية إلى شوقية وغضبية، والعلمية هي تصورات الخيال المحسوسات بالحواس الظاهرة وتلك المحسوسات ستة عشر، والقوة الوهمية الحاكمة على تلك الصور حكما غير واجب واحدة، وبذلك يصبح المجموع تسعة عشر ويفسر ما بلغ النبي عن ربه عز وجل "أن للنار سبعة أبواب وللجنة ثمانية أبواب" بأنه مادام قد فهم أن الأشياء المدركة إما مدركة للجزئيات كالحواس الظاهرة وهي خمسة، أو مدركة بالتصور كالخيال، وقوة تحكم حكما غير واجب كالوهم، وقوة تحكم حكما واجبا كالعقل فهذه ثمانية إن اجتمعت أدت إلى السعادة والدخول في الجنة وإذا غاب منها واحد أدى ذلك إلى الشقاوة والدخول في النار، وهذا يفسر أن للجنة ثمانية أبواب وللنار سبعة أبواب

والمهم أن الفارابي وابن سينا يؤكدان وجود الحياة الآخرة، إلا أنهما حولا الجنة والنار والصراط والميزان التي ذكرها القرآن إلى روايات عقلية

خاتمة:

هذه بعض نماذج لتأويلات ابن سينا تشمل آراءه في أصول العقيدة الثلاثة فقد حاول أن يفسرها تفسيرا عقليا فنجح في بعض الآراء وزل في بعضها الآخر، واتفق مع وجهة نظر الدين حينا وخالفها حينا آخر. ففي النبوة خالف بعض النصوص الدينية الثابتة، فقد ورد أن جبريل عليه السلام كان ينزل على النبي في صورة بعض الأعراب أو أنه كانت تسمع له صلصلة كصلصلة الجرس. إلى غير ذلك من الآثار المتصلة بالوحي والإلهام وكيفية نزوله. وفي اليوم الآخر أنكر بعث الأجساد وإن صعب على الباحث الاهتداء إلى هذا الرأي لمحاولة الشيخ الرئيس إخفاءه في أغلب كتبه وعدم التعرض له مباشرة، وقد كان هذا الأصل من ضمن المسائل الثلاث التي كفره فيها الإمام الغزالي

ولكن الإنصاف يقتضينا القول بأن ابن سينا وأستاذه لم يكونا أعلم من آمن بكل ما ورد ونقل، فاجتهدا - على رأي ابن رشد - في تأويل بعض الأصول الدينية وصبها في قوالب عقلية منطقية، فكونا بذلك فلسفة إسلامية

اشترك في نشرتنا البريدية