ما أجمل أن يجتمع على الحقيقة إخوانها، كما اجتمعت هذه الطائفة الكريمة من أصحاب الفكر والقلم، متآزرة متعاونة على إحياء ذكرى ابن سينا في عيده الألفي.
وكأنما يطل ابن سينا عبر الزمن، ليتحدث إلى أمثال هؤلاء الذين اجتمعوا في صفاء على فكرة خالصة لوجه الحق وحده، فيقول: أنّى لك الصديق الذي يمحضك الصداقة خالصة. بعد أن باتت الصداقة تجارة؛ فترى الصديق يفزع إلى صديقه إذا ما كانت له عنده غاية؛ فيقضي عنده وطراً ثم ينبذه إذا استغنى "اللهم إلا إخوان جمعتهم القرابة الإلهية وألف بينهم المجاورة العلوية" وإلى هؤلاء يسوق فيلسوفنا الحديث فيقول: "ويلكم إخوان الحقيقة، تحابوا وتصافوا، وليكشفن كل واحد منكم لأخيه الحجب عن خالصة لبه - ليطالع بعضكم بعضاً وليستكمل بعضكم ببعض. ويلكم إخوان الحقيقة! انسلخوا عن جلودكم انسلاخ الحيات. وكونوا عقارب أسلحتها في أذنابها، فإن الشيطان لن يراوغ الإنسان إلا من ورائه؛ وتجرعوا الزعاف تعيشوا واستحبوا الممات تحيوا، وطيروا ولا تتخذوا وكراً تنقلبون إليه، فإن مصيدة الطيور أوكارها. كونوا نعاما تلتقط الجنادل المحميات، وأفاعي تسترط العظام الصلبة وسمادل تغشى
الضرام على ثقة. ويلكم إخوان الحقيقة! أغنى الناس من يجترئ على غده، وأفشلهم من قصر عن أمده." (مقدمة رسالة الطير، جامع البدائع ١١٤ - ١١٥)
بمثل هذا الخطاب يستنهض ابن سينا همم الباحثين، حتى لا يرتدوا على أعقابهم حين يرون الصعاب قائمة في وجوههم تسد أمامهم الطريق - وإني لأردد هنا صوت ابن سينا ترديد الصدى، قائلاً: ما أجمل أن يجتمع على الحقيقة إخوانها، كما اجتمعت هذه الطائفة الكريمة، على تحرير هذا العدد الخاص من "الثقافة": فقد تحلق الإخوان حول شيخهم الرئيس، كل ينظر إليه من جانب، حتى إذا ما جمعت الصور بعضها إلى بعض، كان لك ابن سينا رجلا متكامل العناصر؛ فأمامك طرف من سيرته وعمله، وأطراف من فلسفته، وتتبع لآثاره في الغرب والشرق، وتقدير لأدبه شعراً ونثراً، ونماذج من تأويلاته الكلامية، مضافاً إلى ذلك كله زمرة من الشعر يقدمها له شاعر عن زملائه الشعراء تحية العيد.
فالدكتور حسين مؤنس يقدم لنا لمحة خاطفة عن حياة امتدت ثلاثة وخمسين عاماً. كيف ملأها صاحبها بعمل متصل حتى بلغت مؤلفاته ستة وسبعين ومائتين؛ فلا غرابة
أن نعلم أنه قد بدأ جهاده هذا من عامه السابع؛ وقد انصرف بمعظم تطلعه وجهده نحو المجهول يكشف عنه الغطاء، لذلك لم يترائى له أن يطيل الوقوف في دراسة الفقه لكثرة المشتغلين به، وقصد إلى الطب يستوعب فيه ما عرفه العصر، ثم مضى يجري التجارب بنفسه ليكشف عن المجهول نقابه؛ وفي هذه التجربة الباحثة الفاحصة جاء سابقاً لعصره، ولعل روحه القلقة الساعية وراء المجهول هي التي حفزته إلى رحلة متصلة، ولم يرحل قط اشجاعاً لذوي المروءة يمدون له الأيدى بالعطاء كما كان سائر أصحاب الفكر والأدب يصنعون، بل كان عظماء القوم وأمراؤهم هم الذين يطلبونه؛ وقد صدق الدكتور حسين مؤنس حين قال: إن أعظم أعمال ابن سينا هي حياته نفسها، ثم أعظم ما في حياته ذهنه الذي لم يفتر بحثاً عن المجهول، فهو "يمد يده من وراء هذه القرون العشرة ويصافح جيلنا وكل جيل مقبل، ويحيي كل نفس متطلعة نحو المجهول".
ويستهل لنا الدكتور إبراهيم بيومي مدكور الحديث عن فلسفة ابن سينا بكلمة في تحليل "اللذة والألم"، فيبين لنا كيف جاء بحث ابن سينا في اللذة جزءا من دراسته التصوفية، الأم - كسائر الأقدمين في ذلك - قد خلط بين الجانب النفسي والجانب السلوكي عند بحثه في اللذة والألم؛ ولعل ما حدا به إلى هذا الخلط بين الجانبين هو أن أساس اللذة عنده فكري وجداني؛ إذ هي تعتمد على شيئين: تعتمد أولاً على تحقيق الإنسان لغاية ما، ثم تعتمد ثانياً على تصور الإنسان بأن هذه الغاية خير، على أن يكون الإنسان شاعراً بذلك؛ ولهذا كانت اللذة عند ابن سينا حالة إيجابية وليست مجرد انتفاء للألم، وهو في محاولته شرح رأيه في اللذة والألم، يبدي معارفه الطبية والفلسفية على السواء.
ويحدثنا الدكتور أبو العلا عفيفي بك عن الحب والخير والجمال في فلسفة ابن سينا، مشيراً بادئ ذي بدء إلى حقيقة هامة، هي أن فيلسوفنا لم يكن قاصراً على تقليد الفلاسفة
اليونان وكفى، أو على شرح غيره من فلاسفة المسلمين كالفارابي؛ بل هو أول فيلسوف شق العصا على أرسطو والمشائين، وحاول أن يضع في الفلسفة مذهباً مستقلاً؛ فهو إلى جانب ما أبقى عليه في فلسفته من الأرسطية الممتزجة بالأفلاطونية الحديثة، قد أنتج فلسفة مشرقية تتجلى فيها روحانيته، حين حاول التوفيق بين التعاليم اليونانية ومقومات الإسلام، غير ملتزم في ذلك مذهباً قديماً معيناً، بل استعان بأي مذهب يعينه على هدفه المنشود.
ومن أبرز ما يبرز فيه شخصيته المستقلة ما كتبه في الحب والخير والجمال، فهذه الثلاثة قد اتخذها قوائم أقام عليها نظرية جديدة في تطور العالم: كيف نشأ الوجود، ولماذا يتغير، وإلى أين يسير؟ فأما الحب فمقصود به هذه القوى الغريزية التي تدفع كل شئ إلى إثبات وجوده على نحو يحقق ماهيته وكماله؛ ولما كان الخير هو الوجود الكامل، والشر هو العدم ، كان حب الإنسان لوجود نفسه هو نفسه الخير؛ ومادام الإنسان في حياته إنما يكشف عن طبيعته، فهو مجبور على السير في حدود تلك الطبيعة، لكنها جبرية تظللها عناية الله التي تأخذ بالكائنات في طريقها إلى كمالها، وليست هي بالجبرية الآلية؛ وهكذا يصور لنا الدكتور أبو العلا بك عفيفي ابن سينا فيلسوفاً دينياً متفائلاً يملأ أرجاء العالم بفيض من الخير والجمال والكمال.
وإن هي إلا خطوة تخطوها إلى الدكتور محمد مصطفى حلمي، فإذا أنت تطالع الطريق إلى السعادة الإنسانية عند ابن سينا واضحاً مشرقاً؛ فقد أكثر ابن سينا حديثه في السعادة في رسائله الكبيرة والصغيرة على السواء، حتى أبان عن حقيقتها في رأيه، ورسم الرسائل المؤدية إليها؛ فللإنسان جانبان من حياته: جانب نظري ينشد فيه إذ ينشد تحصيل الآراء الاعتقادية أو اليقينية؛ و جانب عملي يقصد فيه إلى عمل ما يعتقد أنه الخير؛ وإذا كان ذلك كذلك فللسعادة الإنسانية طريقان ينبغي أن يسيرا متوازيين، إذ
لا يغني فيهما طريق عن طريق؛ أولاهما: الحياة النظرية، والثانية: الحياة العملية؛ في أولاهما ننشد الحق، وفي الثانية ننشد الخير.
على أن هذا كله يؤدي إلى سعادة دنيوية؛ يجب أن تكون في ذاتها وسيلة إلى غاية بعدها، وهي السعادة في حياة آخرة، سعادة يستشعرها الإنسان فيما بينه وبين ربه، حين يخلص الإنسان من أدران بدنه.
وإذا فوسائلنا إلى السعادة قد باتت واضحة: هي تكميل القوة النظرية بتحصيل العلوم، ثم تكميل القوة العملية بالفضائل؛ أما القوة النظرية فتستطيع النفس أن تستقل به دون اتصال بالجسم، لأن التفكير فعل خاص بالنفس الناطقة وعلى ذلك فسعادتها في هذا المجال الفكري العقلي هي في أن تجعل من نفسها عالماً عقلياً خالصاً، وأما القوة العملية التي تتوافر فيها السعادة بفعل الفضائل، فهاهنا لا بد من الاتصال بالبدن لأنه وسيلة الفعل، والسعادة تتطلب أن تظل للنفس سيطرتها على البدن حتى لا يجاوز كونه وسيلة لها. على أن القوة النظرية والقوة العملية كليهما مقصود بهما أن يهيئا سعادة الآخرة وهي خير وأبقى؛ وقد طبق فيلسوفنا ابن سينا كل ذلك على نفسه.
وينتقل القارئ إلي الدكتور أحمد فؤاد الأهواني، فيرى عنده كيف يؤكد ابن سينا الفوارق بين الانسان والحيوان، حتى تظل للإنسان مكانته الممتازة بين الكائنات، لعل هذا الامتياز أن يكون حافزاً له على تحقيق وجوده وسعادته، فالإنسان أولاً يتميز بنطقه - أى بتفكيره، ثم يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان بحياته الاجتماعية، إذ لا يستغنى في بقائه عن مشاركة غيره؛ نعم إن للحيوانات ضروباً من المشاركة الاجتماعية، لكنها لا تصدر فيها عن استنباط وروية وقياس. بل تصدر عن إلهام وتسخير؛ هذا إلى أن أفعال الحيوان معظمها للضرورة النوعية، أما الإنسان فكثير من أفعاله - حتى الاجتماعي منها - مقصود به الفرد، لأن
هذا الاتجاه الفردي ضرورة في الإنسان تحتمها مسئوليته الأخلاقية؛ إذ الإنسان - على غير الحيوان - في مقدوره أن يميز بين الجميل والقبيح والخير والشر، ليختار وتقع عليه تبعة اختياره.
كذلك قد يشترك الحيوان مع الإنسان في ذكره لخبرة الماضي، لكن الإنسان ينفرد دون الحيوان بالتذكر الذي يتم بفعل الإرادة؛ والإنسان - دون الحيوان - يدرك المستقبل ويستعد له؛ وإذا كان بعض الحيوان يعد لمستقبله كالنمل، فهو مدفوع إلى ذلك بغريزته.
ويشترك الحيوان مع الإنسان في بعض الانفعالات كالغضب والخوف، لكن الإنسان ينفرد وحده بالخجل والحياء والضحك والبكاء والتعجب؛ وهاهنا يستدرك الدكتور الأهواني فينبه القارئ إلى أن ابن سينا لم يتعمق البحث في هذه النقطة، لأن الحيوان يشترك في هذه الانفعالات، ولا يستثنى منها خاصاً بالإنسان إلا الخجل.
ثم يأخذ الكلمة الدكتور عثمان أمين فيضع لنا ببحثه قدماً في الشرق وقدماً في الغرب، حتى يقرب إلى أذهاننا هذه الوحدة الفكرية التى تؤاخي بين الإنسان والإنسان ، فيصبح التاريخ العقلي بفضلها سلسلة متصلة الحلقات لا فرق فيها بين شرق وغرب.
فهذا هو يعرض عليك نصوصاً من ابن سينا وأخرى من ديكارت، لا ندع سبيلا إلى الشك في أن الفيلسوفين يتعاونان على هدف واحد، هو بيانهما أن النفس جوهر روحي، وأنها مستقلة عن الجسم؛ فيشرح لنا الدكتور عثمان "الإنية " عند ابن سينا، التي هي الذات الواحدة المستمرة التي يعبر عنها المتكلم بلفظة "أنا " وكيف لجأ فيلسوفنا في إثباتها إلى صورة افتراضية، هي صورة رجل معلق في القضاء قد أغلقت حواسه، ومع ذلك فهو يدرك نفسه عندئذ بغير حاجة إلى بدن! بل إن أول الإدراكات
وأوضحها عند ابن سينا هو إدراك الإنسان لنفسه، وهو إدراك "حدسي "؛ وإذا ما أشار الإنسان إلى نفسه بقوله "أنا" فهو لا يقصد بهذه الإشارة جسمه، بدليل أنه قد مدركا للسانه وهو غافل عن جميع أعضائه الظاهرة والباطنة.
ولا يرسل الدكتور عثمان قوله إرسالا بغير ذكره للنصوص المؤيدة، ثم يذكر لنا أن هذه النصوص قد ترجم أكثرها إلى اللاتينية، فعرفها فلاسفة العصور الوسطى في أوربا، ومن المحتمل أن يكون ديكارت قد اطلع عليها ، لهذا الشبه الشديد بين "الإنية" السينوية و"الكوجيتو" الديكارتي. ويختم الدكتور عثمان أمين بحثه بهذه الأسطر الموحية: إن من درجوا على النظر إلى الوجود نظرة مادية، فأضحوا لا يرون شيئا إلا في صورة الامتداد المحسوس، سيجدون نفعاً كبيراً إذا تدبروا ما كتبه الفيلسوفان العظيمان، ولعل في ذلك دفعاً لما غلب على أذهانهم من أوهام
وهاهنا قد وقفنا بالقارئ وقفة قصيرة في روضة الشعر ليستريح لحظة في ظلالها الوارفة من مجهود ذهني مضني ، ويتزود بزاد جديد استعداداً لمجهود ذهني مقبل، فوقفنا به عند قصيدة عصماء للشاعر الدكتور زكي المحاسني، أجراها على نسق عينية ابن سينا، حتي لا يبعد القارئ - وهو في راحته الوجدانية - عن جو فيلسوفنا الذي نحتفل به
ولم نرد للقارئ انتقالا مفاجئاً بعد ذلك من راحة الشعر التي استراح فيها واستروح بعد رحلة فلسفية قد يكون فيها شئ من مشقة السفر وعسر الطريق، إلى رحلة فلسفية أخرى، فعرضنا عليه ناحية أدبية من ابن سينا، تناول الحديث فيها الدكتور أحمد أمين بك فعرض عينية الفيلسوف عرض أديب بصير بأسرار المعاني ومواضع الجمال؛ لكنه يستهل حديثه برأي يقطع لنا بصحته وهو أن العينية ليست
لابن سينا، لأنها أرقى بكثير مما عرف لابن سينا من شعر وأراجيز؛ فأبن سينا الغامض في لفظه وفي شعره وفي فلسفته السمج في تعبيره، لا يمكن أن يكون هو ناظم القصيدة العينية
ويتحدث بعد ذلك الدكتور شوقي ضيف عن نثر ابن سينا، فإذا هو يؤكد معنى قريباً من المعنى الذي أشار إليه الدكتور أحمد أمين بك - يقول الدكتور شوقي إن الفلسفة اليونانية قد جاءت إلى العرب في ترجمة مرتبكة العبارة لذلك لم تتخلل العقل العربي إلي الصميم، وتسلم ابن سينا وغيره من متفلسفة العرب هذه الترجمات فلخصوها وعلقوا عليها وبذلوا جهداً في فهم عبارات المترجمين المستغلقة لكن ها هو ذا ابن سينا يعترف بأنه كان يعيد قراءة النص المترجم حتى يحفظه دون أن يفهمه، فهل من عجب بعد ذلك أن يجيء أسلوب ابن سينا جافاً لا نضرة فيه ولا حياة أضف إلى ذلك أنه لم يكن عربياً خالصاً، ولا كون لنفسه سليقة عربية دقيقة - بل كان أعجمياً يتخذ لغته الأعجمية في حياته اليومية - فجاءت هذه العجمة على عجمة المترجمين ضغثاً علي إبالة، لينتهي الأمر كله إلى نتيجته المنطقية، وهي أن يخلو أسلوب ابن سينا من الصفاء والوضوح، وكثيراً ما كان يختار ألفاظه من المعجم اللغوي، لأنه لم يكن عربياً ولا أخذ العربية عن أصحابها مباشرة، بل أخذها عن كتب اللغة فجاء أسلوبه على غير سياق واحد مطرد، فتارة يستقيم وتارة يلتوي، وتارة يتضح وتارة يمتلئ بغريب الألفاظ وحوشيها
وأشار الدكتور شوقي ضيف إلى كثرة استخدام ابن سينا للرمز في كتابته، ثم إلى استخدامه للشعر والأراجيز في صياغة معانيه الفلسفية، فجاء هذا العمل بمثابة التثاؤب الذي أصاب الفكر العربي فلم يمتد ولم ينبسط، بل راح ينفق بعض جهده فيما لا يفيد - بل فيما يعود بالفكر إلى
الوراء، لأن العبارات المرصوصة التى يسهل حفظها قد يخلق الببغاء، لكنها لا تخلق الرجل المفكر
وبعدئذ يرتحل القارئ مع الباحثين طائراً على هامات القرون فيرى كيف كان اثر ابن سينا في الأجيال التالية
فيعرض لنا الأستاذ محمود الخضيري مؤيداً لابن سينا هو النصير الطوسي، وكيف دفع عن أستاذه هجمات اثنين من خصومه، هما الفخر الرازي والشهرستاني، فالفخر الرازي يتعرض لابن سينا بالذم والتشنيع بالرغم من كثرة نقله عنه فيرد عليه الطوسي قائلاً: إنه - أي الفخر الرازي - قد جاوز في نقده حد الاعتدال
وأما الشهرستاني فقد بالغ في كتابه المصارعات في مدح نفسه وفي ذم ابن سينا، ورد عليه الطوسي بكتاب أسماه "مصارع المصارع" مدافعاً عن ابن سينا راداً لهجمة الشهرستاني عليه
ويتناول الأستاذ محمد عبد الغني حسن طرف الحديث فيبين لنا كيف ورد ابن سينا عند قدماء المترجمين والمؤرخين؛ فقد ترجم ابن سينا لنفسه أولاً، ثم جاء تلميذه الجوزجاني فكتب رسالة في ترجمة حياة أستاذه، فأصبح هذان المرجعان هما المصدر الرئيسي الذي يعول عليه؛ فهذا هو ابن أبي أصيبعة ينقل هذه الترجمة كاملة في عيون الأنباء وينقلها القفطي مختصرة في إخبار العلماء ويجئ بعد ذلك البيهقي فيضع أول كتاب عن ابن سينا ثم يؤرخ له النظامي العروضي في جهار مقالة وبعدئذ يختفي ذكر الفيلسوف في التواريخ أو يكاد
وأما الدكتور محمد يوسف موسى فيستعرض المراحل التي اجتازها الأزهر في سيره التدريجي نحو الإقبال على الدراسة الفلسفية، بما في ذلك ابن سينا، وقد أرجع الفضل في ذلك لذويه كالشيخ محمد عبده، والشيخ محمد بخيت الذي نستعين الآن في نشر كتاب الشفاء لابن سينا بنسخته
الخاصة والشيخ حسين والي، والشيخ عبد المجيد سليم الذي كان يلقب وهو طالب بابن سينا
وبين الأستاذ عز الدين اسماعيل أثر ابن سينا في ابن طفيل وقصته حي بن يقظان
وأخيراً عرض لنا الأستاذ سعيد زايد نماذج من تأويلات ابن سينا، واختار لذلك ثلاثة أمثلة، هي التأويلات الخاصة بإثبات الوحدة، والنبوة، واليوم الآخر. وهي تأويلات حاول فيها ابن سينا أن يؤيد بالبرهان العقلي ما يثبته الدليل النقلي
وإني بعد هذا التقديم لأطلب المغفرة من روح ابن سينا ومن الباحثين الأفاضل، ومن القراء جميعاً - أطلب المغفرة من روح ابن سينا على ما يكون في هذا العدد الخاص بذكراه من قصور وتقصير، وأطلبها من الباحثين الأفاضل على ما استبحته لنفسي من تلخيص أبحاثهم تلخيصاً يستحيل أن يخلو من الشوائب لاستحالة أن يصور الجزء كلاً يحتويه ثم أطلبها من القراء الأكرمين على هذه الحيلولة القصيرة التي أقمتها بينهم وبين محدثيهم. وأرجو أن يشفع لي في ذلك كله سلامة النية وحسن الغرض

