في جميع البقاع التي تفيض فيها لغة القرآن الكريم ، ألوف وألوف من القراء المثقفين ، والأدباء النابهين ، لكل منهم مع " الرسالة " و " الثقافة " قصة رائعة وحديث ذو شجون . ولكم طلعت علينا المجلتان بقصص القراء والأدباء معهما ؛ فإذا بنا حيال صفحات باهرة ، وتاريخ لامع ، وسطور مجد وفخار ومنذ عهد قريب نشر صديقى الكاتب الفاضل الأستاذ محمد رجب البيومي قصته مع مجلة الرسالة الغراء ، في صورة رسالة مفتوحة ، وجه الخطاب فيها إلى واحد من رفاق صباه وشبابه ، فخطر لي وقتئذ أن على واجبا مفروضا نحو هاتين المجلتين الراقيتين إن لم أؤده فأنا من الجاحدين ، وليس من ديدني الجحود ، والحمد لله رب العالمين .
كان عجيبا أن أطرق باب أحد أقربائي المثقفين ثقافة واسعة ، المقتنين كل قيم من الكتب شرقها وغربها ، وأنا غلام في أول مرحلة التعليم الثانوي ، لأسأله في سذاجة أن يعيرني المجلد الأول من مجلة الرسالة ! ولا أكتم القارئ أنني كنت وجلا ، لا أدري لماذا ؛ ربما كان لشعوري حينذاك أنني قطرة ماء تسعى إلى الدماء . ولكن الرجل المثقف الذي خشيت سخريته واستخفافه رحب بي أيما ترحيب . وبعد الشاي ، اختفي لحظات ، ثم عاد وهو محمل مجلدات من الرسالة والثقافة ، ويضعها أمامي ، ثم يحدثني حديث المربي الكريم عن الأدب والأدباء والرسالة والثقافة . فأكد لي ذلك أن أولى الفضل والحكمة يبتهجون حين يقعون على بذور صالحة ، ولا يضيقون بمن يأنسون فهم الميل إلى العلم والمعرفة .
وحين علم والدى - رحمه الله - رغبتي في اقتناء الرسالة والثقافة أسبوعيا ، تهلل محياه ، وأشرقت نفسه ، لأن الفتيان تعودوا أن يطلبوا أدوات اللهو وغذاء البطون ،
لا أن يشغفوا بمجلات الخاصة ، وميادين الفكر ، وغذاء العقول والقلوب . واستجاب أبي لندائي . وأصبح من المألوف أن يأتيني بائع الصحف في القرية بالتحفتين الخالدتين كل أسبوع . وأصبح من المألوف أيضا أن أنور كأنني قدر تفور ، على بائع الصحف المظلوم ، إذا تأخرت المجلتان أو إحداهما لسبب من الأسباب !
ولا أزعم أنني كنت في أول الأمر أفهم جميع ما ينشر في المجلتين ، ولكنهما كانتا من العوامل التي ارتفعت بي فوق مستوي زملائي . وكلما تقدم الزمن شعرت أنني أتقدم ، وأن سبلا ومعالم وآفاقا جديدة تتضح في دنياي وكنت أرى أندادي يهيمون بالروايات التافهة ، والقصص المثيرة ، والمجلات المسمومة ، فكنت أنصح لهم بالانصراف عنها والإطلاع على الرسالة والثقافة ، ومنهم من ظل مواظبا على قراءتهما حتى الآن . ومن الطريف أن بعض التلاميذ الخبيثين كان يستغل ولعى الشديد بهما ، وتقديري العظيم للكتاب . والشعراء الدين يديجون صفحاتهما الجليلة ، فينالهم بالسنة حداد ، وبعض من شأنهم بأسلوب صبياني ، ليخرجني عن صمتي وهدوئي ، وأنذاك : اعصفي يا رياح . . وثوري يا أعصاب . . وانطلق ياقلب ذات حياض الأدباء والشعراء وغالبا ما كنت أخرج من المعمعة وقد رفعت علم النصر ، وظفرت آخر الأمر باقتناع المعتدين .
ولم يكن من السهل أن أقاوم شغفي بالرسالة والثقافة ، فكثيرا ما ضبطت متلبسا بقراءتهما في أثناء الدرس ، وكان التلاميذ أحيانا يسكنون فجأة كأن على رء وسهم الطير ، فيسترعى سكوتهم انتباهي ، فأرفع رأسي عن الصفحات لأري الأعناق مشرئبة إلى ، والأنظار مصوبة نحوى والعلم قد فغر فاه من الدهشة ، لأنني منصرف عن الدرس ، وعن الدنيا كلها . . إلى الرسالة والثقافة ؟ ! وأشهد أن مدرسي
اللغة العربية كانوا يعاملوني معاملة خاصة ، ويشملونني بعناية مشكورة ؛ لأنني كنت أقرأ نتاج النابغين وأفيد منه فائدة يظهر اثرها في كراسات الإنشاء حيث الدرجات النهائية ، والتعليقات المشرفة ، على الدوام ؛ وأذكر أن أحد المدرسين كان يدعوني " سيبويه " فأقول له في منطق غرير " سيبويه ؟ ومن هو سيبويه " بابك ؟ أليس عالما نحويا أنا افضل منه . . أهو مثلي يقرأ ويكتب ثلاث لغات ؟ هل شهد الدبابة والطيارة والسيارة والترام والسينما والراديو هل انفق لحظة في دار الكتب المصرية ؟ هل هو من قراء الرسالة ، والثقافة . " فيبتسم الرجل ابتسامة لا أدرك مغزاها ؟ .
وفي منتصف الرحلة الثانوية أصبت بالروماتزم ، وبالتهاب حاد في العينين ، فقرر الطبيب أن أسترح فترة طويلة . وأن اتجنب التعب والارهاق ما استطعت إلي ذلك سبيلا . انقطعت عن المدرسة ، والزمت الفراش ، وعشت بين الأدوية والعقاقير والزائرين شهورا مؤلمة مملة ، وضايقني جدا حرماني من الرسالة والثقافة ، فكان أبي يقرؤهما على وأنا أتتبعه منتبها صاغيا ، والويل لمن كان متعلما من الزائرين ، كنت أعتقله اعتقالا ، ساعات متوالية ، حتى ينتهي من قراءة الرسالة والثقافة بإتقان . . من الغلاف إلى الغلاف . ثم تقرر أن أتم علاجي في القاهرة ، وفيها أقمت . وحولت أوراقى إلى المدرسة التوفيقية للالتحاق بها ، وهناك التقيت بأحد شعراء الرسالة والثقافة المعروفين ، وكان استاذ اللغة العربية بالتوفيقية ، ولا أنكر جميله على واحتفاءه بي من ذلك العهد حتى الآن .
وفي العاصمة أشرقت حولي حياة جديدة ، وبدأت عهدا جديدا . فإلى جانب الرسالة والثقافة وجدت روافد علمية وثقافية متباينة لها خطرها . فقد انتفعت بدار الكتب العربية ، والمحاضرات والمناظرات التى يلقيها المشاهير في الأندية الأدبية ، ومعارض الفنانين البارزين ، والأفلام الغربية الممتازة ، والمسرحيات والرحلات ، وما إلى ذلك
مما لا يستغني عنه مشتغل بالأدب والفن .
وتعرفت على شخصيات من الكتاب والشعراء والنقاد الممتنازين ودفعنى ذلك إلى المثابرة على الإطلاع وتحسين شعرى ونثرى ، وفي كل خطوة خطوتها على مدارج الفكر والبيان ، وفي كل فوز أحرزته لم أكن أنسى فضل الرسالة والثقافة على شخصي .
وما نزلت مدينة أو قرية في مصر إلا استفسرت عن قراء الرسالة والثقافة ، وربما سمعت إلي بعضهم خاطبا وده ناشدا صداقته ، ولى منهم أصدقاء كثيرون .
وكلما اعتكرت حياتي بخطب ، أو ساء النفس مني هم لاقح لايريم ، هربت مما اللاقى إلى شاطئ النجاة ، ومعقل الأمان والإيمان . . إلي الرسالة والثقافة . فألقى البلسم والبرء وأجد الأمل والرجاء ، وما زلت أذكر وفاة أبي رحمه الله وما أعقب ذلك عندي من فراغ هائل ، وحزن قاتل ، وانطواء يقضى ويفني ؟ وعندئذ هتف هاتف : لله بالقرأن الكريم والأدب العالي . . فأسرعت أعيش مع المصحف والرسالة والثقافة ، وانهمل العزاء والصبر الجميل ؛ وفي أول مرحلة التعليم الجامعي أصبت بصدمة في طموحي زلزلت وجودي وبددت جهودي . فتألمت كما يتألم المكافحون في سبيل العلم والنور ، وتعذبت عذابا لا يتصوره إلا من ثكل أملا كبيرا من آمال العمر ، ورغبة تنتسب إلي القمم والمعالى . عندئذ هتف نفس الهاتف :لله بالقرآن الكريم والأدب العالي . . فأسرعت أعيش مع المصحف والرسالة والثقافة ، واتحمل العزاء والصبر الجميل . .
والحديث عن الرسالة والثقافة يطول ويطول ، ويحلو ثم يحلو ، وجماع الأمر أنهما جامعتان تقومان بعملهما الجليل خير قيام . فليهنا صاحباهما بما يقدمان للعروبة والإسلام من أياد بيض وخير كثير .
هما السلوى والنجوى ، وهما النار ينبثق في الظلمات ، وهما العزاء ينبجس في الظلمات ، وهما الدليل الصادق الأمين في متاهات الوجود !!

