... وتحمل محدثى ربما يشمل دخيلته ، ثم استأنف نجواء، وكانت همساً خافتاً ، أشبه شيء بترتيلة دينية بينها ناسك في محرابه :
كنت أنفت الحياة وأحتقرها ، ولا أعرف لها غاية ولا جدوى ، وكنت قلق النفس ، تأثر الحس، يعصف الشك بكل ما أومن وأعتقد
وأحببتها : ( فأحببت الحياة وأقبلت عليها ، وقرت نفسي، وصارت أهدأ من صفحة الغدير ، وأحمق من غوره، وأصفى من غيره .. وحار الشك العاصف الجارف إيماناً قاراً عميقاً ، وأصبحت أجد في التملى بحسنها عبادة صامتة للخالق البدع
وعشت في جو سحرى - من حبها - لا يتراءى في سمائه غير أطياف المني المتراقصة ، وأحلام السعادة الهنيئة
من العبث - يا صديق : - أن أصور لك تلك الفترة من حياتى ، فلقد كانت لمحة بارقة، وومضة خاطفة ، مرات وكأن لم تكن ، كانت غفوة من غفوات السحر ، نعمت فيها بالأحلام اللذة الممتعة ، وكانت نشوة فارقة ، نسيت فيها كل شيء سواها هی ...
إلى لأتمثلها الآن ! :.. في عينيها سحر وصفاء . وفى جبينها ألق وضياء ، ومن شفتيها يقيمت لهيب ونداء. ...
ثم أن محدثى أمة عميقة وزفر زفرة حرى ، واعتدل في جلسته ، ثم قال : .. ويأبى الله القدير، إلا أن يزيد هذه الصورة
الفنية الرائعة ، جمالاً وروعة وسحراً ووضوحا ، فيفتن في تشويه شقيقتها .. نعم لقد كانت أختها آية فنية رائعة في القبح والدمامة ..
واستيقظت من تلك الغفوة ، وصحوت من هذة النشوة .... فاذا الأحلام تتبدد ، وإذا الأماني تندك وتنقوض .... وإذا الحبيبة طريحة الفراش ، فريسة الحمى .....
وهل نالت الحمى من جمالها ؟؟ كلا !! فقد والله - زادتها فتنة وسحراً وروعة .. وازددت لها حباً وهوى وهياماً ، وتعلقت بها كما يتشبت الفريق بالنبتة الواهية ، وودت لو استطعت نقديتها بكل ما أملك ، أو مشاطرتها آلامها ومحنتها .
وكانت تحتضر ، وبجوارها أمها وشقيقتها ، ووقفنا خاشعين صامتين في حضرة الموت ورهيته وجلاله ، تتلاقى هيوننا في لوعة وأسى ، ثم ترفعها مبتهلين إلى الله أن يعجل بقضائه
وحركت رأسها ، وفتحت عينيها ، وأدارتهما ، حتى استقرنا على ، ورنت إلى رتوة ، فيها كل معانى الاستعطاف والاسترحام.. وانفرجت شفتاها عن صوت هامس متقطع ، صادر من أعماقها ، وكأنه منبعث من هوة سحيقة و هتفت باسمى .
فا تمالكت أن جنوت بجانبها وقلت : لبيك ! همست: أتحبنى !! اغرورقت عيناى بالدموع ، ثم جاهدت نفسها - وعيناها تفيض بأبلغ عبارات الرجاء - وقالت : أتجيب رجائى ؟؟
فقلت لها في حاسة وثورة مكتمة : ما ندمت على ضعفى ندى في مثل هذا الموقف، فما أملك غير روحى
أقدمها رخيصة لك ، تتصرفين فيها كيف شئت ! ! وبلت الفراش بدموعى المتحدرة .
قالت : أستحلفك بحبنا القدس الطاهر ، إلا ما تزوجت شقيقي !!
وما أتمت عبارتها . . حتى لفظت نفسها !
قلت لحدثي : - وهل وفيت بعهدك ؟ وهل فى ذلك شك ؟ ؟؟ إلى لأقبل زوجي وأعانقها ، فأقبل فيها الحبيبة وأعانقها !! ما تمالكت أن شددت على يده وقلت : إلك من وفي سعيد !!
( القنايات _ شرقية )

