تنعى أسرة الرسالة إلى قرائها عضوا من كرام أعضائها كان له في كل ميدان من ميادين الأدب جولة وفي كل باب من أبواب الإصلاح مدخل؛ ذلك هو المحامي المدره والسياسي الخطيب والكاتب الشاعر الأستاذ فليكس فارس. توفاه الله في منتصف الساعة الثامنة من صباح يوم الثلاثاء الماضي في مستشفى المواساة بالإسكندرية عن سبعة وخمسين عاما وهو أنشط ما يكون عملا لأسرته ولقومه
ولد الفقيد الكريم في المريجات من قرى لبنان العليا من أب عربي وأم فرنسية؛ ثم درس الحقوق وثقف الأدب في اللغتين العربية والفرنسية؛ ثم زاول المحاماة وجاهد في سبيل استقلال بلده وحريته بلسانه وقلمه، فكان حيناً من الدهر موضع الخشية للسلطان ومعقد الرجاء للشعب. ثم اختلف الزعماء بينهم في وجهة النظر، ونبا العيش بالزعيم الكريم فوفد على مصر منذ ثماني سنوات وفادة الغائب على أهله، فأكرمت مصر مثواه وجعلته كبير المترجمين
في بلدية الإسكندرية بمرتب قدره خمسون جنيها مصريا في الشهر، فعاش الأستاذ هو وأمه الحنون وزوجه المخلصة وأطفاله الثلاثة عيش الخفض والدعة. وتوثقت صلاته بأدباء الإسكندرية والقاهرة فكان من عوامل الإذكاء في نهضة الأدب والفكر فيهما. ثم اتصل سببه بأسرة الرسالة والرواية فأختصهما بمترجماته ومساجلاته وخطراته، حتى اشتدت عليه في الأشهر الأخيرة وطأة مرضه الدخيل وهو تضخم الكبد فذهب كما يذهب النور من العين والسرور من القلب والأمل من الحياة. والله وحده يعلم مقدار ما خلف من الأسى المسعور في نفوس أهله وأصدقائه وقرائه
كان الأستاذ فليكس فارس من أنبل الناس خلقا وأنقاهم ضميرا وأوفاهم ذمة؛ وكان مفطوراً على الخلال العربية النبيلة والروح الشرقية السامية؛ يدعو لها ويدافع عنها ويفخر بها. وكانت الأديان السماوية الثلاثة قائمة في نفسه مقام الوحدة المتصلة لا يرى بينها فرقا ولا حداً ولا معارضة؛ فهي في رأيه ثلاث طرق تؤدي إلى غاية واحدة. لذلك كانت كتابته في الإصلاح الديني والاجتماعي ترضى كل نفس وتساير كل مذهب. وكانت صلته بالرافعي رحمه الله تشبه أن تكون صلة عقيدة لا صلة مودة. والناظر في كتاب (رسالة المنبر) يجد الأستاذ فليكس فارس بروحه وأدبه ورأيه وفلسفته. رحمه الله رحمة واسعة، وألهم أهله وصحبه الصبر على فقده

