وصلتني الرسالة الخاصة التالية من صديق حميم حضر عملية الانتخاب التي تمت في الأسبوع الماضي . وأنا ارجو أن لا يسوءه مني أي أوثر نشرها علي القراء " أخي :
كان من سوء حظي أن وقع على الاختيار لأتولي رياسة إحدي لجان الانتخاب أمس في دائرة . . فانك لتعلم مبلغ ما يلقاه الانسان من جهد في ممارسة هذا العمل . وإني لأغبطك على أنك أنت نجوت مما وقعت أنا فيه . ولكن أمورا لفتت نظري أثناء عملية أمس ، وددت أن لا يفوئي ان اتحدث إليك فيها . فلطالما سمعنا في احاديث الناس الخاصة ان الحياة النيابية في مصر جاءت سابقة لأوانها ، وأن تقدير الرأي العام لهذه الحياة
ما يزال فجا . ويستشهد أصحاب هذا الرأي بأن بعض الناخبين لا زال يساق سوقا إلى قاعات الانتخاب لاعطاء صوته . ولكني أقول إن مشاهداتي في عملية أمس جاءت تدعو إلى إعادة النظر في صحة هذه الاحاديث .
كانت دائرتنا واسعة ، ولذلك أعدت لها ثلاث لجان فرعية تقوم بأخذ أصوات الناخبين فيها . وقد جعلت كل لجنة من هذه اللجان الثلاث في طرف من أطراف الدائرة . وظللنا نعمل طيلة النهار في استقبال الناخبين الذين لم ينقطع سيلهم حتى نهاية موعد العمل . وكان من الأمور التي لفتت نظري أن كثيرا ممن كان
يصح أن يلتمس لهم العذر لو أنهم مخلفوا عن الحضور للتصويت ، لم ترتح نفوسهم إلي قيام معاذيرهم . واقبلوا علينا يسعون للقيام بواجب بدءوا بقدرون خطورته فهل من السهل على الرجل الكفيف مثلا ان يزاحم بمنكبيه وسط الناخبين ليصل إلي قاعة الانتخاب حتي يتمكن من إعطاء صوته ؟ ومع ذلك فقد حدث هذا
الأمر في لجنتنا أمس مرارا وتكرارا وكانت نفسي تمثل إمجابا بهؤلاء الرجال الذين جشموا أنفسهم مشقة الطريق ومشقة الجو في هذه الآيام ليريحوا ضمائرهم بأداء هذه الأمانة الوطنية التي ألقيت في أعناقهم
وكان من الأمور التي لفتت نظري أكثر من ذلك ، أن دخل علينا بعد الظهر شاب عاري الرأس كث الشعر ، بلبس الملابس ) البلدية ( ، وهو دون العشرين من عمره ، وقدم تذكرة انتخابية كانت معه ، وطلب أن يدلي بصوته . فلما سألته عن التذكرة التي معه قال إنها لأخيه الأكبر . وإن أخاه هذا طريح الفراش ، ولكنه يريد أن يستعمل حقه الانتخابي فأوفده للأدلاء بصوته نيابة عنه . فأفهمته بأن ذلك لا يجوز . فألح في ضرورة إعطاء الصوت قائلا :
- إن أخي مرض فجأة منذ يومين . وقد ظل طول النهار يتربص أن تتحسن حاله ولو لحظة يتمكن فيها من الحضور لإعطاء صوته ولكنه رأي اليوم يوشك أن ينصرم وهو ما يزال علي ما هو فيه من الاعياء . فأوفدني نيابة عنه لأحمل إلى اللجنة صوته وإنى مستعد ان ترسل اللجنة معي واحد انتدبه ليتحقق من صدق قولي فعدت أبين له أن هذا غير متيسر ، فضلا عن أنه عمل غير مسموح " فقال :
- إذا استحضر إليكم منه توكيلا كتابيا بأنه ينيبني عنه في إعطاء صوته .
قلت : وكيف تعرف اللجنة أن التوقيع الذي محمله هذا التوكيل هو توقيع أخيك :
قال : إن كانت آرائي لا تعجبكم ، وترفضونها جميعها ، فأشيروا علي إذا بما تريدون !
قلت : إن التعليمات تقضي بأن الناخب يعطي صوته بشخصه وليس بتوكيل .
قال : إذا فابعثوا من ) شيخ الحارة ( فهو شخص
تعرفونه ، وهو ايضا يعرف اخي ، فسيسمع منه انه يأتمنني على إعطاء صوته .
وقد جادلناه فأطال جدانا . ولما رأي من جانب اللجنة إصرارا علي تمسكها برأيها انصرف مغضبا ، ثم لما لبث أن عاد إلينا ومعه أخوه ، وقد اعتم كما يعتم المرضى وتدثر كما يتدثرون ، مفضلا أن يضحي براحته وصحته على أن يفوته القيام بهذا الواجب المقدس ؛ فكان ذلك موضع إكبار جميع من شهدوه
على أن هناك حادثا آخر كان في نظري أعظم وقعا في النفس من الحادث السابق . ذلك أبي قبيل انتهاء عمل اللجنة بحوالي عشرين دقيقة - وكان قد بدا يخف زحام الناخبين نوعا - سمعت لغطا يدنو من باب قامة اللجنة وأصواتا تقول:
- حاسب ؛ علي مهلك ؛ انتظرا رويدا ! رويدا فاشرأبت أعناق الحاضرين يتطلعون نحو الباب ليروا ماذا هناك . وإذا بشيخ مسن حافي القدمين خلق الثياب ، قد أقعدته الشيخوخة والمرض ، يحمله رجل قوي على كتفه كما تفعل الأم بوليدها . ومن حوله شابان آخران أو ثلاثة تبينت فيما بعد أنهم أبناؤه . تم تعاون الجميع على إجلاسه في المقعد القريب مني . فأخرج الرجل تذكرته
الانتخابية وقدمها إلي . فلما اطلعت عليها تبين لي مع الأسف الشديد أن لجنتنا غير مختصة بأخذ صوته . وأن ذلك يقع في اختصاص اللجنة الثانية التي تعمل في الطرف الآخر من الدائرة . فتحرجت كثيرا وأنا أبدي له هذه الملاحظة ، لعلمي بأنه إن كان هو ومن معه قد تجشموا مشقة الحضور إلي مقر لجنتي . فليس من السهل عليهم بعد كل هذا العناء ان يتحملوا اثر الفشل الذي انتهت إليه جهودهم . وما راعني بعد ذلك إلا أن أري الرجل يقول : لا بأس ) البس الوقت بتسع لنا للذهاب إلي مقر اللجنة الثانية ؟ فقلت له : ياعمي إن الطريق طويل
والوقت قصير ! فنظر إلي نظرة غير راضية ثم التفت إلى من معه قائلا : أحضروا لي مركبة تحملني إلي هناك :
ولست أخفي عليك أن شيئا من العزة قد ملا نفسي إذ رأيتني مواطنا لمثل هذا الشيخ الضعيف الذي إن كان مظهره ينم عن فقره الشديد ، فأنه أثبت أن نفسه كانت زاخرة بكل معاني الغني الروحي .
على أني لم استمتع طويلا بهذا الاحساس الجميل . فقد دخل علينا بعد ذلك بلحظات ناخب مطريش متأنق طلت عليه فكرة التحلي بالذهب ، حتى لا تقع العين منه إلا علي شئ مذهب او مموه بالذهب . فأصابعه مختمة بالذهب ، وسلسلة ساعته مصوغة من الذهب ، وإطار منظاره من الذهب ، وقبضة عصاه من الذهب ، وحتي فيه كان يوشي الذهب بعض رباعياته . .
دخل علينا هذا السيد الذي جاوز العقد الخامس من عمره في دلال ظاهر ، وكان موقفنا معه - بطريق الصدفة - مثل موقفنا مع زميله الشيخ الآخر الذي سبقه ، فان اسمه كان غير مثبت في كشوفنا ، وكانت تذكرة تعطيه حق التصويت امام اللجنة الثانية ايضا ، ولكنه ما عرف ذلك حتى صاح قائلا :
يا سلام أفأذهب من جديد إلى اللجنة الثانية ؟ ! لقد كنت مترددا في الحضور إلي هذه اللجنة على قربها من داري لما أتوقعه من أمثال هذه الاضطرابات فليتني لم أفكر أصلا في الحضور ؛
ولست ادي كيف حز في نفسي مسلكة حتى لقد هممت بأن اوجه إليه شيئا مما يستحقه من عبارات التنديد والتقريع على ما يبديه من تلك الزينة المحنثة والسلوك المعيب ، لولا اني وجدت امارات الامتعاض من تصرفه مرتسمة على وجوه الموجودين جميعا فاكتفيت بصدور هذا الحكي الإجماعي علي سخافته . وقد خرج - لا غفر الله له - وهو يرمقنا بنظرات شزراء ونحن نشيمة تمثل ما استقبلنا به من الزراية والاستخفاف .
وإذا كنت قد لقيت مشقة في ملازمتي " صندوق الانتخاب ، نحو عشر ساعات متوالية ، وفي استقبال الفاخبين وإثبات أصوائهم ، ثم جردها و " فرزها واحصائها " فقد اكرمني الله بصحبة أعضاء اللجنة الذين كانوا يعملون معي ، وبينهم ثلاثة من الناخبين الذين اختارهم المرشحون للجلوس معنا نيابة عنهم ليطمئنوا بوجودهم على صيانة مصالح كل واحد منهم . فقد كان من
بين هؤلاء الأعضاء رجل ظريف من الأعيان يرتدي الزي العربي ، وهو شديد التمسك بدينه حتى لم يترك فرضا واحدا من فروض اليوم الأربعة التي وجبت علينا ونحن في مجلسنا ذاك دون ان يقوم " في وقته وكان على جهله المفترض باللغات الأجنبية يفاجئنا بين الفينة والفينة بتعليق ) فر نسي ( ظريف ينطقه نطاقا فنيا سليما يقع في السمع كأحلي ما يقع كلام أهل باريس . وناهبك بشيخ سني ممن يرخون لحاهم ويطلقون عذباتهم وهو يتكلم بهذا اللسان الفرنسي اللطيف
ولست أنسى كيف أنه - حين اشتد الجدل بيننا وبين الشاب الاول الذي ذكرت لك قصته في صدر هذه الرسالة - كيف انه ظل يناقشه ويحاوره ، والفتي محاول أن يرد على كل اعتراض يثيره في وجهه . واخيرا ضاق به صاحبنا الشيخ وصاح فيه قائلا :
- يا ابن قلنا لك آميوسيبل ؟Impossible فلقد صدرت منه هذه الكلمة في موضع لم يكن أحد منا يتوقع صدورها من مثله ، فكانت مفاجأة جميلة أحدثت في نفوسنا جميعا أطيب الأثر
كما أني لا أنسي - ونحن نقوم بعملية إحصاء الأصوات - كيف كان يختم كل عملية يتمها بقوله : جوست ! Juste فكانت هذه اللازمة الظريفة بدورها موضع التفكهة والتنذر طول مدة الفرز الشاقة المضنية . ومع ذلك فان عمليتنا لم نكن جوست " تماما عند
ختامها فقد ظهر نقص صوت واحد من الأصوات التي اخذناها وبقيت ورقة هذا الصوت ضائعة لا نجدها مع أن الثابث في الكشوف التي بين أيدينا أننا اثبتنا صوت صاحبها وكان هذا الصوت الواحد سبيا في إعادة عملية " الجرد والأحصاء ؟ كلها من جديد فقمنا وأقبلنا على هذا العمل المساد كارهين متذمرين ومنها من أخذ الكشوف ليراجعها ، ومنا من قام إلي أوراق الأصوات
التي لم يحضر أصحابها ليحصيها . واختص آخرون بأوراق الأصوات التي استعملت وعمد آخرون إلي غيرها ، وهكذا . أما صاحبنا الشيخ فإنه رأي أن يتخلى عنا في ساعة محنتنا ، واستأذن في القيام لصلاة العشاء . انتحي ناحية من القاعة التي نحن فيها ، وشرع يصلي . . وبينها نحن غارقون في عملنا الثقيل ، وقد حل علينا تعب النهار وهم هذا الصوت الضائع ، إذ صاح من أعضاء اللجنة صائح يقول :
- ما هو الصوت الضائع
فنظرنا إليه في لهفة ، فإذا هو يشير بأصبعه إلي صاحبنا الشيخ وهو في سجدته الأخيرة ، وقد ظهر الصوت لاصقا بملابسه من خلف . فلم نتمالك أن قهقهنا جميعا ضاحكين ، حتى لقد أو شكنا بعملنا هذا أن يخرج الرجل من صلاته . .
أما كيف لصق به هذا " الصوت " على هذه الصورة العجيبة فقد تذكرنا ونحن في نوبة الضحك التي استولت علينا أننا كنا عند فرز " الأصوات نرص أوراقها الصغيرة بعضها فوق بعض على المائدة التي أمامنا . فكانت بعض " الا كوام إذا بلغت حدها من العلو تأبي إلا أن تنهار ، فنعود إلي رصها من جديد خشية اختلاطها . ونظرا لخشونة الورق وصلابته فإنه كان ينفر ولا يرسب بعضه فوق بعض كما هو الحال في الورق الناعم الخفيف .
قام صاحبنا الشيخ إلي هذه الا كوام العالية فرصها فوق كرسيه ثم جلس فوقها لكي تخشع وتستقر ولما جاء دور الأحصاء اخرجها من تحته اكداسا مكبوسة مستوية وبقي هذا الصوت لاصقا بثيابه لأمر لا يعلمه إلا الله ، حتى انكشف أمره أخيرا علي هذه الصورة التي رويتها لك
فلعلك واحد يا صديقي في هذه الصور التي سقتها إليك أشباها لها صادفتك حين كنت تشترك في العمليات الانتخابية السابقة ، فتستعيد ذكراها ويحيا لحظانها السعيدة مرة اخري والسلام عليكم ورحمة الله " ا ه.
) طبق الأصل (

