الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 31الرجوع إلى "الثقافة"

يوم الهاشمية،

Share

في العصور التي يشتد فيها الجور ويتفشي الفساد وتضطرب الأوضاع، تفزع النفوس إلى الأمل، وتصبو إلى الكمال؛ والمثالية المحلقة في أغلب الأوقات من ثمرات الصبر علي الألم المبرح، ومعاناة الشدائد الحازية؛ وقد كان عهد بني أمية عصر اضطهاد من جانب الحكام العرب الخاص ، لرعاياهم من غير العرب؛ وكان بنو أمية لا يعاملون الشعوب المختلفة التي لاذت بظل الإسلام بالمساواة المنظورة والعدالة المرتقبة، ولم يكن سبب ذلك التعصب الديني أو الكراهة الجنسية، وإنما هو شعور العرب باحتقار الشعوب التي فتحوا بلادها، وبسطوا عليها حمايتهم، ودانت لهم بعد أن هزموا جيوشها واقتحموا حصونها، وكثير على الأمم الغالبة أن تزهد في لذة احتقار الأمم المغلوبة، والإشراف عليها من خالق كبريائها وشامخ أنفتها. وإننا نطلب الكثير من الطبيعة الإنسانية إذا أردنا العرب علي أن يتواضعوا ويخفضوا الجناح، بعد أن اتسعت رفعة فتوحاتهم السريعة، وتحلوت الأقطار بأخبار انتصاراتهم الباهرة؛ وكانت الشعوب المغلوبة تعرف كيف تتقى هذا الاحتقار، فتستعيد ذكرى مجدها السالف وأيامها الذاهية وتأخذ علي العرب درايتهم بأصول الحضارة، وجهلهم قواعد الحكم وفنون السياسة؛ وكان هناك أسباب مجتمعة تزيد الكراهة اشتعالا في نفوس الفرس، فقد كان من عادة الفرس أن يخلعوا صفة القداسة على ملوكهم، وكان الملوك في عرفهم حق مقدس لا يشاركون فيه، لأنهم يمثلون الآلهة. وعند ابتداء حكم الإسلام كان ملوك ساسان قد انقرضوا وذهبت سلالتهم؛ ولكن الكثيرين من الفرص ظلوا يستمسكون بأفكارهم القديمة تحت ثوب

الاسلام، لأن تلك الأفكار لطول ما دارت في أخلادهم وجالت في خواطرهم، تسربت إلى عقلهم الباطئ، ولونت تفكيرهم الواعي، وأصبحت سمة من سماتهم الشعبية؛ وكان هذا من أقوى الأسباب التى حملت الفرس على مناصرة الشيعة؛ وفضلا عن ذلك فقد كانت المناصب الكبيرة والوظائف الحربية والمراكز السامية وقفا على العرب، وكان أعيان الفرس وذو الشرف والمكانة فيهم يعكفون على أنفسهم في ألم وحسرة ونقمة، وقد قوى ذلك في نفوسهم الشعور بالظلم والغبن وزادهم تعلقا بالعدالة وطلب الإنصاف.

ولما انتقلت الخلافة إلى العباسيين لم يستطيعوا بطبيعة الحال تحقيق كل الآمال المترامية التي كانت معقودة على مجيئهم، ولم يجازوا النزوع القوى إلى العدالة المطلقة والإصلاح الشامل الذي كان يطلبه الحالمون بالإصلاح ودعاة العدالة، فخابت آمال كثيرة، وأحكمت ظنون أقوام، واستعرت ثورات في مختلف أقطار العالم الإسلامي، تعبر عن هذا الشعور، وتصف تلك الحالة؛ واستلزم الموقف قسوة أبي العباس السفاح، وبراعة أبي مسلم الحربية، لإخماد الثورات وتثبيت مكانة الأسرة الجديدة.

ولكن اعتلاء العباسيين عرش الخلافة وإن لم يحقق ذلك المثل الأعلى للعدالة والمساواة الذي كانت ينشده الناس، فليس معنى هذا أن الحالة لم تتبدل وأنها ظلت كما كانت عليه أيام بني أمية، ولا نزاع في أنه كان لا يزال هناك الكثير من ضروب الظلم والجور، ولكن لم يكن قوامه ذلك التنافر الشديد بين مختلف الطبقات وتباين الشعوب واستئثار فريق بالنفوذ والفوة دون الفريق الآخر. وبمجيء العباسيين ارتفع صوت الشعوب المختلفة.

وجهروا بالدفاع عن أنفسهم والاعتراز بماضيهم تحت اسم الشعوبية، وبدأوا بفكرة أن كل المسلمين متساوون وأنه لا فضل لعربي على أعجمي؛ ولكنهم سرعان ما انتهوا إلى فكرة أن العرب أقل مستوى من سائر الشعوب ، وأن كثيرا من الأمم يفضلونهم في الذكاء والمواهب ويرجحون عليهم بقديم أمجادهم وسالف حضارتهم.

والواقع أن انتصار العباسيين على الأمويين لم يكن محض انتصار أسرة عربية علي أسرة أخرى عربية، وإنما كان انتصارا لقوة الإسلام الآخذة في الاتجاه العالمي على قوة العرب الآخذة في التقهقر والانحلال، أو انتصار فكرة الحكومة العالمية التي تنظر إلى مصالح الفرس والكرد والديلم والآراميين والبربر وغيرهم من مختلف الشعوب التي ضمتها شملة الإسلام، على فكرة الحكومة القومية التي تتعصب للعرب وتضع مصلحة القبائل فوق كل اعتبار.

وفي نفوس كثير من الأمم التي دخلت في الإسلام كانت ترقد بذور فلسفات قديمة وأديان على عليها الزمن ومعتقدات مهجورة وبقايا خرافات منسية وأساطير عن الخليقة وأصل الانسان؛ فلما شعرت هذه الأمم بشخصيتها وأخذت تسترد مكانتها، بدأت تزدهر هذه المعتقدات ويبدو أثر تلك النحل الكامنة في سلالة المانويين وأبناء المجوس وذرية المعطلين والوثنيين والقائلين بالحلول وتناسخ الأرواح؛ وفي غبار الفتوح الإسلامية ووهج الحماسة، وفي إبان جدة الإسلام لم يبد أثر قوى لتلك المعتقدات، ولكن بعد أن استقرت الأحوال أخذت العناصر المتعادية والإختلافات الخافية في كيان الأمم الروحي تبدو شيئا فشيئا، وزاد في ظهورها ما اكتسبوه من التفوذ السياسي وانتشار حرية الفكر وابتداء عهد التفكير الفلسفي والبحث العلمي. وعودة الحياة والانتعاش إلى هذه العقائد البالية بعد الجمود والفتور من أسباب كثرة الفتن والثورات التي لقي

العباسيون منها الأمرين، لأن كل قائد طموح أو سياسي بعيد المطامع أو داعية متهوس كان يستطيع أن يجمع حوله طائفة تصدق بدعوته وتؤيد كلمته وتسير تحت لوائه.

ومن تلك الثورات ثورة الراوندية الذين نادوا بالمنصور، وكادوا يفتتكون به في مدينة الهاشمية التي بناها المنصور حين أفضى الأمر إليه قبالة مدينة ابن هبيرة على مقربة من الكوفة.

ففي سنة ١٤٠ هجرية خرج أبو جعفر المنصور من الهاشمية حاجا فأحرم من الحيرة ثم رجع بعدما قضى حجه إلي المدينة، فتوجه منها إلى بيت المقدس؛ ولما قدم بيت المقدس صلى في مسجدها ثم سلك الشام منصرفا حتى انتهى إلي مدينة الرقة فنزلها، ثم شخص منها فسلك الفرات حتى أتى الهاشمية، وبعد عودته من هذه الرحلة بزمن يسير ظهر أمر الرواندية وهم قوم من أهل خراسان -كما يقول الطبري وابن الأثير- وكانوا يجمعون بين الاعتقاد بتناسخ الأرواح والإيمان بمذهب الحلول، فهم يزعمون أن روح آدم في عثمان بن نهيك كبير حرس المنصور، وأن المنصور هو ربهم الذي يطعمهم ويسقهم، وأن الهيثم بن معاوية هو جبرائيل، وجمعوا جموعهم وأتوا قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون وقد أخذتهم الحماسة: "هذا قصر ربنا، هذا قصر رب العزة الذي يطعمنا ويسقينا" وظلوا على ذلك بضعة أيام.

وكان المنصور رجلا سياسيا مطبوعا، فهو ينظر إلى الأمور أول ما ينظر من الناحية السياسية، فلم ير في بادي الأمر كبير بأس ولا عظيم خطر فيما تقول به الراوندية، وكان يؤثر الإغضاء عنهم والصبر عليهم حتى تفتر دعوتهم، فلما دخل عليه أحد أعوانه، وحدثه في أمرهم، قال له المنصور : " يدخلهم الله النار في طاعتنا ويمثلهم أحب إلي من أن يدخلهم الجنة بمعصيننا". ولكن أمرهم استفحل ودعونهم اشتدت، وأخذ رجال الدين وعامة

الشعب يتذمرون من مسلكهم، ويتحددون عن سكوت الخليفة عنهم وتهاونه في أمرهم ، فخشي المنصور اتساع الخرق وتزايد الفتنة، فاستدعي رؤساءهم وحبس منهم مائنين ،وأمر ألا يجتمعوا، وكان لهذا العمل نتيجة غريبة، فإنهم بدلا من أن يعتدلوا في دعوتهم ويكفوا عن المغالاة في تمجيد المنصور، اعتقدوا أن المنصور غير أهل لتلك المنزلة الشماء التي رفعوه إليها، وعقدوا العزم على مجاهدته وقتله ليتجسم الله في أقصر وقت ممكن في شخصية أكمل وأتم من شخصية المنصور ؛ وهو منطق غريب! ولكنه يتفق مع الطبيعة الانسانية؛ وكأن الإنسان يأنف من الطاعة والخضوع لانسان آخر مثله يعادله في الإنسانية ويشاركه في فنائها وضعفها، فيأبى إلا أن يسمو بذلك الإنسان إلي مرتبة الأرباب لتطيب نفسه بأن يقدم له الطاعة والخضوع . ولم يجد هؤلاء المتعصبون بدا من محاربة المنصور ، لأن الحرب أحب الأشياء إلى المتعصبين، لاعتقادهم أنها خير سبيل للدفاع عن معتقداتهم وتمكيهم من إظهار إخلاصهم لها وتفانيهم في العمل على نصرتها.

وعمدوا إلي الحيلة، فأعدوا نعشا وحملوا السرير وليس في النعش أحد، ثم مروا في المدينة حتى صاروا على باب السجن فرموا بالنعش وشدوا على الناس ودخلوا السجن فأخرجوا أصحابهم وقصدوا نحو المنصور وهم يومئذ ستمائة رجل، فاشتد الهرج وتعالت الأصوات وساد الاضطراب وتنادي الناس وأغلقت أبواب المدينة. وأسرع إليهم عثمان ابن نهيك كبير حرس المنصور لينهاهم ويرد من جماحهم ، فلم يجد معهم كلامه ؛ فلما انصرف عنهم رموه بنشابة وقعت بين كتفيه فمرض أياما ومات منها . واستدعي المنصور بعض بطانته ومن يثق بهم من رجاله واستشارهم في الموقف ، كدأبه في معضلات الأمور وطوارئ الأحداث؛ وكان المنصور إذا عرضت له خطة قلبها على جميع وجوهها ونظر إليها من

زوايا مختلفة وتحت أضواء متباينة، وكان يزن كل الممكنات والمحتملات وينظر في التفاصيل والدقائق ، ويحسن الانتقال من منطقة التفكير إلي منطقة العمل. وقليل من يجيد التفكير ويجيد العمل؛ وهو من هؤلاء الأشخاص القلائل الذين تعادلت فيهم القوتان، والزعامة في حاجة إلي الشجاعة وقوة الإرادة ، ثم العقل الراجح والبداهة الغاصرة . وكان المنصور بعهد في نفسه هذه الصفات، ويثبت للحوادث، فيوحي ذلك الثقة به إلي نفوس رجاله. وأدرك المنصور أن الموقف يحتاج إلي سرعة البت وإلي خطوة جريئة ؛ فلما قال له أحد أعوانه إن خير علاج الموقف هو أن تنادي في الناس وتأمر لهم بالأموال، خالفه في ذلك وقال له : "وأين الناس والأموال ومن يقدم علي أن يعرض نفسه لهؤلاء العلوج؟ " . وأجمع على الخروج بنفسه والاسستهداف للخطر لاعتقاده أن الناس إذا رأوءه قاتلوا وأبلوا، وأنه إذا ظل مختبئا في قصره تخاذلوا وتهاونوا . وأقبل أبو الخصيب - أحد حجابه - وحاول منعه من الخروج إبقاء على حياته ، فاجتذب ثوبه منه ثم دعا بدابته فركب ووثب عليها من غير ركاب ، ثم سوى ثيابه وخرج؛ وكان لخروجه التأثير المطلوب، فإن الناس لما رأوا المنصور بقامته القارعة وطلعته المهيبة، وما يبدو عليه من أمارات العزم والثبات، ثاب إليهم رشدهم وأخذوا في مقاومة الراوندية، وتكاثرت الراوندية على المنصور حتى كادوا يقتلونه، وإذا برجل ملتم يشق إليهم الجموع ويثخن فيهم أتخانا، حتي رد عاديتهم عن المنصور، وأخذ بعد ذلك بلجام دابة المنصور، وكان يشد على كل من حدثته نفسه بالإقدام علي المنصور وبقتله؛ ثم فتحت أبواب المدينة ودخل الناس. وكانت أنباء الثورة والاضطراب قد ترامت إلى أسماع القائد القدير خازم بن خزيمة ، فأقبل في جنده على فرس محذوف ، واستأذن المنصور في قتالهم واستئصال شأقتهم ، فأذن له فحمل عليهم حتى هزمهم ، وقتلوا جميعا بعد أن أبلو بلاء حسنا في الدفاع عن أنفسهم . ولما

هدأت الحالة اختفي الرجل الملثم في غمار الخموع ، فسأل عنه المنصور ، وعلم انه معن بن زائدة ، وكان مختفيا من إلى جعفر لما كان منه من قتال المسودة مع ابن هبيرة مرة بعد مرة . فلما تغيب أعلن المنصور أنه قد غقر له قديم ذنبه ، وأمر باستدعائه . ولما قتل الراوندية جميعهم وصلى المنصور الظهر دعا بالعشاء وقال : " أطلعوا معن بن زائدة وأمسك عن الطعام حتى جاء معن ، فقال المنصور القنمرين العباس : " تحول إلى هذا الوضع " وأجلس معنا مكان قتم ، ولما فرغوا من العشاء التفت المنصور إلي عيسى بن علي : " يا أبا العباس أسمعت بأسد الرجال ؟ " قال : " نعم " فقال له المنصور : " لو رأيت اليوم بعثنا علمت انه من تلك الآساد " فأجابه معن : " والله يا امير المؤمنين لقد أثبتك وإني لوجل القلب ، فلما رأيت ما عندك من الاستهانة بهم وشدة الأقدام عليهم رأيت أمرا لم أر ، من خلق في حرب ، فشد ذلك من قلبي وحملني علي ما رايت مني " وامر النصور له بعد ذلك بعشرة لأب درهم وقربه وولاء الثمن

وثورة الراوندية أظهرت المنصور أن نظام الحيش والحرس فى حاجة ماسة إلى الاصلاح السريع ، وكشفت له عن رغبة أهل العراق الدائمة فى الثورة وجنوحهم إلى الشغب واستهدافهم للانفعالات الدينية والتأثرات المذهبية,  وأقنعته بضرورة ايجاد عاصمة جديدة لحفظ كيان الأسرة والمحافظة على حياة الخلفاء ؛ وكان العراق هو قاعدة الحكم ومركز التدبير السياسى . ولذا رأى المنصور أنه يحسن أن يكون موقع العاصمة الجديدة على حدود العراق ووقع اختياره بعد ذلك على الموقع الذى بنيت فيه مدينة بغداد.

وتركت هذه الحادثة في نفس المنصور أثرآ قويا وصورة باقية ، فقد تشعب به الحديث مرة مع أحد أعوانه فقال له ,المنصور : ((انى أخطأت ثلاث خطيات وقانى الله شرها قتلت أبا مسلم وأنا فى خرّق ومن حولى يقدم طاعته ويؤثرها,

ولو هتكت الخرق لذهبتْ ضياعا ، وخرجت يوم الراوندية ولو أصابنى سهم غرب لذهبت ضياعا . وخرجت إلى الشام ولو اختلف سيفان بالعراق ذهبت الخلافة ضياعا)).

وكان معن بن زائدة معروفا بالكرم ؛ فلما ولى اليمن قصده الشاعر مروان بن أبى حفصة ومدحه بالقصيدة النونية المشهورة فأعطاء ألف دينار , وقدم معن يعقب ذلك فدخل على المنصور ، فتجهم له المنصور ولم يرحب بمقدمه ، ودارت بينهما هذه المحاورة:

المنصور - لقد بلغ أمير المؤمنين عنك شئ لولا مكانك عنده ورأيه فيك لغضب عليك !

معن - وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ المنصور - إعطاؤك مروان بن أبى الى حفصة ألف دينار لقوله فيك :

معن بن زائدة الذى زيدت به

شرفا إلى شرف بنو شيبان

اِن عُّدّ أيام القعال  فانما يوماء يوم ندى ويوم طعان

معن - والله يا أمير المؤمنين ما أعطيته ما بلغك لهذا الشعر ، وإنما أعطيته لقوله :

ما زلتْ ((يوم الهاشمية )) معلنآ بالسيف دون خليفة الرحمن

فمنعت حوزنه وكنت وفاءه

من وقع كل مهند وسنان

المنصور (وقد غلبه الحياه ) - إذآ إنما أعطيته ما أعطيته لهذا القول !

معن - نعم يا أمير المؤمنين ، والله لولا مخافة الشنعة عندك لأمكنته من مفاتيح بيوت الأموال وأبحته إياهآ.

المنصور - لله درك من أعرابى ! ما أهون عليك ما يعز على الرجال وأهل الحرم !

اشترك في نشرتنا البريدية