تحدثنا من قبل من الأمة العربية ومواطنها والأواصر التي تجمع بينها . وذكرنا من هذه الأواصر اللغة والأدب والتاريخ، والآن تزيد على هذه الأواصر الدين . الدين من أقوى روابط الأمم ، وأمتن أواصرها ، وأعظم أسباب اتحادها .يمدها بعقائد تقرب بين عقولها ، ويلهمها فضائل تؤلف بين عواطفها ، ويواخي بين مناهجها في العيش، وأساليبها في الحضارة . وبرهان ذلك بين في الماضي، مائل في الحاضر ، والاسلام خاصة آمرة وثيقة وعروة لا تنفصم ، بما يدخل في أمور الأمة كلها جليلها
ودقيقها ، ويصحب الفرد في أحواله جميعها . وبأنه الدين الذى خلق تاريخاً ، وأقام دولاً ونشأ حضارة ، فهو من روابط الأمة العربية ، بل أعظم روابطها ، ولكن كيف بعد الاسلام من روابط العرب وفى العرب غير المسلم ؟ أتمد. رابطة بين العرب ، لأنه دين الأكثرين ! نعم ! ولانه ، كما أسلفت ، تاريخ ودول وحضارة يفخر بها العرب كلهم ، مسلمهم وغير مسلمهم. وقد أحس هذا غير المسلمين من العرب، فأشادوا بمجد الاسلام ، واجتهدوا في تبيين تاريخه وتاريخ حضارته .
وبعد فهذه الأمة الكريمة قد اجتمع لها من الزايا والخصائص وواتاها من الأسباب والأواصر ما هو خليق أن يجلوها للتاريخ ، وللعمل، والجهاد في الحياة، أمة قوية مجيدة تنتحى غاياتها على سبل روحية ، وستن واضحة ؛ ولكن هذه المزايا وهذه الأواصر ، على قوتها ومتانها ووضوحها ، تحتاج إلى ما يزيدها قوة ووضوحاً، ويمكن لها في العقول والقلوب، وينهج لها في أعمال الحياة .
فلا بد من الدعوة إليها ، والابانة منها ، وتوجيه الناس إليها ، ولا بد من التوسل إليها بوسائل كثيرة . لسنا في حاجة إلى خلق روابط ، واصطناع أسباب تجمع بيننا ؟ فلنا روابط مشتقة من أصلنا ووطننا ولغتنا وديننا وتاريخنا وحضارتنا ؛ وإنما يعوزنا أن نجلو هذه الروابط ، ونبين جوانبها المختلفة ، وتمهد لها بأقوالنا وأفعالنا . لا بد من الانتفاع بها ، والاستفادة منها ، وتحويلها من الفكر إلى العمل ، من العاطفة إلى العمل .
إن في بلاد العرب أنهاراً كبيرة وصغيرة : النيل ودجلة والفرات والأردن وبردى والعاص وغيرها ؛ وهي أنهار طبيعية ، صبتها السماء على الأرض في غياهب التاريخ ومجاهل الغيب ، ولكنها لا تروى الأرض وتسقى الناس والأنعام إلا بالاستقاء ، وإلا بيناء السدود وشق الترع
والجداول وكذالكم خصائص العرب ، وأواصر العرب، لا بد لها من عقول العرب وأيديهم ليكون لها في حياتهم آثارها ، وعلى الأرض ثمارها ، وبين الأم أعمالها وبنتها . وتبقى على التاريخ أخبارها ، وعلى كر الدهور وتقلب الغبير فعالها .
على العلماء والأدباء والكتاب والشعراء أن يتوسلوا بآرائهم وأقوالهم وأفعالهم إلى ما يقرب بين العرب في تعليمهم وتربيتهم ، ويؤكد بينهم التعاون على الخير والتظاهر على ما يريدون لأنفسهم من نظم وأعمال تكفل سعادتهم وعزتهم على هذه الأرض .
تبادل الصحف والكتب، والتزاور ، والاثمار في الحين بعد الحين والبلد بعد البلد، فيما يحزب العرب من مشاكل التربية والتعليم والاقتصاد والسياسة والحرب والسلم - كل أولئك يمهد السبيل إلى الغابة المرجوة، ويؤدينا نحو الأمل المنشود، وويل للعرب إن لم تجدهم هذه النذر ، وتوقظهم هذه الصواعق ، المتساقطة حولهم ، وتعظيم هذه المثلات المحيطة بهم : فيسارعوا إلى العمل ، ويبادروا إلى لم الشمث وإصلاح الفاسد وانتهاز الفرص ، وخلق الوسائل الشاقة واليسيرة، والبعيدة والغربية ، في غير توان ولا تواكل
وبعد فانما تنبغي من اتحاد العرب أن يتبوءوا بين الأمم المكان الجدير بهم ، وأن يشاركوا في أمور العالم بآرائهم وأعمالهم ، يرجى خيرهم ، ويخشى شرهم ، فإن مدله وهوانا وماراً أن تسير أمور الأمم ويقضى فيها بالرشد والتي، وهم لا يشاورون فى كثير ولا قليل ، ولا يرجون الحقير ولا خطير. وقد قال أحد شعرائنا :
أليس عظيما أن تلم ملمة
وليس علينا في الحقوق معول ؟
وقال آخر :
وأفضى على غيرى إذا الأمر ناجي
وفى الناس من يفضى عليه ولا يفيض
وتريد من اتحاد العرب أن يعملوا لسعادتهم وسعادة البشر ، وأن يطبوا لأدواء العالم بما في طباعهم ودينهم وتاريخهم من الحرية والاخاء والمساواة بين الناس؟ وهم كانوا أول من رفع راية الحرية والأخوة بين البشر ، ثم لم يرفعها أحد بعدهم .
اتحاد العرب خير لهم والناس كافة ، وليس شراً على أحد. ليس في اتحاد العرب ما يخشاه غيرهم من بنى أو ظالم أو حرب أو سيطرة . فليعلم ذلك جيراننا من الأمم التي تربطنا بها أمتن الروابط ، فإنما نبنى الخير لأنفسنا ولهم وللبشر
إن اتحاد العرب وصل لا قطع ، وجمع لا تفريق . ليس في إحكام الروابط العربية قطع أو توهين لروابط أخرى.
وقد قلت في مقالات عدة، ومحافل كثيرة : إن اتحاد العرب لا يفرق بينهم وبين غيرهم ممن تربطهم بهم أواصر الدين والتاريخ والجوار ليس في مطلف العربي على العربي نوعين العطف العربي المسلم على المسلمين وإحكام الأواصر بينه وبينهم .
ألا فليسر العرب إلى مقاصدهم غير هيابين ولا مترددين ، وليعدوا عدتهم لبناء مجدهم ، وتشييد حضارتهم على قواعد من الحق والعدل والخلق الكريم ، والبر والرحمة والوفاء والصدق ، عسى أن يجد العالم المتردي في طغيانه ونفاقه وقسوته وقدره، في مدنية العرب تجاة من هذه المهالك ، وشفاء من هذه الأدواء ، وليس هذا بعيداً من همة العرب وأخلاق العرب وتاريخ العرب .

