كتاب (البرنسبيا) :(1)
وفي ابريل سنة١٦٧٦ تقدم نيوتن إلى الجمعية الملكية بكتابه المشهور (البرنسبيا) وهو في ثلاثة اجزاء. وقد شرح في الجزء الأول منه نظريته الخاصة بتحرك الأجسام مع البرهان الكامل لقانون الجذب العام. وقد أمرت الجمعية الملكية أن يطبع هذا الكتاب على نفقتها الخاصة، ولكن ذلك لم يتم لانها لم تشأ أو لم تقدر على جميع النفقات الازمة لذلك. ولكن (هالي) صديق نيوتن قام بذلك على نفقته الخاصة. فخرج الكتاب بالاتينية في مايو سنة١٦٨٧.
ولم تكد تظهر أصول الجزء الأول من (البرنسبيا) حتى قام دكتور (هوك) ينسب إلى نفسه الأسبقية في الكشف عن قانون التربيع العكسي متهماً نيوتن بأخذ هذا الاكتشاف عنه. وبذك اتسعت شقة الخلاف بين العالمين، ولكن دكتور (هالي) تمكن بتأثيره على نيوتن من أن يجعله يشير في كتابه إلى أنه مع (رن) و (هوك) و(هالي) توصلوا في نفس الوقت إلى قانون الجاذبية من قوانين (كبلر) في حركة الكوكب.
وقد اشتمل الجزءالثاني من البرنسبيا على مبادى علم الأيدروستاتيكا، والأيدروديناميكا، كما اشتمل على تطبيق قانون الجذب العام في شرح ظواهر المد ونسبتها إلى مكان القمر من البحار، وقد أضاف إليها هو مواضع الشمس أيضا. وقد احتوى البرنسبيا أيضاً على موضوع المذنبات، فاعتبرها أجساماً سماوية تسير في قطع ناقص هائل، ولا تظهر لنا إلا وهي تقطع جزءاً صغيراً من هذا القطع الناقص بالقرب من الشمس، وعلل بذلك ظهورها بعد أزمنة معينة: وبذا يكون قانون الجاذبية قد امتد خارج المجموعة الشمسية فشمل هذه المذنبات أيضاً.
لقد احتوى هذا الكتاب نواة الفلسفة الطبيعية، ولكنه لم يؤخذ به كأساس هي لذلك إلا بعد سنوات، وذلك لحملات النقد الكثيرة التي كانت توجه إليه من أمثال (هوك) و(هيجنز) و(ديكارت) وأن كان البعض قد آمن به بعد حين. وبرغم اتصال نيوتن بجامعة كامبردج طول حياته فانها لم تكن الجامعة الأولى التي أخذت بما في كتابه من فلسفة، وسبقتها في ذلك جامعات اسكتلندا
حياته العامة:
أخذ نيوتن راحة طويلة بعد ذلك المجهود الذي مكنه من اتمام البرنسبيا في سنتين فقط. وفي سنة ١٦٨٨ اختير عضواً برلمانياً بعد دفاع مجيد قام به مع غيره لصيانة حرمة جامعته عندما أمر الملك (جيمس الثاني) جامعة كامبردج أن تمنح قساً جاهلاً درجة (الأستاذية) ، مما كان له أثر في رجوع الملك عن أمره. وقد انصرف إلى أعماله البرلمانيه سنتين، ولو أنه لم يسجل له أي مساهمة في مناقشة سياسية. وفي ذلك الوقت اصابتة أكبر محنة لاقته في حياته، تلك هي وفاة امه التي ضحت من أجله بالكثير من القليل وساعدته للوصول إلى ما وصل اليه. فبرغم قلة دخلها السنوي الذي لم يتجاوز الثمانين من الجنيهات، كانت تقتر على نفسها لتنفق عليه في (جرانتام) وفي سنواته الأولى في كامبردج
وفي سنة١٦٩٠ عاد إلى كامبردج ليزاول التدريس مرة أخرى، كما اشتغل بدراسة تأثير الضوء على شبكية العين بتجارب أجراها في نفسه. وقد أجرى تجارب لتقدير درجات انصهار بعض المعادن وملاحظة معدل برودتها، وقال إن هذا المعدل يتناسب وزيادة درجة حرارة الجسم على درجة حرارة الوسط الذي يحيط به. ولكن بحوث (دولنج دبتي) أثبتت بعد ذلك أن هذا ليس بصحيح إلا إذا كان الفرق بين درجتي الحرارة صغيراً.
وقد شاء نيوتن أن يخرج للعالم كل ما وصل إليه في علم البصريات، وهو العلم الذي كان يشغل دائما جزءاً من وقته، ولكن كارثة لا يعلم إلى الآن سببها الحقيقي سببت حرق أغلب مذكراته. فقد ترك غرفته ليلاً وبها شمعة موقدة وأخر إلى أجل قليل، فعاد ليجد الشمعة قد انكفأت فأحرقت جُل مذكراته. ويقال إن كلباً صغيراً يدعى (دياموند) كان السبب في ذلك،
ولكن لسوء الحظ لم يعرف عن نيوتن الميل إلى إبقاء مثل هذه الحيوانات برغم حبه العظيم لها. وبذا لم يتمكن نيوتن من إعادة مذكراته وإتمامها إلا بعد اثني عشر عاماً.
في دارسك النقود
لم تكن المائتي جنيه التي كان يتقاضاها نيوتن سنويا عن وظيفة الأستاذية في الجامعة لتكفي للقيام بحاجاته؛ فسعى صديق له يدعى (شارل مونتاج) حتى عين في سنة ١٦٩٥ وكيلا لدار سك النقود بمرتب سنوي يتراوح بين ٥٠٠ و ٦٠٠ جنيه. فوجه كل عنايته إلى عمله بعيداً عن المناقشات العلمية، ولكنه مع ذلك كان يشتغل بحل المشكلات إلى تقابل غيره. ففي سنة ١٧٩٧ أعلن الرياضي الكبير (جون برتولي) عن معضلات رياضية يطلب إلى العلماء حلها، ففعل ذلك نيوتن في يوم واحد. وفي سنة١٦٩٩ أصبح رئيساً لدار السك بمرتب سنوي قدره ١٢٠٠ من الجنيهات، فترك مهنة التدريس التي كان يزاولها مع وكالته للدار.
وقد وجه نيوتن عنايته إلى إصلاح العملة الانجليزية مما دخلها من الغش، فوفق إلى ذلك بعد صعوبات لاقاها هو وصديقه (هالي) الذي عينه مديراً لأحد الفروع، ممن كانوا يستفيدون من ذلك الغش. فاتهموه بالرشوة عندما وجدوه يرفضها.
وفي سنة ١٧٠٠ اكتشف نيوتن آلة السدس (السكستانت) وهي الآلة التي يتمكن بها الملاحون من معرفة أماكنهم في عرض البحار، ولكن هذا الاكتشاف ينسب عادة إلى (هادلي) .
وفي سنة ١٧٠٣ نال نيوتن اعظم شرف منحه في حياته، وهو رياسة الجمعية الملكية؛ وقد لبث في هذه الرياسة حتى موته، ولا تزال صورته معلقة فوق كرسي الرياسة. وبعد سنة من ذلك التعيين توفي منافسه الدكتور (هوك) وأتم كتابه (البصريات) . وقد احتوى هذا الكتاب كل ما وصل إليه في علم الضوء، كما احتوى أيضا على رسالة في حساب التكامل،قال إن أساسها هو ما وصل إليه في سنة ١٦٦٥ عندما كان في (وولثورب) ، فقام يعارضه في ذلك العالم الرياضي (ليبنتز) ، الذي اصبح بعد وفاة (هوك) شر خلف لأعند سلف. هاجم نيوتن مهاجمة عنيفة، فاتهمه بسرقة اساس علم التكامل منه، فقام دكتور (كيل) من اكسفورد وأعلن أن (ليبنتز) هو سارق حساب التكامل
من نيوتن. والواقع أن كليهما وصل مستقلاً إلى علم حساب التكامل، إلا أن نيوتن له الأسبقية في ذلك وإن لم ينشرما وصل إليه في حينه، كما أقرت بذلك اللجنة التي عينتها الجمعية الملكية للتحقق من مبلغ صحة أقوال المتنافسين. عند ذلك اختار (ليبنتز) ناحية أخرى يهاجم منها نيوتن، فادعى أن فلسفته إلحادية، واستمر زمناً طويلاً كان هو البادئ بالعدوان دائما. وقد تحدي نيوتن مرة أن يحل مسالة رياضية فحلها نيوتن في ليل واحدة بعد عمله اليومي في دار السك.
نيوتن الرجل
كان طويل القامة، كث الشعر أبيضه، وقد لحقه الشيب ولما يزل في سن الشباب؛ كان كثير التفكير، يندر أن يشترك في مناقشة كلامية.
ذاق نيوتن طعم الفقر والحرمان في أيامه الأولى، وحتى بعد انتخابه عضواً في الجمعية الملكية قصرت موارده عن أن يدفع رسم دخول واشتراك الجمعية، فاعفي منهما مع ضآلتهما. ومع ذلك كان كريماً يساعد أقاربه وأصدقاءه.
كان وديعاً خجولاً متواضعاً، وكان دائماً يردد قوله: (لا أعلم ماذا يعتقده الناس فيّ، ولكني أعلم أنني كطفل صغير ألعب على الشاطىء فأجد من حين لآخر حصاة قد صقلتها الأمواج، أود صفة تدعوني إليها بحسنها، بينما محيط الحق أمامي لم أكشف منه شيئاً) .
لم يكن يميل إلى الظهور واسترعاء الأنظار إليه، كما كان لا يميل إلى المناقشات والمشاجرات، ومع ذلك لازمته ولاحقته بعد كل جديد كان يصل إليه. كان ضعيف الذاكرة، لا يعتني كثيراً بملابسه، غريباً في أذواقه. ولكنه كان يفني نفسه في عمله، وكثيراً ما آثر ذلك فى صحته.
كان نيوتن يعتقد بوجود الله، رغم ما اتهمه به (ليبنتز) من الكفر والإلحاد. كان يعتقد بوجود قانون كوني عام يحكم كل أجزاء
الكون، وهذا القانون هو إرادة الله. وقد رأى في ثبوت قانون الجذب العام سيطرة الخالق على الكون بأجمعه.
وقد أنعمت عليه الملكة (آن) بلقب الفروسية (سير) في زيارتها لجامعة كامبردج في سنة ١٧٠٥. وكان يعيش في أواخر أيامه في لندن وقد أصبحت له مركبة خاصة.
لم يتزوج نيوتن برغم انه كان يحب (مس ستوري) التي تزوجت مرتين، وكانت تعتني به (حنا) أخته من أمه. وقد أخذت صحته في الاضمحلال في سنة ١٧٢٤، وأخذ يشكو مرض الشيخوخة، ولكنه ظل يرأس الجمعية الملكية حتى مات في سن الخامسة والثمانين في مارس سنة ١٧٢٧. ودفن في وستمنستر، وقدرت ثروته بمبلغ ٣٢ الفاً من الجنيهات، الجنيهات أوصى بها إلى أولاد اخوته.
(تم البحث)

