الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 44الرجوع إلى "الرسالة"

٣ - بين المعري ودانتى، فى رسالة الغفران والكوميدية المقدسة

Share

أثر الروايتين فى اللغتين العربية والايطالية

حدثنا الدكتور جوفاني كابو فيلا عن أثر دانتي فى اللغة  الايطالية إبان تقدمته لروايته فقال (إليه يرجع الفضل فى تثبيت دعائم اللغة الايطالية التى  ملأها وهي لا تزال فى  مهدها بأقاصيص الحب والعدالة والحرية والجمال)

تلك كلمة نسطرها مقتنعين بها. فاللغة ايطالية وكل لغات أوربا  الحديثة إنما تزداد على مر الأيام جمالا وحسنا وثراء من أخيلة ومن ألفاظ. أنها تطرد فى الحسن اطراد الاوربيين فى الرقى.  وهكذا اللغة تقوى بقوة الامة، وتضعف بضعفها. وانا لنتقرى  مصداق تلك النظرية فى الاوربيين المعاصرين فنرى نسبتهم فى اللغة  كنسبتهم فى القوة. وقد كان الايطاليون ضعافا فى عهد دانتي فكانت  لغتهم وليدة، كما قال الدكتور جوفاني.

ونحن ما دهانا فى لغتنا؟. لقد كان عهدها الذهبي عصر المعري إبان القرن الخامس الهجري. ومن ذلك الحين أخذت تفقد  شعاعها على يد التتار فى الشرق، والاسبانيين فى  الغرب، والمماليك فى مصر، ولا زالت تضعف تراكيبها، وبتهليل نسيجها، حتى بلغت درجة

(الصفر) ضعفا وهزالا أواخر القرن الثالث عشر الهجري.

بيد أن نهضتنا المباركة أعادت للعروبة طراءة الشباب وجمال الفتوة. وأرتنا كتابا من المعاصرين لا أسميهم، ولا أبالغ أن قلت أنهم فى الطليعة يسايرون الجاحظ، وابن المقفع وعبد الحميد، وعمرو بن مسعدة. فى  الفكرة وفي الاسلوب.

فذلك الضعف المطرد فى الامة العربية منذ القرن الخامس  الهجري. وتوالي الكوارث، والمحن عليها أضعف من لغتها. وجعل أثر (رسالة الغفران) محدودا. وهل تستطيع رسالة الغفران  أن تقاوم الضعف التى  تفتحت أبوابه علينا من كل اتجاه؟. أن ذلك  غير مستطاع. ولو أنها رقت ألفاظها وعذبت مفرداتها،  وسلمت من غرابة أتشحت بها، لرجونا أن تلوكها الألسن فتعذب،  وتجول فى جنياتها الأخيلة فتسمو. ولكنها أبت أن تخرج للناس سافرة غير ذات نقاب. فوضعت من دونها حجباً وأستاراً من أغراب ووحشية ومعاظلة لا تزول إلا بعد استشارة القاموس ولسان العرب ومعاجم اللغة. وقد تجد طلابتك وقد لا تجد. نعم قد لا تجد شرح بعض مفردات (رسالة الغفران) فى معاجم اللغة كلها. فحالت الغرابة دون تناولها، بقيت صدفاتها مغلقة على لآلئها، فلم ينتفع بها أحد.

نزعة فى أبي العلاء إغرابه والعصر عصر حضارة، وتوعره  والزمان زمان رقة نمت فى نفسه بنمو مزاجه السوداوي، وتقوت دعائمها بما كان يكاثر به العلماء بعضهم بعضا فى عهده من المباهاة  بالغريب. ثم صوغه فى قالب جذاب ترغيبا فى حفظه .

تلك المدرسة التى  كان يرفع لواءها الحريري المتوفى سنة ٥١٦  والتي وضع أساسها ابن دريد المتوفي سنة ٣٢١. وابن فارس المتوفي سنة ٣٩٠. والخوارزمي المتوفي سنة ٣٨٣، والبديع الهمذاني المتوفي سنة ٣٩٨، وابن نباتة السعدي المتوفي سنة ٤٠٥. والتي  كانت تكلف بالغريب تتلمس أوهى الأسباب لذكره والأكثار  منه، كان لها أثر فى  نفس المعري. فحببت إليه الأغراب والإغماض. وأخرى لعلها حدث به أن يغرب. تلك هى السخرية والدعابة التى  يشم منها رائحة التطاول على الدين. فعمد المعري للغريب يتوارى خلفه. ويتخذه مجنا دون من كان يتقى، فأرانا أفانين من الاغراب  تعرب عن علمه باللغة بما تقصر دونه الأعناق ولا تكاد تحيط به العقول.

ولقد كان يأتي ببعض الغريب ثم يفسره مما نستنبط منه أن

شرح المفردات اللغوية كان أحد أغراضه من تدبيج رسالته.

وحسبي أن أضع أمامك بعض نصوصها لتحدثك عن غرابتها، فأول ما ينطق به فى رسالته قوله: قد علم الحبر الذى نسب إليه  حبريل (بالحاء). وبينا ابن القارح يطوف فى روضات الجنة إذا به ينظر خمسة نفر فيقول لهم: ما رأيت أحسن من عيونكم! من أنتم ؟  فيقولون: نحن هوران قيس تميم بن مقبل العجلاني، وعمرو  ابن أحمر البأهلي، والشماخ بن ضرار أحد بن ثعلبة، وعبيد بن الحصين النميري، وحميد بن ثور الهلالي. فيحاور الشماخ فى شعره، فيقول له الشماخ: إنما كنت أسبق هذه الأمور وأنا آمل  أن أفقر بها ناقة. أو أعطي كل عيالى سنة. وأنا الآن إن أحببت  وردا من رسل الأوارى، فرب نهر كأنه دجلة أو الفرات. ولقد  أراني فى دار الشقوة أجهد أخلاف شياه لجبات لا يمتلئ  منهن القعب.

وكذلك قوله: وما عمل من أجناس المسكرات. مفوقات للشارب. وموكرات كالجعة والبتع والمزر. والسكركة ذات الوزر. إلى غير ذلك مما امتلأت به رسالة أبي العلاء. فكان حصونا منيعة دون المعنى تحول بينه وبين الأفهام. ودونك مثلا  من غريب ما ذكره وفسره حين يقول. فأن خرج إلى الحاء فقال:  من أم شح جاز أن يقول: وحوارى بمح، وببح، وبرح، وبجح،  وبسح. فالح مح البيضة، وبح جمع أبح من قولهم: كسر أبح أي  كثير الدسم. ويجوز أن يعني بالمح القداح كما قال السلمى

قروأ أضيافهم ربحا ببح     يعيش بفضلهن الحي سمر

ورح جمع أرح، وهو صفات بقر الوحش. وقد يقال  لأظلاف البقرة رح. قال الشاعر الأعشى

ورح بالزماع مردفات     بها تنضو الوغى وبها ترود

والسح تمر صغير يابس، والجح صغار البطيخ قبل ان ينضج. وسواء لدينا أكان إغرابه معاياة لعلماء اللغة أم خدمة فى سبيل إحيائها. أم تلك الأسباب كلها مجتمعة، فقد كان ذلك النسيج دروعا  حول المعنى رغبت الناس عنه. فلم تؤثر الرواية فى الجماهير. ولعل  أكثارها من نقاش النحو واللغة والصرف، صرف قلوب الناس  عنها. على حين كان دانتي يتخذ من روايته عظة خليقة خلابة فتهافت الناس عليها منذ تراءت فى سماء ايطاليا.

ولعل مما يكبر المعري فى أعين النقاد أن نقاش رسالته وهو

فى غريب اللغة، وعميق النحو والصرف والعروض، وثلة من تلك  الابحاث الجافة لم يكن جافا، فقد أضفى عليه عذوبة من روحه جعلته  عذبا شائقا. وتلك هى القدرة الفذة التى  تجعل المعري فى الخالدين.

نفسية الشاعرين :

كان المعري ههنا مرحا طربا، فابتدأ بالفردوس، وختم  بالفردوس، واطلق لخياله العنان، فى السخر والدعابة، يسمر مع الشعراء والأدباء والنحاة. بل مع إبليس، ومع الخزنة،  خزنة النيران: يرى المعذب تندلق أقتابه، ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت،  فيحاوره فى النحو والصرف، وفي الرواية والتصحيف، دون أن تجدي لديه ضراعة المعذبين وأعتذارهم عن الأجابة بما هم فيه. ولم يصحب المعري دليلا فى رحلته إيناسا لابن القارح، وتعبيدا لسبيلها. ولكن دانتي كان مروع القلب. هلوع الفؤاد. ابتدأ الرحلة  بالجحيم فلم يطق السير فى ظلماتها وحيدا. فصحب الشاعر العظيم  فرجيل، يؤنسه ويهديه سواء السبيل. بيد أن أصطحابه لم يمنعه  أن يشتد به تأثره، حين يرى الجثث تتطاير مع اللهب من اللهب وحين  يستمع العصاة وهم يصطرخون فيها داعين بالويل والثبور الواحد،  وبالويل والثبور الكثير.

ولقد أغمي عليه مرات عدة. ففقد وعيه حينما كان يطوف فى الطبقة الثانية من جهنم، فرأى العاشقين باولو  Paolo وفرنشيسكا  Francescaوهما يتطايران متعانقين فى  لهب السعير. رأى دانتي تلك المخلوقة الضعيفة تلفح وجهها النيران فأغمي عليه. ولما أفاق قصت عليه قصصها. وأنها كانت هيفاء القوام، مشرقة الطلعة، خطبها  (جانشوتو مالاتستا) القصير القامة الدميم الخلقة. فأطمع أهلها ثراؤه. فتغاضوا عن دمامته، وإبان الخطبة أروها أخاه (باولو)  الوسيم القسيم، فأحبته وظلت ترقب ليلة الزفاف التى تجلت لها سوداء قاتمة حين رأت زوجا دميما خدعت فيه بأخيه الذى  ظلت  عرى المحبة بينها وبينه متواصلة. حتى أتاحت لهما الفرصة سفرا من زوجها قريبا فالتمساها وجلسا يقرآن معاقصة فيها، بلغاها فقلداها فتوشجت بينهما أواصر المحبة، حتى تكشف أمرهما لأحد  الخدم، فسعى بهما زوجها فحضر على حين غفلة فرآهما معا مختليين فى منأى عن أعين الرقباء، فأستبقا الباب فاتبعهما بسيفه فقضى عليهما  عقابا فى الدنيا، يتلوه خلودهما فى الجحيم.

ولقد كان دانتي يطوف فى الطبقة الأولى من الجحيم. فزلزت  الأرض زلزالها، وانتشر فى الجو نور أحمر تكاثف حتى ملأ الآفاق  ففقد كل المشاعر والحواس. لولا رعد قاصف دوى فى إذنيه فأفاقه  وهكذا كان دانتي مضطرب القلب مروعا من رحلته، على حين أن ابن القارح كان طروبا كما حدثتك حتى فى أشد المواقف إذابة للصخور  الجلامد.

وذلك فرق ما بين الشاعرين: دانتي العابس، والمعري الباسم فى رسالة الغفران لا فى اللزوميات.

يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية