وفى ص ٣١٥ س ٩ : ( وهو فى ذلك عبقر نضير ) فقلت : صوابه ( عنقر ) وأن المراد بالعنقر ( البردى ) . فأول ذلك أنك جعلت ( الحلقاء ) هو ( البردى ) بعينه . مع أنهما نوعان مختلفان ، وإن تدانيا فى الفصيلة ، كما يتضح من مراجعة كتب النبات ومعاجم اللغة .
والآخر أن كلة ( عبقر ) صحيحة ، فى معناها وفى وضعها ؛ فإن العبقر ( أول ما ينبت من أصول القصب ونحوه وهو غض رخص قبل أن يظهر من الأرض (١) ) . ومثل ذلك معنى (العنقر ) كما فى اللسان ، والنبات والشجر للأصمعى (٢) . ولكن ماذا يدفعنا إلى تبديل النص ما دام اللفظان متعادلين متساويين فى أداء المعنى ؟ ! .
ولعل ما حدا بك إلى إثبات (العنقر ) أنك تريد تأويلها بالبردى ، الذى هو أحد معنى ( العنقر ) . وما معنى ان يقول الحاحظ : إن الحلفاء يثقب الآجر وهو فى ذلك يردى تفسيرا ؟ ! إنما يريد الجاحظ التعجيب بأن يتمكن هذا الأصل الغض الرخص ذو النضرة أن ثقب ذاك الجسم الجامى الصلب .
وفى الصفحة نفسها س ١٠ - ١١ قال الجاحظ : " وزعم لى ناس من أهل الأردن انهم وجدوا الحلفاء قد خرق جوف القار " . وفسرت ( القار ) بأنه الزفت ، فقلت معترضا : " ليس فى الأردن قار أو قير بمعنى الزفت ليصح الكلام " . وليت شعرى أنقصبت أرض الأردن ، وهى عريضة واسعة ، فكان منك ألا تجد القار ؟ ! ولنفترض أن القار ليس يوجد بالأردن ، أفعجز أهله ان يجتلبوا القار إلى بلادهم ليستعملوه فيما يصلح من شأنهم ، ويقبروا به ما يشاءون من الحياض والمتوضآت ؟ ! وقديما كان يفعل ذلك العرب وغيرهم ، فى كل جهة وفى كل صقع ليمنعوا تسرب الماء إلى باطن الأرضين (١) . وهل يرتضى حضرة الأب أن أقول له : ليس فى بغداد ذهب ؛ لأنه ليس يخرج من أرضها ؟ ! واستشهاد الجاحظ بقول أهل الأردن ليس يلزم منه وجود تلك المادة في غلات بلادهم أو عدم وجودها . وإنما يريد الجاحظ ذكر المخبر له بهذا الخبر ؛ ليطمئن القارئ إلى صدق روايته .
وفى ص ٣٢٠ " فإذا عاد كالجمر . . . كما يبتلع الجمر " قلت : صحة العبارة " فإذا عاد كالجمر ... كما يبتلع الحجر " وتصحيح الكلمة الأولى بديهى ؛ لأن كلمة (الجمر) تكررت فى الصفحة كثيرا ، فهو خطأ مطبعى ظاهر . وأما تصحيحك ( الجمر ) بكلمة ( الحجر ) فلا يسعفك فيه أن تقرأ باقى النص ، وفيه : " وكنت قلت له : إن الجمر سخيف سريع الانطفاء إذا لقى الرطوبات . . . " الخ . وفي ص ٤٧٢ قول الجاحظ : " والملح شيئان ، أحدهما
المرقة ) فقلت : صوابه ( الدقة ) المرادفة لكلمة ( الملح ) . ولو أننى صوبته بما قلت لكنت متحكما فى توجيه النص . وأنا قد أثبت فى شرح الحيوان قولين للعلماء فى تفسير كلمة ( الملح ) الواردة فى قول شئيم :
لا يبعد الله رب العباد والملح ما ولدت خالده أما الأول فهو ( الحرمة ) بمعنى الذمام . وأما الآخر فهو ( البركة ) . فيصح أن تكون كلمة ( المرقة ) محرفة عن إحدى الكلمتين ، ولاسيما الكلمة الأولى ، فهى أقرب إليها فى الصورة .
وتجد حضرتك أنى بدأت الكلام على البيت بأن كتبت لفظ ( كذا ) . وهذه إشارة منى إلى ارتيابى في صحتها .
وأما توجيهك لها بأنها ( الدقة ) فقد رأيته قريبا وأراه بعيدا ، وفيه شئ من العجب ؛ فإن أحدا من العلماء لم يفسر به البيت ، وإن الجاحظ لا يكون منه ان يلجأ فى تفسير الكلمة الواضحة - بالمعنى الذى أردت - إلى كلمة منكرة مثل هذه . ولو أراد هذا المعنى لعبر عنه بقوله : ( أحدهما ذاك المعروف ) أو نحو ذلك .
وأخيرا ، إن إطلاق (الدقة) على ( الملح ) قول ضعيف . وفى اللسان : " الدقة : التوابل ، وما خلط به من الأبزار نحو القزح وشبهه . والدقة : الملح وما خلط من الأبزار . وقيل : الدقة : الملح المدقوق " .
وفى ص ٤١١ س ٦ ( على كنس ) وهو خطأ مطبعى ، لا يرتاب قارئ فى ذلك . وتجد حضرتك فى الشرح قولى: " والكنس بضمتين " . وهذا تعيين صريح .
وفى ص ٢٩٦ ( كيتناسب ) الذى ظهر ( زرادشت ) في عصره . فقلت أولا : " صوابه كيستاسب ، أو كيستاسف ، كما فى تاريخ ابن خلدون ١٦١:٢ " . وقلت ثانيا : " وأما كيستاسب فهو ابن لهراسب . وكان قبل ظهور زرادشت الهريذ الشهير " .
أما ما قلت ثانيا ، من أن ( كيستاسب ) كان قبل
ظهور زرادشت ، فزعم لا يصلح ، واستشهادك بما جاء فى الآثارة الباقية للبيرونى ص ١٠٥ ، استشهاد غير موافق . فإن نص البيرونى حين راح بعد " ملوك الفرس المكيانية " , هو : " وبعد ذلك كيتناسب بن لهراسب إلى أن ظهر زرادشت ، وبعد ذلك كى أروشير بهمن بن اسفنديار بن بشتاسف " فكيف يفهم من هذا النص أن ( كيشتاسب ) كان قبل ظهور زرادشت ؟ ! وهو نص صريح كل الصراحة فى أن ظهور زرادشت كان فى زمن كيشتاسب ، وأن ملك هذا امتد به حتى شاهد زادشت .
وإن أحببت دليلا آخر على أن ( كيشتاسب ) بن لهراسب هو الذى ظهر زرادشت فى زمنه ، فارجع إلى فهرس ابن النديم (١)، حيث يطالعك هذا النص الصريح الآخر ، نقلا عن كتاب الوزراء للجهشيارى (٢) : " كانت الكتب والرسائل قبل ملك كشتاسب بن لهراسب قليلة . . . . فلما ملك كشتاسب واتسعت الكتابة ، وظهر زرادشت بن اسيتمان صاحب شريعة المجوس وأظهر كتابه العجيب بجميع اللغات أخذ الناس نفوسهم بتعلم الخط والكتابة فزادوا ومهروا . . "
فأنت ترى أن ( كشتاسب ) تناوله المؤرخون الذين كتبوا بالعربية ، على وجوه شتى . فهو (أشتاسب) (٣) عند الطبرى و ( كشتاسب ) عند ابن النديم ، و ( كيشتاسب ) عند البيرونى ( ٤ ) ، و ( كيستاسب ) عند ابن خلدون (٥) و ( كيستاسف ) عند ابن خلدون أيضا ( ٦ ) و(بشتاسف ) عند البيرونى أيضا ( ٧ ) , و ( بشتاسب ( ٨ ) ) . وذلك
راجع إلى اختلاف سبل التعريب . ومهما يكن من الأمر فهو ابن ( لهراسب ) ( ١ ) أو ( كيلمراسب ( ٧ ) ) أو ( كيهراسف ( ٣ ) ) أو ( كهراسف (١) ) أو ( كى لهراسف ( ٥ ) ) أو ( لهراسف ( ٦ ) ) فانظر كيف تعددت الصور والمسمى واحد !
ومما يحسن الاشارة إليه ، ويعرفه حضرة الأب الجليل جد المعرفة ، أن لفظ ( كى ) تصدر به أسماء كثير من ملوك الفرس . ومعناه ( الملك الكبير ) ، فهو ليس من صلب الأسم ، ولما أهمله بعض المؤرخين ، كما قد أهمل بعض المؤرخين إثبات بأنه ، مكتفين بكسرة الكاف .
وأما حديثك عن ( تنين أنطاكية ) وعن ( الأصلة ) و ( الدساس ) وعن ( الفرانيق ) , وتذكيرك إياى بما كتبت فى مجلة المشرق - فهو إشارة قيمة مفيدة حقا . وإنى لأتمنى كما يتمنى معى كل معجب بتحقيق حضرة الأب ، وبأبحاثه التى لا يضارع فيها ولا يبارى - إنا لتمنى أن نلقى هذه الأبحاث مجموعة مطبوعة فى كتاب ؟ لتكون ذخيرة سهلة التناول ، عامة الفائدة ؛ فإن فى كل ما كتب حضرة الأب ما يعجز فطاحل العلماء المحققين . ولو أن الدهر كان قد تقدم به ، لكفانا مؤنة هذا التضارب والتخالف ف تأصيل المكلم العربى ، ورد الكلم الأجنبى منه إلى لقائه ، فهو به جد عالم به وجد قدير .
٨ - حسنات الكتاب
وجدتك تخلع على حلة من الثناء فضفاضة ،
وتعبر عن رضاك بما حققت من كتاب الحيوان ، وبما صارعت من تحريفاته وتصحيفاته . تعبيرا خشيت أن أقوله ثانيا ، كما خشيت أن يحملنى على الزهو . ولست من الزهو والتخيل ، ولا هما منى ؛ وإنى لأجد ما قلت فى هذا تشجيعا كريما ، وظنا حسنا . وليس يسعنى إلا أن أشكرك أعظم الشكر على ما أنفقت من بر طبيب ، وصنيع بارع ، وما أشدت به وأطلقه ، وتهديت إليه ألطف التهدى ، من مكنون جهدى المتواضع ، فى هذه المهابة الفكرية ، المترامية الأطراف ، الشائكة المناهج .
وإن كنت قد أعجبت بما رزقت من صبر على تحقيق هذا الكتاب ، ومغالبة تصحيفاته وتحريفاته ، فإنى أزجى إليك إعجابى وإعجاب أسرة العروبة جمعاء ، بما منحك الله من إنصاف بارع ، أدهش كل من نظر فى رسالتك التاريخية إلى ، على صفحات ( الثقافة ) (١) .
سألتنى عن الغرابة فى جمع ( خشف ) بتثليث الخاء على ( خشفان ) فأقول : إن الغرابة فى عدم وروده فى المعاجم ، فإن المعاجم المعروفة جمعته على ( خشفة ) بكسر ففتح و ( خشوف ) كما نقلتم عن الصباح .
٩ - خاتمة الرسالة
لقد استرعى نظرى فى هذا الفصل قولك : " وعسى أن تراجعنى فيما لا توافق عليه من تصحيحاتى لك . فهذه هى الغاية التى يصل إليها تواضع العالم القدير ؛ وإنى ما نهضت بكتابة هذا الجواب إلا طوعا لكريم طلبك ، وتلبية نبيل رغبتك .
وقد أتحت للعالم العربى فرصة فى أن يشهد محاورة طيبة بين أستاذ وتلميذه . وإنا لنرجو أن نعيد امثالها فيما نستقبل من أجزاء الكتاب .
وقلت : إنك " قد انفذت إلى بملاحظات شتى على الجزء الثالث من كتاب الحيوان " . فلو انها وقعت إلى لاحتفظت بها احتفاظ الشحيح ، ولحرصت عليها أشد الحرص ، ولأخبرتك بوصولها فى حينه شاكرا . وإنه ليؤسفنى أن أحرم من وصول هذه الملاحظات إلى ، بما صنع البريد ، فيما أرى .
ومهما يكن فإن موضع نشر الملاحظات التى تتعلق بما تم نشره من أجزاء الكتاب ، إنما هو نهاية الجزء السابع ، كما أشرت إلى ذلك فى تذييل الحيوان (١) . وإنى لأرحب ترحيبا صادقا بملاحظاتك ، وبما يرسل إلى كرام الأدباء وكبارهم ، أو يحتفظون به إلى
ذلك الحين . وآخر رسالة وصلت إلى هى رسالة الأخ الجليل الأستاذ عبد الرزاق الحصان ، من كرام أدباء بغداد ، الذى أعلن له إعجابى بملاحظته الدقيقة .
وأما بعد فانى اتقدم بجزيل شكرى إلى حضرة الأب المحترم ، ثم أتمنى له الشكر ، راجيا أن يتقبل من تلميذه المعجب بفضله وعلمه أصدق آيات الاجلال والاحترام . ( منشية البكرى )

