الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 45الرجوع إلى "الرسالة"

٤ - يسألونك عن الأهلة

Share

(تتمة)

سطح القمر

ثم جاءت الفوتوغرافيا فمكنت الانسان فى ساعة قصيرة  مما كان يتطلب منه أياما طويلة، وقدرته بمجهود فنى مركز  قليل، على ما لم يكن يقدر عليه الا بمجهود قاس منهك كبير،  وكانت الفوتوغرافيا فى منتصف القرن الفائت فى أول  نشأتها، فكانت الخدمات الأولى التى أدتها الى علماء الأفلاك  منقوصة مقصورة. ولكن ما لبثت أن تقدمت هذه  بتقدم تلك، ورقب بحاث السماء بحاث التصوير فاستفادوا  من كل جديد، وغيروا وحوروا من الطرق المستحدثة حتى  تتفق مع حوائجهم، وزادت تلك الحوائج وتضخمت حتى  انفردت بمبحث خاص أسموه الفوتوغرافية السماوية  Celestial photography هى اليوم من أهم الوسائل وأقرب  الوسائط فى دراسة كل ما يحدث فى العوالم الدوارة والشهب  السيارة، وللتصوير الشمسى فى دراسة النجوم والأقمار  ميزات غير الميزة الظاهرة ترجع الى طبيعة العدسات واحساس  الأفلام. فعين الانسان مثلا اذا حدقت فى شىء مباشرة أو  بواسطة منظار فهى لا ترى من هذا الشىء إلا بعضا صغيرا  من كل كبير، لذلك كان الرسامون القدماء يرسمون القمر  بأقلامهم من خلال المنظار قطعة قطعة، وخريطة خريطة،

ثم يصلون بين هذه الخرائط لتتم الوحدة، وذلك لأن عيونهم  لا تستطيع أن تبوئر Focus من المنظور الا منطقة قليلة،  أما عين الكمرة فأوسع من عين الآدمى وأشمل، فنظرة  واحدة منها تعدل نظرات المئات من الناس. وعين الكمرة  يتراكم فيها أثر المنظور بتطاول الزمن، وليس هذا لعين الانسان،  فأنت تنظر الشىء القليل الضياء فلا تراه أبدا أو تراه مبهما،  ولا تفيدك إطالة النظر اليه الا تعب العين فزيادة الابهام،  أما الأثر فى الكمرة فكيميائى فللزمن عامل فيه، فكلما زاد  التعريض زاد الأثر فبان الخفى واتضح المبهم. وقد رأت  الكمرة وترى فى السماء أجراما عميت عنها النواظر. وعين  الكمرة تحس أضواء من أنواع لا تراها العين، فالعين لا ترى  الا المرئى من الطيف، أما فوق البنفسجى وما دون الأحمر  فلا ترى منهما شيئا، وهى أضواء فى دراسة السماء لها خطر كبير  تضطلع به الكمرة بكفاية محمودة

والقمر أول أجسام السماء التى اتجه اليها البحاث فى التصوير  الفوتوغرافى، اقترح ذلك أراجوا Arago عام ١٨٤٠  ولكن انفذه الدكتور درابر Draper فى نفس العام، وكانت  طريقة التصوير المعروفة عندئذ هي طريقة داجير  Daguerre   يستخدمون فيها لوحا من نحاس مفضض يحسسونه ببخار  اليود والبروم، ونجح بها تصوير القمر لأول مرة نجاحا  خطيرا، ولم يكن خطره فى حسن الصورة الناتجة وشدة  وضوحها وكثرة تفصيلها، فهى لم يكن لها ذلك، وإنما كان  خطره فى ان القمر أمكن تصويره من ضوئه، فقد كان الناس  فى شك من احتواء هذا الضوء على أشعة الشمس التى تؤثر  فى أملاح الفضة

وجاءت طريقة التصوير بالكلوديون Collodion وهو  النتروسليولوز مذابا فى كحول وأثير، يضاف اليه يودور  الصديوم أو البوتاسيوم مع قليل من البرومور، ثم يفرش  على ألواح من زجاج تغمس فى الظلام فى حمام من أزوتات  الفضة فيتكون عليها بذلك يودور الفضة وبروموره وهما  الملحان الحساسان.، وكان لا بد من تجهيز اللوح قبيل التصوير  مباشرة. استخدم هذه الطريقة كروكس Crookes وديلارو De la Rue فجاؤا بصور أقصر زمنا وأوضح تفصيلا.

ثم خطت الفوتوغرافيا خطوتها الثالثة فى التقدم فصنعت  الألواح من الجيلاتين بدل الكلوديون فخرجت الى الاسواق  ألواح جافة. ثم حلت الأفلام محل الزجاج. ولا دراك  الفرق بين طرق التصوير الثلاث الفائتة نذكر أن متوسط  المدة اللازمة لتعريض اللوح فى طريقة داجير هى نصف  ساعة، وفى طريقة الكلوديون عشر ثوان الى خمس عشرة  ثانية، وفى طريقة الجلاتين ثانية الى جزء من مائتين من  الثانية. والزمن له قيمته فى تصوير المتحركات ومنها الاجرام  السماوية

وتتخلص نتيجة الفحص البصرى والفوتوغرافى فى تمييز  أشياء ثلاثة على سطح القمر هى أظهر ما فيه

اما الشىء الأول فسلاسل من الجبال متباينة الاشكال،  بعضها بالغ العلو طويل السلسلة، وبعضها مفرطح متصل  يكون نجادا واسعة، وبعضها متقارب الجبال متجمعها، وبعضها  كبير الميل عميق السفح رفيع القمة. وقد توجد فى الوديان  تلال كالاهرام منثورة مبعثرة، وقد تعلو وتميل بغتة حتى  لتشبه أكثر مناطق الأرض وعورة، ومن أغرب ما فى تلك  السلاسل جسور قليلة العلو الا أنها مسرفة فى الطول تمتد بين  الجبال فتربط الكبير بالصغير والمجموع بالمنثور  

أما الشىء الثانى فجبال ذات فوهات كالبراكين هى فى الواقع  أخص مظاهر السطح، وهى فوهات  أوسع كثيرا من فوهات  البراكين الارضية، فجبل كوبرنكس Copernicus يبلغ قطر

فوهته فوق الخمسين ميلا، وتختلف تلك الجبال الفوهية فى  مظهرها، فبعضها فوهته كالحائط المستدير، وبعضها تكسرت  فوهته فظهر ما بقى منها كالجبال تجمعت فى استدارة حول  حفرة الفوهة، وبعضها عمقت حفرته أو ضحلت أو تقورت  أو تقعرت، وبعضها انخفض قاع حفرته عن مستوى  الارض بظاهر الجبل، وبعضها قاربه أو علا عنه كانه فنجان  امتلأ، وتعزى أصول هذه الجبال الفوهية القمرية الى مثل  أصول البراكين الأرضية، ومنها ما يركب بعضه بعضا كما  تعلو الحلقة الحلقة ولا تطابقها، فيقال ان الأوطأ كانت بسبب انفعال باطنى أقدم

ويميز الانسان على سطح القمر عدا ما فات اخاديد  مستقيمة تستطيل فى الوديان فى اتجاه واحد فاذا انحرفت عنه  فعلت ذلك بغتة وسارت فى استقامة جديدة، فاذا اعترضها  جبل فوهى قطعته، فهى أجد منه ولادة، واذا اعترضها

جبل عصى فقطع اطرادها ظهرت وراءه دون أن يختلف  مسارها. أما طول الأخدود الواحد فقد يبلغ المائة ميل،  وأما عرضه فقد يزيد على الميلين، وتعزى هذا الأخاديد فيما  تعزى الى انشقاقات حصلت فى السطح وهو يبرد وينكمش

وتتميز على سطح القمر أيضا شعاعات تخرج من فوهات  الجبال فتمتد مئات من الأميال لم يهتد الفلكيون بعد كل  الاهتداء الى تفسيرها.

وكلما تقدم البحث فى القمر وزادت معرفة الانسان بأحواله  خاب الرجاء القديم فى العثور على أثر من آثار أناسى مثلنا  تسكن القمر. بالطبع لم يكن مرجوا أن نرى شخص انسان  على القمر لقصور أجهزتنا الضوئية عن إدراك ذلك، ولكن  تلك الأجهزة تتبين على سطح القمر أشياء تقل أطوالها  عن نصف ميل، وإذن فلو كان على القمر ناس  يسكنونه وفاتتنا رؤيتهم فلا أقل من أن نرى آثارهم، فالمدن  لابد أن تكبر عن نصف ميل، وهى لا شك تتغير خططها  فتضيق وتتسع على الزمن، وتمتد إن شرقا  وإن غربا وإن شمالا وإن جنوبا وقد تطول  وقد تستعرض، وقد فاتنا ادراك شىء من  ذلك بأقوى المنظارات. هذا على افتراض  أن الانسان الذى يسكن القمر مخلوق على  مثال انسان الأرض حجمه وجرمه،  وهو افتراض لا تعززه طبائع الامور.  فانا نعرف ان الجاذبية على سطح القمر أقل  منها على سطح الأرض، فهى تبلغ نحو  الثمن، فالرجل منا اذا نط على سطح القمر  ارتفع الى نحو ثمانية أمثال ارتفاعه على سطح  الأرض فمن اجل اتزانه يرجح أن يكون  جرمه ثمانية أمثال جرمه على الأرض.  وحكم مساكن الانسان على القمر كحكمه،

فهى إن كانت فلا بد أن تكون كبيرة ضخمة لتتوافق مع ساكن  ضخم كبير ولتثقل فتتزن على سطح القمر فلا تندك من اهتزاز  قليل. والمنازل الواسعة تؤلف لا شك مدنا كبيرة مديدة أكبر  من مدن الأرض وهذا يسهل علينا مرآها، ولكننا لم نر شيئا.  على أن كل الأدلة تقضى بخلو القمر من الماء ومن الهواء،  وكلاهما لازم للحياة علت أو سفلت. والحياة كما نعرفها  لا تكون الا فى درجات من الحرارة محدودة، فهى لا تزيد  كثيرا على الخمسين، ولا تنزل كثيرا عن الصفر، والمعروف  عن القمر أن نهاره بخمسة عشر يوما من أيامنا، يظل فيه  فى مواجهة الشمس يأخذ من حرارتها فتعدو درجته المائة،  يتلوه ليل بخمسة عشر يوما من أيامنا يبرد فيه برودة دون  ما تحتمله الحياة بكثير. فالحياة - كما نعرفها - لم يثبت وجودها  على القمر، لا عيانا ولا استنتاجا، بل ثبت النقيض.

اشترك في نشرتنا البريدية